وتضيقُ دُنيانا فنحسَبُ أنَّنا
سنموتُ يأْساً أو نَموتُ نَحيبا
واذا بلُطفِ اللهِ يَهطُلُ فجأةً
يُربي منَ اليَبَسِ الفُتاتِ قلوبا
مقتبس...
* * * * * *
لفت ذراعها حـول رقبـة شقيقتها، قائلةً بـمرح:
_سيبك من الكلام ده أنتِ لسة صغير، وتعالي احـكيـلي شـوية عن نفسك..
اتسعت ابتسامة امنـية بغير تصـديق وداخلها متحمسة بشدة لـفعل ذلك، تجيبها:
_اكـيد طبعًا وانتٍ كمان احكيلي عن نـفسـك..
_لا ده انا حكايتي حـكاية، المهم تعالي الأول ننزل واحكيلي حصل ايـــه على الفطار..
اردفت بتلك الكلمات وهي تحثها على التحرك معها، لتتحرك الأخـرى بالفـعل بينما تجيبها بنبرة شغوفـة:
_محصلش حاجة غـير ان الـراجـل اللي بعـيون رمادي ده خـد ياسـر ونـادر معاه..
نبست بأستنكار، قائلةً:
_ده جــبار، بس خدهم ليـه؟
_مـعرفش..
هزت كتفيها بجهل، كادت ان تستفسر على شيء اخر ولكن اتت والدتها فجأة، تسحبها من جوار الأخـرى قائلةً بـعصبية:
_ايـــه اللي مقـعدك مع البنت دي يا شغـف؟
نظرت لها بتفاجؤ واستنـكار، بينما ارتجف جسد امنـية بخـوف منها وحزن كونها ستبعدها عن شغف بالتأكـيد والتي نبست قائلةً لوالدتها بتمهل:
_في ايـــه يا نـشوى؟ هو انا صغيرة يعني عشان تقوليلي مقعدش معاها ؟!
_آه صغـيرة، والبت دي ملكيش دعوة بيها لا انتِ ولا اخواتك، فاهـمة؟
حذرتها بتلك الكلمات بعصبية، لتتنهد شغف بقلة حـيلة، تطيعها:
_حـاضر يا مامـا..
هدأت الأخـرى عندما وافقت سريعًا، تنظر لها بأستحسان، ثم تتـحرك بعدها في الممـر لتذهب للغرفة التي تمكث بها..
بينما عادت شغف بنفس حيويتها وحماسها، تلف ذراعها حـول رقبـة شقيقتها مجددًا، قائلةً:
_قوليلي بقى، ايـــه رأيك فـ ابو عيون رمادي؟!
**************
بـداخل مكان عـمل جــبار
كـان ياسـر ونـادر يقفان امام مكتبه بملل، قائلين بنفس الوقت:
_واحـنا نساعدك ليـه؟
دق هو على المكتب بالقلم الذي بيده، قائلًا ببـرود:
_عـشان انتـوا رجـالة مثلًا ولازم تساعدو وتشتغلوا زيـكم زيـنا..
_على فـكرة احنا ضيـوف عندك، عيب كدا!
جهرا بتلك الكلمات، ليتذكر شغف حينما تذمرت بتلك الكلمات من قبل حين جعلها تنظف حديقـة القصر، لترتسم على وجهه رغمًا عنه إبتسامة خفيفـة، قائلًا نفس إجابته عليها من قبل:
_إحنا ناس باردة وبنشغل الضـيوف، ويـلا روحـو شـوفوا همام وهو هيقولكم تـعملوا ايـــه؟
نـظر الأثنان لبعضهم البعض بتفكير ليومأ نادر برأسه بخفة، فيوافق ياسـر متبعًا اياه نحـو الخارج..
تـحرك الأثـنان ثم توقفـوا امام بعضهم البعض في الخارج، ليجهر نادر قائلًا بـجديـة:
_احنـا هـنا هنفترق وكل واحـد يروح يقلب رزقـة في حـتة، انا هروح اشوف همام ده وانت انطلق في المـكان بـراحتك..
ضرب ياسـر كفـه بكف الأخـر عندما رفـعه بالمنتصف، قائلًا:
_يا مـسـهل..
تـحرك نـادر نحو الخارج يبحث عن ذلك الهمام والذي عـرفه عليه جــبار قبل قليل بالفعل..
وجـده يقف مع بعض العمـال بينما ينظر للساعة التي بيـده، ليقترب منه حتى وقف بجواره قائلًا:
_جــبار بيـقولك نـقي طـبق فاكـهة حلو زيك كدا من التلاجـات وهاتـهولي عند البستان اللي جنب المبنى ..
تجعد جبين همـام بأستنكـار، مستفسرًا:
_جــبار قالك كدا ازاي وهـو عارف ان عندنا ضغط شغل ولازم نـتحرك وننجـز الطلبية قبل العربيات ما توصـل؟!
_هـو قالـي كدا، لو مش مصدقـني روح اسأله..
اجابـه ببرود شديد، ليزفر الأخر بقلـة حيـله، قائلًا بإذعان:
_تـمام، معلش هتعبك واخليك توصـلهوله انت..عشان عندي شغل كـتير..
اصدر نادر صوتًا مـحبطًا، قائلًا بعدها على مضض:
_مع انك هتتعبني جامـد، بس حاضر امري لله واهو كـله بـثوابـه..
ربت همام على كتفه، قائلًا بأمتنان شديد:
_مـعلش يا عـم، بـكره نردهـالك..
أومأ له بوجـه يبدو علـيه قلة الحـيلة، ليتحرك همام بالفعل ويغيب لدقائق كان قـد جهـز بها طبق كبير من القـش المصنوع يدويًا، يعطيه له..
ليأخذه الاخر من يده ثم يتحرك نحـو الخارج وتحديدًا ذلك المكان الهاديء بجانب المبنى بينما يلتقط ثمرة تـفاح، يلقيها في الهواء ثم يلتقطها بينما يقول بـتهـكم وتـسليـة:
_مـساكـين ميـعرفوش اننا مطـفشين نـص الجـيران من بـلدنا بـعد ما طـلبوا مساعدتـنا..
بالداخل
كـان ياسـر قـد تـحرك نـحو مـجموعـة من العـمال يـقومون بتعبئة المحاصيل في صناديق بنفس الشكـل واللوجو الخاص بالشـركة..
تـوقف امامهم يفـكر لثـوانـي، ثـم جـهر قائلًا بـجديـة:
_انتـوا بـتعبوا ايـــه؟
نـظر العمال له بأستنكار، ليجيبه احدهم قائلًا بأستهزاء:
_بنـعبي زلـط ورمـلة، ما انت شايف الفاكـهة قدامك يبقى بنعبي ايـــه؟
تغضن وجه ياسـر بالغضب، جاهرًا بصوت حـاد معنفًا اياه:
_لما تتـكلم مـع ظابط اثناء تأديـة شـغلـه تتكلم معاه بأحترام يا بـجم..
انتفض الجميع بالفعل يـتركون ما بيدهم، واقفين امامه ببعض الخـوف، لم يشكك احد بكلماته وخاصةً بسبب قامـته وهيئته الضـخمة.. ليعود ذلك الرجل للحديث، معتذرًا:
_حـقك عليا يا باشا، بس، بس سعادتك عارف المكان ده تـبع النائب جـبران وعيـلة شـداد ووو
_وايـــه يعني عيلة شداد ولا النائب جـبران؟!! القانون فوق الجميع والعدالـة لازم تتحـقق..
جهر بتلك الكلمات بنفس نبرته الخـشنة الحادة، ليردف احد العـمال قائلًا بطـاعة وسرعة:
_اكـيد يا باشا واحنا تحت امـر القانون والعدالـة..
_يبقى تقول بتـعملوا ايـــه؟
اجابه بتلك الكلمات بنبرة اقل حده، ليسرع الرجل يجيبـه بأرتباك وللهفة:
_فاكـهة يا بـيه، بنعبي فاكـهة طازة لسه جاية من الأرض..
نظر ياسـر نحو الصناديـق، ليقترب منهم بوجه مستنكر، قائلًا بـشك:
_وانا ايـــه ضمني انها فاكـهة؟ لـيه متكنش بـودرة متنكرة فـ شكل فاكـهة زي ما حصل في الفيلم لما ضرب النار علـى البلح طـلع بودرة؟
_لا والله يا بـاشـا دي فاكـهة واهي قدامك وشوفها..
اسرع الأخر يدافع بتلك الكلمات، ليهمهم ياسـر على مضض، قائلًا بتأفف:
_طـب دوقـني كل الأنـواع دي وامـري للـه.. هشوف بنفسـي..
***************
داخل قـصر آل حـداد
جلس مهاب امـام والـده الذي طلب الحديث مـعه سريعًا بداخل المكتب بعدما رأى شبـح تلك المرأة في الصباح مجددًا وصـرخت عليـه بأوامـر كي يفـعلها..
وها هو يجلس امام ابـنه بنظرات ذاغة في المكان بخوف يحاول إخفائه، قائلًا بـأرتبـاك رغمًا عنه:
_انا، انا طلبت اشـوفك عشان عايز انـزل اشتغل معاك تاني..
تجعد جبين الاخر بأستغراب، فـ والده ترك كل الأعمال على عائقه منذ زمـن وافرغ نفسه لملذاتـه هـو فقـط..
_وده من امـتى؟
_ من انهـارده، هنزل اتابـع معاك الشغل ولو عايـز منـي اساعدك في حاجـة قـولي عليها..
اجابـه بتلك الكلمات بأصرار شديد، ليتنهد مهاب بهدوء، قائلًا:
_انا مش عايز اتعـبك والرجالة كتـير وسـادة بس لو مُصـر ممكن اسيبك تتعامل مع التجار انت شاطـر اوي في النـقطة دي..
اومأ له صالح بـموافقة، ليتابع قائلًا بـجديـة وتـصميم:
_كمان عايـزين نطلع خير كتير وزكـاة عشان ربنا يـغفرلنا ذنـوبنا ونكفر عن افـعالنا..
رغـم تفاجئه الشديد عند سماعه لتلك الكلمات، إلا انه اجابـه بصبر ورضا:
_انا فعلاً بدأت اعـمل كـدا وربنا يتقـبل مننا، بس انت برضو مقولتليش ايـــه سبب التغـير المفاجيء ده؟
_شـبح مـتوحـشة..
تمتم بتلك الكلمات بخوف و بصوت لم يسمعه الأخر، ليجهر بعدها قائلًا بـصوت اعلى:
_يـهدي من يـشاء ياابني، وانا خلاص قررت احسن من نفسي واخد بالي منك ومن اختك، كفايـة خـسارتي لـ منـذر واللي وصـله بسبب اهمالي..
ابتلع مهاب ريـقه بحال تبدل وتـغير عند ذكر الاخر لأسمه، لينبس قائلًا على مضض وبضيق:
_تمام يا بابا، اللي عايـزة اعـمله وانا معاك..
وقف فجأة ينوي الخـروج لأعتقاده ان والده قد انتهى عن الحديث،ولكن اوقفه صالح حينما جهر قائلًا بصرامـه وجديه كما نبهته تلك المرأة الشبح، قائلًا:
_لـسه حاجـة كمـان، بالليل هات المأذون واكتب كتابك انت ورهـف، مينفعش تفضل معانا كدا وفي الوضـع ده كتيير..
****************
بداخـل قصر آل شداد
وتحديدًا بداخل غـرفة رضـوى اجتمع الفتيات مع بعضهم البعض..
كانت تتسطح رضوى على السرير، بينما تجلس شموس بجوارها على الجانب الأيمن وتجلس امنـية على الجانب الأخـر..
والثلاثة ينظرون ببلاهة نحو تلك التي تـدور حول نفسها امامهم، تدندن بوله:
_كان يوم حبك اجمل صـدفة، لما قابلتك مره صدفة
كان يوم حبك اجمل صـدفة، لما قابلتك مره صدفة
ياللي جمالك اجمل صـدفة
ياللي جمالك اجمل صـدفة
كان يوم حـبك، صـدفة..
_هـي وصـلت للعندليب كمان؟ ده الحـب ولع في الدرة بـقى!
جـهرت شموس بتلك الكلمات بتعجب وخبث، لتلقي شغـف بنفسها على السرير امامهم بـسعادة، تصدر تنهيدة طويلة، قائلةً بعدها بـوله وغرام:
_ده ولـع فـي كـل المحاصيل مش الدرة بـس..
هزت شموس رأسها بابتسامةً واسعة، قائلةً بنفس نبرتها السابقة:
_عيني يا عيني، عـمل ايـــه بقى عشان يخليكي في الحـالة دي؟!
صمتت تتذكر ما فـعله الليلة الماضـية بأبتسامة تزداد وقلب يخفق بجنون، فتتمتم بصوت تائه مثلها:
_خـلانـي احـس انـي امـيرة ويـتعمل عشاني اي حـاجـة، حـسسنـي انـي غيـر اي حـد وزعـلي فارق..
والأهـم انـي مهنـتش عـليه...
صمتت لثوانيِ ثم تابعت بنبرة مستنكرة تائه:
_ وانـــي محـظوظـة، لأول مـره احـس انـي محـظوظـة..
صـدح صوت امنـية، قائلةً بفضـول:
_هـو مـين ده؟
نـظرت نحوها شغـف بحدة طفيفة، قائلةً:
_بس يابت، انتِ لسه صغيرة ملكيش دعوة بالكلام ده..
_حـ حـاضر..
اطاعتها امنـية فورًا بتوتر، لتضحك شمـوس عاليًا بينما تنهر شغـف، قائلةً:
_اخص عليكي يا شغـف، خوفتيها وبعدين ما انتِ اللي بتتكلمي قدامها، اكيـد عايزة تعرف مين اللي خاطف قلب اختها كدا..
شوحت لها الأخرى بلا مبالاة، تجيبها:
_اسكتي انتِ، خليني استمتع بأن اخيرًا لاقيت حد هيسمع كلامـي ويخاف منـي..
_هـو انا ممكن اسألك سؤال؟
صدح صوت رضـوى اخيرًا، قائلةً تلك الكلمات بأرتباك وحيرة، لتنظر نحوها شغـف بينما مازالت متسطحة على الفراش امامهم، تجيبها بـِود:
_اكيد طبعًا، اسألي..
فركت اصابعها ببعضهم البعض بينما تخفض نظراتها للأسفل، قائلةً بخفوت وتوتر:
_هـو انتِ ليه محبتيش مـهاب؟!
اعتدلت شغـف، تجلس مقابلًا لها بينما تستند على ذراعها الأيسر، تجيبها بنبرة عاديــة:
_دي حاجة بتحصل من غير رغبتنا، يعني مثلًا انتِ ليه حبيتي جواد مش جـاد؟!
طرحت عليها سؤال جعلها تصمت بعجز، تفهم اخيرًا ما تريد قوله لها، لتتابع شغـف قائلةً برفق:
_بعدين متخفيش على اخوكي انا قبل ما اجي هنا كلمت رهف وهي دلوقتي في القصر عنـدكم وان شاءلله العلاقة بينهم تتـصلح..
****************
عـودة لمكان عـمل جــبار
والذي دلـف همام لداخل مكتبـه كي يحضر بعض الأوراق، ليجده بالفعل هـناك، فينبس قائلًا بأستنكار:
_انت بتعمل هنا ايـــه يا جــبار؟
نـظر له الأخـر بغـرابة، يجيبه بنزق:
_هكون بعمل ايـــه يعني يا همام! بجهز الورق قبل ما تيجي العربيات وتحمل البضاعـة..
اردف الأخـر بنفـس نبرته السابقة، قائلًا:
_بـس، بس انت بعتلي اخـو شغـف ده من شوية ياخد طبق فاكــهة لحد عندك في البساتين؟!
انكمش وجه الأخـر بـغيظ، ينبهه بما يهمه بحديثـه:
_اسمه نادر او ياسر مالك بشغـف انت دلوقتي؟ لو مش عارف تحفظ قول اي حـاجـة وخلاص مش لازم تـقول اسمـها يـعني!!
رفرف همام بأهدابـه بعدم تصديق، مذهولًا من كلمات الأخـر والذي ترك الموضوع الأساسي وعلق على هذا الشيء التافهة بالنـسبة له!!
لينبس قائلًا بأستعجال وهو يتجاهل كلماته وينظر للساعة التي حول معصمـه:
_يا جــبار العربيات قربت تيجي ووو
صمت بتفاجؤ حينما وجد معصمه فارغ، ليكمل قائلًا بذهول:
_الساعـة، السـاعة راحت فين؟
بخارج المبنى وتحديدًا بداخل البساتين
كان نادر يريح ظهره للخلف على المقعد، يأكل ثمرة من الموز بينما يـنظر للساعة التي حول معصمـه ويدندن بـمزاج رائق:
مليش فأي شـله
ولا فاضي لناس ممله
ولا حد كـاسر عينـي
ولا ماسك لحد ذله
جوي حلو ولايـق
قولتلكوا مـزاجي رايـق
فانا بقى خارج المنافسـة
على مهلي مهلي سـايق
_وحـياة امـك؟!
صدحت تلك الكلمات من جواره تقطعه عن إكمال اغنيته وتنزع الجـو الذي صنعه لـنفسه، ليقف بملل بعدما رأى جــبار وذلك الهمام يقتربان منه..
تقدم منه جــبار بوجه منزعـج، قائلًا بغضب ونبرة حانقـة:
_هـات السـاعـة..
نزعها نادر من معصمه ثم القها نحو الذي خلفه وهو يقول ببسـاطة وبرود:
_انا كنت مستلفها لـحد كام يوم كدا وهرجعها تاني، عادي..
نظر همام نحوه بعدم تصديق واستنـكار، يتسأل بتعجب:
_انا بس عايز اعرف خدتها ازاي؟ انا ازاي محستش بيـك وانت بتاخدها من ايـدي؟
اصدر جــبار صوتًا تهكميًا، قائلًا بسخريـة:
_مهـارة بقـى وخـفة يـد..
_على فـكرة لو انا اضايقت او زعلت هـقول لأخـتي الكـبيرة وهـي قبل كدا كسرت مـحل الراجل اللي قدام بيتـنا لما ادانـي جيلاتي مش مـشكل.. تخيل لو روحت قولتلها جــبار خدني الشغل يهأذئني ويقل مني قدام العـمال وطلعني حرامي هتعمل ايـــه؟
جهر بتلك الكلمات بكل هدوء ومـكر شديد، هو ليس بالغبي ويعلم جيدًا ان الذي امامه يعشق شقيقته لحد النخاع، وهو سيستغل ذلك وسيستفزه ايضًا، وبالأخير سيفكر ويقرر هل يسمح له بالزواج منها ام لا؟..
مـد جــبار يده نحو همام قائلًا بأمـر وغيظ:
_هـات..
_نـعم؟!
تسأل همام بأستنكار وتعجب كبير بينما يرمقه بعينين جاحظه، يشعر بنفسه على وشك الجنون من افعال رفيقـه.. ليتجاهل الأخر حالته ويتابع قائلًا بنفس نبرته السابقة:
_هـات السـاعـة يا همام، اخـلص..
نزعها الأخـر بالفعل على مضض يعطيها له، ليأخذها جــبار ويلقيها نحو نادر بغيظ، حسنًا هو رجل تربى وسط اخطر الرجال وتدرب جيدًا على معرفة ما يفكرون بـه وردعـه قبل ان يصبح افعال..
ولكن هذه العائلـة مجنونـة تمامًا، متأكد ان شقيقته ستنقلب عليه وتصدق تذمر شقيقها وتنتقم له.. يقسم انه يشاهد السيناريو والحوار الذي سيحدث منذ الآن..
اعادها نادر إلى مكانها وعلى وجهه ابتسامة منتصرة، لينبس قائلًا بشفقـة وقلة حيـله:
_صعبان عليا انت يا جــبار، مش متخيل وقعت نفسك فأيــه؟
كاد ان يجيبه الأخـر ويصمته ولكن جاء إحدى العمال مهرولًا، يجهر قائلًا بتنبيه:
_جــبار بيـه، العربيات وصـلت بـرا..
_طب مستنين ايـــه؟ حملوا الصناديق بـسرعة..
تسأل بأستنكار بينما تحرك همام بالفعل، يذهب لمتابعة الامر بنفسـه، بينما توتر الرجل وهو يجيب جــبار بـأرتباك:
_لا مـهو مفيش صناديق تعبت اصلًا..
بالـداخل
وتحديدًا بتلك الغرفة الواسعة التي كان يجلس بها ياسر على مقعد ما براحـة كبيرة..
ياخذ ثمرة الفاكهة التي لا يعلم كم عددها للآن، يقطم قطمة كبيرة منها، بينما يـقول بـرضا وهيمنـة:
_لا الفاكهة عندكم طـعمها حلو فعلاً، بس انا لحد دلوقتي حاسس برضو انكم مشتركين مع عيلة شداد فـي نصيبة، انطقوا حالًا هي ايـــه؟
كان العمال يقفون امامـه بترتيب منظم حـثه هو عليهم، منهم من يتذمر ومنهم من يضرب بوجهه بسأم ويأس ومنهم من يندم على اليوم الذي اتى به وعمل مع هذه العائلة.. تحديدًا..
_والله يا باشـا والله ما نعـرف حـاجة، عندك عيلة شداد هناك في القصر روح حقق معاهم بنفسك لو عايـز..
_انت زهقت منـي؟
تسأل ياسر بأستنكار وحاجب مرفوع بينما يرمق ذلك الرجل بـشك، ليسرع الأخـر قائلًا بسرعة وخوف:
_لا طبعًا يا باشا، انا انا بس بلفت نظرك.
_لا بـقى انت زهقت مني!
_محصلش لا...
_لا انا حاسس انك زهقت مني ومش طايق وجـودي..
وقف ياسر فجأة يلقي الثمرة بداخل الصندوق بينما يمثل الأنزعاج والغضب، جاعلًا الجميع يشعر بالريبـة..
_يا باشا براحـتك والله، حقك عليا متزعلش..
نبس الرجل بتلك الكلمات بسرعة يحاول تهدئة الأخـر والذي كان سيقول شيء ما متذمرًا، ولكن وجد يد قوية تقبض على قميصه من الخلف وتهزه للأمام والخـلف بقوة، فيسمع صوت جــبار الغاضب، قائلًا:
_ضيعـتوا عليـا ثفقـة بملايين يا ولاد الـ ***، ليلتـكم مش فايـته معايـا..
**************
بـعد عـدة ساعات وبداخـل قـصر شـداد
كان يـجلس جــبار على المقعد ببـرود شـديـد يأكل من نفس الطبق الذي كان مع نـادر في البستان، بينما ينظر للأثنان برضا تام.. بعدما علق كلًا منهم بجزع الشجرة كما فـعل مـع جـود من قبل..
كان يتأرجحان للأمام والخلف تكاد رأسهم تلامس الأرض بسبب طـولهم الفـارع بالفعل..
ليجهر نـادر قائلًا بـتهديد بارد:
_اللي بتعـمله ده بيصعب موقفك وهيطلع عليك في الأخـر انت حـر..
_فـكهم يا جــبار، فـكهم قبل ما ابوهم وامهم يعـرفوا ويجـوا، لحد دلوقتي محدش حس من اللي جوا القصر..
اردف جواد بتلك الكلمات بتـنبيه، ليجيبه جاد تلك المره وهو يلتقط ثمرة جـوافة من الطبق، يأكلها بتمهل بينما يقول بأستمتاع:
_اسـكت انت، خليـه يبرد قلبي منهم شويـة، دول من ساعة ما جـو وهـما فرهدونا معاهم..
نـظر داغر نحـو جــبار بخبث، قائلًا:
_بس دول وراهـم ناس تـقيلة برضو ولو زعـلوا، هنتعب اوي في مـصالحتهم..
فهم جــبار انه يقصد شغف، ليلقي ثمرة التفاح نحوه بقوة، فيلتقطها الأخـر بالفعل، يسمعه وهو يقول بسخط:
_خـليك في نفسك وانا هعـرف اصالحهم..
اجابه داغر، قائلًا بحنق:
_وهو انت مخليني اعرف نـفسي ولا اتكلم معاها حـتى؟ ما انت كنت موصي ياسر يلزق فيا..
_وياريــته تـمر فـيه حـتى..
جهر ياسر بتلك الكلمات بصوت مختنق ساخط، ليضيف نـادر قائلًا بوجـوم :
_انا بس محترم السن اللي بيـنا، لكن انا لو عايز افـك نفـسي هعملها بس ساعتها هتهور وهتزعل يا ابيـه جــبار..
سخر منه في نهاية حديثه، ليشعر جــبار بالغيظ الشديد منه، قائلًا:
_ابـيه مين يا عـجل انت؟! ده انت قـد الحيطة وشويـة كمان وهتحصـلني لـ فوق..
اتى بتلك اللحظة جـود ينظر لذلك المنظر بمقلتين تلتمع بالسعادة، قائلًا بتشفي:
_ياااه، اخيرًا حـد اتعلق على الشجرة دي غـيري..
_آه يا خفـيف، بس بمزاجـنا والله..
اجابه ياسـر بسخرية واستزراف، تحت تعجب الجميع من برودهـم وثقتهم تلك..
فاق جواد مدركًا شيئًا، لينظر نحو جود، يستفسر منه بشك:
_هـو انت عرفت ازاي اننا هنا!! ولا جيت صدفـة؟
_لا مـرعي جه قالنا بتـعملوا ايـــه..
اجابـه ببساطة وبلاهـة، جاعلًا جــبار يقف بسرعة، ينوي تـركهم اخيرًا قبل ان يأتي احد من الداخل ولكن توقف فجأة حين جاءت شـغف بالفعـل، تنـظر نحو شقيقيها بصمت دون إبداء اي ردة فـعل..!!
جاءت خلفها شموس وامـنيـة بينما بالداخل ظل والديهم برفقة هناء والشيخ صابر بلا مبالاة، فهما يعرفان ياسر ونادر جيدًا ولا خـوف عليهم مطلقًا..
_ايـــه اللـي انتـوا عامليـنه ده؟
تسألت شـغف بوجه جامـد بينما تنظر نحو الشباب
داغـر
جـواد
جـاد
جـود
والذين تـحركوا يقفون بجانب بعضهم البعض منذ ان ظهرت بعيدًا عـن الأخر..
والذي أشارو جميعًا نـحوه، قائلين بتفاوت:
_ جــبار هـو اللي عـمل..
نـظرت نحو جــبار والـذي تذكـر كلمات نادر في البستان، فأسرع قائلًا بـجديـة، يوضح لها:
_خدتهم الشغل معايا عشان يشتغلوا ويساعدو معانا، خسرونـي ملاييـن وعـطلوا الشـغل والعمال وقـلبوا الدنيا..
اصدرت صوتًا تهكميًا، قائلةً بعدهـا بسخرية:
_وانت فاكـر انك كدا بتعلمهم الأدب، دول لولا ما مبسوطيين بالـتعليقة دي كانوا فـكوا نفسهم من زمان، جــبار انا بسأل وقصدي ايـــه العبط اللي انتوا عامليـنه مـعاهم ده!!
تعالت ضحكات التؤام في المكان بـتسليـة واستمتاع، ليدفع نادر جـسده لأمام والخلف بمساعدة ياسـر حتى استطاع إمساك الحبل من الأعلى وقطعـة بأستخدام مِدية صغيرة كانت ومازالت كأبنته،فهو مولع بكل انواع السكاكين والأسلحـة بينما ياسر يعشق السيارات بكل انواعها والموتورات ايضًا، كذلك درس كل ما يتعلق بالزرع بينما هو اشبع الجزء السيء بداخـله وتعلم كيف يكون مُجرم ولكن بدون جرائم... ربمـا؟
قبل ان يسقط امسك الحبل وظل متعلق به حـتى احكم توازنـه، وضع قدماه على الأرض بعدها براحـة ثم جلس يفك العقدة، بينما القى مِديته نحو الأخر، ينبه بجديـة:
_خـلي بالك من سـندس ورجعها بـسرعـة..
تأفف الأخر بنزق بعدما امسك بأغلى شيء لدى شقيقه، ليفعل كما فعـل بالضبط حتى جلس اخيرًا، فيعود ويلقيها له، قائلًا بتهكم ونزق:
_خـد سـندس يا اخـويا، اللي جابلك يخليلك..
_محدش جابها، دي سـرقتها من مـحل تُـحف يا خفـيف..
اجـابه نادر ببرود يغيظـه، بينما يُقبل تلك السندس ويعيدها لمكانها بجـوار قـلبه بالضبط..
ليشير جـاد نحو الاثنان، قائلًا بجنون:
_مـين دول؟ لا بـجد هو فـيه كـدا!!
كان الجميع لا يصدق ما فعلاه منذ قليل، الأمر كان بـغايـة الصدمـة..
نـظر جــبار نحو شـغف بحالـة تفاجؤ وحـيرة، ينتظر اي تفسير او شـرح لما حدث، لترفع هي كتفيها بجهل وكأنها تـخبره انها لن تعرف حتى كيف تشرح له..
هما هكـذا ممـيزان، مختلفان ولا تتـوقع منهمـا شيئًا.
******************
داخـل قـصر آل حـداد
دلـف مهـاب إلى الداخل بعد عناء يوم طويل في العمل وتـصحيح كل خطأ بـه..
ليجد منظر جعل الدماء تتوقف عن الجريان بداخل عـروقـه..
رجل بعباءة سوداء وعِمة يجلس وامامه دفـتر كبير
رهف تجلس بالمقعد الذي بجواره بينما ترتدي فـستان فضفاض جـميل..
والده يجلس جانبيًا مرتديًا ملابسه وبذلته الكحوليـة بشكل مهندم ووقار شديد..
بينما يقف شـفعي ورجل اخـر من رجـاله بجوار والده
_هـو ايـــه ده؟!!
جـهر مهاب بتلك الكلمات وهو يتقدم منهم، ينظر لهم بتعجب وغـيظ.. وتحديدًا تلك التي اخفضت وجهها بخجل لم يكن يومًا من شيمها.. بينما اجابه صالح، قائلًا بـجديـة وصرامـة:
_كتـب كـتابك..
_والله! امـال ليـه محدش قالي!
علق بسخرية وتهكم، ليجيبه والده بنفس نبرته، قائلًا:
_عامليـنهالك مفاجأة..
_زفـت، مفاجأة زي الـزفـت..
جهر بتلك الكلمات بسـخط وعدم رضا لأفعالهم تلك، لترفع رهف وجهها بأحتقان تنظر له بحدة، قائلةً بأنفعال:
_ابـدأ الأجراءات يا شيـخنا..
_بـس العـريـس مـش موافـق يا بـنتي..
اجابها المأذون بأستنكار وعـدم فهم، لتردف هي قائلةً بنفس نبرتها السابـقة:
_مـش مـهم، انا مــوافـقة، وبعدين احنا معندناش رجـالة تـرفض وتتـشرط..
رفع مهاب احدى حاجبيه بسخرية، لتتأرجح نظرات الشيخ بين الأثنين بـحيرة، لا يعلم ماذا يفـعل؟
ليجلس مـهاب اخيرًا، قائلًا بـوجوم بعد ان نهره والده بنظراته:
_ابـدأ يا شيـخنا، هي كدا كدا خـربانـه..
************
و قُـــــــــــــل رَّبِّ
أنزلنِي مُنزلًا مُباركًـا
وَأنت خيرُ المُنزِلِيـن
ميريـت