الوشم من العدم.
"ابتسمي الآن وتصرفي كأنكِ لا تعرفين أننا تحت المراقبة"
• • ────── NOIR.MIND ────── • •
استيقظت إيفلين من النوم ثم نهضت من السرير وبدأت تقوم بحركات تمدد روتينية لتنهض نشيطة كل شيء بدا طبيعيا حتي لحظت اقترابها من زاوية الغرفة تحديداً عند المرآة الكبيرة لترى جمالها كالمعتاد.
وعندما بدأت تقوم بحركات عشوائية لاحظت شيئًا علي رقبتها مما جعلها تقترب من المرأة وبسببه تجمدت من مكانها.
ربطت شعرها بالكامل وهناك رسمت بدأت من أعلى عنقها وكأنه يستمر للأسفل، عندها إزالة قميصها ذو أكمام طويلة وكانت الصدمة، في المنتصف تمامًا خط أسود أشبه بقطرة حبر وقعت على صفحة بيضاء لكنه لم يتوقف.
امتد الخط للأسفل في يدها الايمن كأنها شرايين جديدة لكن سوداء.
تلتف حول عظم الترقوة ثم تتلوى نزولًا نحو الكتف والذراع حتى وصلت إلى الرسغ.
ولم تتوقف.
اليد نفسها لم تسلم.
وفي مركز الكف فوق العصب مباشرة، دائرة داكنة للغاية وفي منتصفها رسمت قطة سوداء مما جعلها تتفاجأ بوجود رسمة منطقية.
انهارت إيفلين على الأرض وجلست مرتجفة تحدق في يدها اليمنى التي لم تعد كما تعرفها.
ذاك الوشم الزاحف من عنقها حتى أطراف أصابعها.
"هذا لا يمكن أن يكون حقيقيًا"
لكنه كذلك، شعرت بالذعر مما سيقوله والداها، لطالما منعاها من الوشم حتى مجرد التحدث عنه كانت خطيئة.
كانت تلك قوانينهم التي يجب إتباعها بكل طاعة وها هي الآن موسومة بوشم لا يمكن تفسيره ولا يمكن إزالتها.
وضعت يدها على عنقها تحاول إخفاء بداية ذلك الخط الأسود.
"لا أحد يجب أن يرى هذا لا أحد مهما كان"
ثم فكرت في وشاح أو معطف طويل أو حتي قميص مع رقبة طويلة لكن هذا يزعجها خاصة أن الصيف قد بدأ والحرارة تزداد يومًا بعد يوم وارتداء شيء كهذا في وضح النهار سيجعلها تذوب أكثر.
لم يكن لديها اية افكار او حلول لكن كل ما خطرت ببالها هو صديقتها المقربة، أسرعت الي هاتفها واتصلت علي صديقتها وهي تعض علي شفتيها بقوة تأمل أن تجيب بسرعة قبل أن تفقد أعصابها وبالفعل أجابت حتي صرخت إيفلين بصوت عالٍ:
"يجب أن نتقابل في الحال"
أجابت صديقتها بعد مدة وكأنها متفاجئة من صوتها وكأن الموضوع بدى بأهمية كبيرة من غير العادة.
"بالطبع إذا أراكِ في ذلك المقهى المعتاد"
أغلقت إيفلين الخط بسرعة وتركت الهاتف مستقرًا فوق السرير ثم اتجهت نحو خزانتها واختارت قميصًا أسود برقبة عالية وأكمام طويلة، فوقه ارتدت جاكيتًا واسعًا بلون رمادي وبعدها أمسكت بقبعة مخصصة لأشعة الشمس لكنها هذه المرة لم ترتديه لأجل الشمس.
بل لأجل اخفاء ملامحها خاصة وأن ذلك الحى يعرف والديها، أرادت فقط ان لا يتم التعرف عليها قدر الإمكان واخيرا ارتدت قفازات سوداء لتغطى يدها المملوءة بالحبر الاسود الغير قابل للمسح وحينما انتهت من تجهيزاتها دفعت الباب بقوة واتجهت بسرعة إلى الخارج.
........
دخلت إيفلين المقهى وفورًا تعرفت علي صديقتها، فكما اعتادا دائما الجلوس في المقاعد الخلفية قرب النافذة اسرعت إيفلين اليها وجلست امامها تحت انظار صديقتها المستغربة.
"لماذا ترتدين هكذا؟"
في البداية، خلعت قبعتها وتركتها جانبا ولحسن الحظ بان المقهى يحظى بمكيف مما يجعلها لا تشعر بالحر وهي مرتدية جاكيتها وعندما نظرت الي صديقتها المصدومة قررت التحدث اخيرا قائلة بكل هدوء كما لو ان ما حدث معها قبل قليل لا يعنيها:
"رونا، سأخبرك بشيء مهم وخطير لذا لا تحاولي اخبار والدي مفهوم"
لم تفهم رونا ما يجرى لذا أومأت براسها لتواصل هي وبالفعل ازالة القفاز المتواجد في يدها اليمنى
لتظهر الرسمة مما جعل من صديقتها تتفاعل
كعادتها، نهضت وبدأت تصرخ بأعلى صوتها وهذا ادى الي جذبها للأخرين:
"ماذا فعلتِ الم يتم اخبارك بان الوشم ممنوع ماذا لو علم والديكِ"
اشارت إيفلين بيدها لتخفض صوتها ولا تزعج الاخرين انصاعت لرغبتها وكتفت يديها لتقوم هي بتوضيح ما يجري.
"عندما استيقظتُ هذا الصباح وجدت هذه العلامة المتواجدة من أعلى رقبتي الي كف يدي واقسم انني لم اقم بالوشم"
ارتشفت رونا من كوبها وبدأت تفهم ببطء رغم ان عقلها لا يستطيع استيعاب ما يجري وصديقتها بسرعة بسبب طبيعتها فهي لا تحب الكذب اطلاقًا وليست من صفاتها.
"ألهاذا ترتدين قميص برقبة طويلة"
أومأت إيفلين لتفهمها ولاحظت بان صديقتها لا
تعرها اهتمامًا فكان كل تركيزها خارج النافذة فلوحت بيدها نحوها لتأخذ انتباهها ثم قالت رونا بشيء جعلت من إيفلين تفتح عينيها من شدة الصدمة، رغم انها لا تنظر الي عينيها بل لشيء اخر:
"قلتِ بأنكِ لم تقومي بوشم نفسك صحيح؟"
أومأت إيفلين براسها فأكملت رونا:
"ثم هل دخل شخصٌا ما منزلكِ ووشم جسدك؟"
سؤالها لم يخطر ببال إيفلين اطلاقًا ربما لأنها انشغلت بشيء ما ونسيت ما هو اهم..
وكيف دخل احدهم الي منزلها وهي في الطابق الرابع وليست من عادتها ترك نوافذ المنزل مفتوحة عند وقت نومها.
الكثير من الاسئلة تدور في ذهنها هل هو لص ام شخص تعرفه قريب منها وماذا يريد منها وما الغاية من الوشم في جسدها؟.
"هل شعرتِ وكأنكِ مراقبة عندما خرجت؟"
هزت إيفلين راسها وقالت بينما تشعر بالغرابة من تصرفات رونا لازالت تحدق في النافذة كما لو انها لا تستطيع إبعاد عينيها عن مجموعة رجال وسيمين مروا من امامها.
"لا.. لماذا؟"
"ذلك الشخص يراقبك منذ ان دخلت الي المقهى لا تنظري الي النافذة"
بلعت إيفلين ريقها بصعوبة فلم تعرف ماذا يجب عليها ان تفعل لكن أنه وضح النهار لماذا قد يراقبها احدٌا وماءا بشأن المنزل اين يجب عليها ان تبيت الليلة ومن هو الشخص الذي يراقبها، لكن كلام رونا قطع افكارها تماما قائلة وهي تمد يدها نحو حقيبتها وتخرج هاتفها وتضعه علي الطاولة ببطء كل هذا وهي لم تزح عينيها عن الرجل لكيلا تضيعه.
"اتصلي علي اخي بسرعة"
أمسكت إيفلين هاتفها واجتازت كلمة المرور بسرعة ثم ضغطت على جهة الاتصال المحفوظة باسم: "الأخ الأكبر" ولم يمر وقت طويل حتى اجاب وسرعان ما قالت بتوتر:
"هل يمكنك القدوم إلى هنا نحن داخل المقهى المعتاد"
لكن لم يأتِ الرد كما توقعت.
"اين رونا؟ أخبريها أنني في اجتماع ولا أستطيع المغادرة الآن أمهليني ساعة وسأتواصل معكم"
ثم أغلق الخط بعد جملته حدقت في الشاشة كأنها لا تصدق أنه مشغول من بين جميع الأوقات تحديدًا الآن.
لكنها لم تتفوه بكلمة فقط وضعت الهاتف ببطء على الطاولة وفي اللحظة ذاتها اخذت رونا هاتفها ووضعته علي حقيبتها.
وقالت بنبرة منخفضة وابتسامة مليئة بالشكوك دون أن ترفع صوتها وقد أبعدت عيناها عن الشخص المراقب.
"ابتسمي الآن وتصرفي كأنكِ لا تعرفين أننا تحت المراقبة"
NOIR.MIND
رن إشعار على شاشة هاتف إيفلين وكان توقعها في محله فقد كانت من اللعبة نفسها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
NOIR.MIND–Mission 02
2- عطل ثم انسى:
• المهمة: اقطع سلكًا بسيطًا مفتاح إضاءة عمومي، زر طوارئ، جرس تنبيه أو اضغط في مكان عام ثم غادر دون النظر للخلف.
• الفائدة: التمهيد لفكرة التخريب كفعل عابر لا يستحق الندم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضحكت بهدوء كما لو كان جنون اللحظة قد غلبها ثم نظرت إلى رونا وقالت:
"ألا تحبين فعل الأشياء الأكثر جنونًا؟"
رفعت رونا حاجبها ثم أومأت دون أن تفهم تمامًا لتكمل إيفلين:
"علي أن اضغط علي مفتاح إضاءة أو زر طوارئ أو حتى جرس إنذار في مكان عام ثم أغادر دون أن ألتفت"
ساد صمت صغير حتي تفوهت رونا كما لو أنها لم تتوقع هذا الكلام منها كأنها تشاهد نسخة جديدة من صديقتها اين اخلاقها التي ذهبت؟
"أنتِ تمزحين.... في مكان عام؟"
وقفت إيفلين وارتدت القبعة وجهزت نفسها وحين أرادت المغادرة وحدها حتي امتدت يدًا قوية أمسكت بذراعها وكان هذا من فعل رونا.
"لن أتركك تخرجين وحدكِ الآن خاصة وأن ذلك الحقير يراقبكِ، إن كنتِ ستفعلين شيئًا غبيًا فسأكون بجانبك"
لم تجبها إيفلين فقط تحركت وغادرتا المقهى وكانت رونا ممسكة بذراع إيفلين بإحكام تراقب حوليها بهدوء.
لكن حين اقتربتا من اللوحة المثبتة على الجدار الحجري متصلة بجدار جانبي يعود لمركز لوجستي تابع للبريد الوطني.
الواجهة الخلفية هادئة وعلى الجدار الرمادي كانت اللوحة الصغيرة متواجدة لوحة إنذار يدوي حديثة مربوطة مباشرة بنظام الأمن الداخلي للمبنى.
وإيفلين تعلم أن لمسها ليس فعلاً عبثيًا.
صفارة واحدة، وتصبح هي الحدث.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت إيفلين فجأة ونظرت إلى رونا وفي عينيها تلك اللمعة التي لا تشبه سوى الجنون:
"ابتعدي عني الآن لا أريدكِ قريبة حين أفعلها"
انصدمت رونا للحظة ثم قالت رافعة حاجبيها باستغراب:
"هل تمزحين سيرونكِ وستقعين بالمشاكل بعدها"
لكن إيفلين ابتسمت وقالت وهي تهدئتها عبر وضع يديها علي كتفيها
"انا لا امزح فقط تصرفي كأنك لا تعرفينني كأنكِ تمرين بالصدفة"
ببطء تراجعت رونا وجلست على المقعد المقابل تنظر بتوتر وتتمنى بأن لا يتم ملاحظتها..
إيفلين تقدمت وحدها كل ما حولها طبيعيًا امرأة تنادي طفلها وصوت الموسيقى صادرت من
السيارات المارة ورجل كبير في السن يحتسي القهوة جالسًا بالقرب من رونا ومجموعة كبيرة من الأطفال والمراهقين الذين يركضون لكيلا يتأخرون من مدارسهم.
أزاحت الغطاء الزجاجي الصغير ولم تفكر ولم تتردد ثم،
ضغطت الزر وادارت ظهرها بسرعة وبدأت تسير بين الحشود ولحسن الحظ بأن اليوم كان مليئا بالبشر وهذا من صالحِها.
الصوت كان وحشيًا بالإضافة إلي صراخ المارة
مما جعل البعض يرتبك
لم تلتفت ولم تسرع.
خطواتها ثابتة كما لو أن فعلتها هذه لن تؤثر عليها.
من بعيد نهضت رونا من مقعدها ووضعت يديها على فمها بذهول ثم بدأت تتبعها بتوتر.
وقفت إيفلين على الرصيف المقابل بعيدًا عن أنظار الجميع ثم أخرجت هاتفها من جيب الجاكيت وأضاءت الشاشة فورًا برسالة واردة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة نصية من رقم مجهول
NOIR.MIND– Mission 02
ثم تنفيذ المهمة بنجاح
المبلغ المستحق: 1075 دولار
تم تحويله تلقائيًا إلى الحساب المنتهي بـ6732]
صوت دقات قلبها ارتفع وضغطت بسرعة على تطبيق البنك ووضعت بصمتها ولم يستغرق التحميل أكثر من ثانية.
الرصيد: +1,075.00
المرسل: مجهول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحين حاولت الضغط على تفاصيل المعاملة.
أعيدت إلى الصفحة الرئيسية مثلما حدث المرة
السابقة حدقت في الشاشة مطولاً وشيء ما في داخليها بدأ يدرك أن هذا ليس حلمًا.
وأن اللعبة تدفع ثمن كل مهمة أنه حقيقي!
قاطعت فرحتها بظهور رونا أمامها عبست وهي تقترب منها بسرعة وقالت بصوت منخفض مليء بالتوبيخ:
"لا أعلم ماذا دهاك لكن لا تكرري هذا مجددًا مفهوم؟"
أومأت إيفلين برأسها بطاعة كطفلة أمسكتها أمها متلبسة تسرق من المحل عندها كتفت رونا ذراعيها وأخذت نفسًا ثم أضافت بجدية:
"سأقوم بالبحث عن وظيفة مناسبة لكِ لذا انتظري بصبر ولا تذهبي لتجربة أشياء جنونية مجددًا"
لكن إيفلين ابتسمت لإهتمامها وقالت بنبرة هادئة:
"لا داعي لذلك، لقد وجدت وظيفة مميزة جدًا بالنسبة لي"
اتسعت عينا صديقتها بالذهول كما لو أنها لم تتوقع ما سمعته فور أن ثم طردها من العمل في الشركة بحثت سريعًا عن عمل آخر ولم تيأس يكفى بأنه خبر جيد ومفرح حتي قالت رونا بحماس:
"هذا جيد؟ لكن ما نوع الوظيفة؟"
قبل أن تتلقى إجابة اهتز هاتفها فجأة في حقيبتها سحبته على عجل وحين رأت اسم المتصل شهقت بتوتر:
"يا إلهي أنه المدير"
فتحت الخط على الفور وبدأت تعتذر بينما كانت إيفلين تراقبها بهدوء ثم رفعت يدها لتشير لها أن تذهب إلى العمل فورًا.
أومأت رونا امتنانًا لها وتمتمت بشكر سريع قبل أن تبتعد.
وبقيت إيفلين وحدها بابتسامة لا تليق بفتاة أنهت لتوها مهمة تخريب وبداخلها جنون قد بدأ للتو.
• • ────── NOIR.MIND ────── • •
☆✦
𝑺𝒂𝒓𝒂𝒉 𝑨𝒇𝒂𝒓𝒂