الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .
******************
في ظـهيرة اليوم التالي..
وبداخل الـشرفة الواسعة الخـلفية للقصر كان يجلس الجميع، يفـكرن بما سيفعلن بشأن ما حدث بالأمس.
ليجهر الشيخ صابر، قائلًا بـحكمه:
_انا شايف ان كل واحد فيكم يروح يشوف حاله بدل قعدتكم دي؟! اللي حصل حصل خلاص واللي بقى رماد هيتبنى تاني، ابعتوا العمال تصلح الأسطبل والسنة دي عوضنا على الله في المحاصيل..
اردف جبران معلقًا بضيق شديد:
_الموضوع بفعل فاعل يا شيخ صابر واحنا قاعدين عشان نشوف مين السبب، مش عشان زعلانين على المحاصيل..
اضاف جواد بنفس نبرته قائلًا:
_ده شغل وتعب جـبار مش معقول نعدي اللي حصل كدا؟!
جاء الرد من جبار نفسه الذي كان يقف مقابلًا لهم، يرتدي بنطال أسود يعلوه سترة رمادية اللون بينما اسفله يظهر قميص ابيض اللون، كان هذا ما يرتديه عادةً واشقائه كلًا منهم لديه اسلوب مختلف عن الأخر..
ليجهر قائلًا بجمود:
_أنت قولت اهو شغل وتعب جـبار، يبقى جـبار هو المقصود وهو اللي هيتصرف.
وقف جاد، قائلًا باعتراض:
_تقصد ايه؟ هو احنا مش اخواتك واللي يمسك يمسنا برضو!!
وقف جـود يضيف بثقة وقوة:
_فعلاً واللي عمل كدا هنعلمه الأدب كلنا ومش هنسيبه يفلت منها كدا بالساهل..
احتدت نظرات جـبار قائلًا له بحده:
_جود ركز في دراستك واياك اشوفك تاني بتدخل في المواضيع دي او بتتكلم فيها..
_بـ بس..
_مفيش بس، روح شوف حالك ومتقعدش معانا واحنا بنتكلم في القصص دي تاني..
تهجم وجه جود بحزنٍ وضيق بينما يغادر المكان ليجهر الأخر قائلًا بحده:
_شايفين افعالكم وكلامكم وصل مراهق يقول ايه؟ ابعدو جود عن الموضوع وانتوا كمان، لان انا السبب وكلنا عارفين مين اللي عملها وعملها ليه؟ أنا الوحيد اللي هصلح وارد على اللي حصل وانتهينا..
ضرب الشيخ صابر عصاه على الأرض قائلًا بصرامه:
_جرا ايه يأبن الشيخ صابر! هو انا عشان ساكت وسايبك براحتك هتفكر ان كلامك هيمشي عليا انا كمان..
_مقصدش طبعًا يا شيخ صابر وو
برر جبار خطأه وزلته بأحترام خاص له فقط، ليقاطعه الأخر قائلًا بجدية وحزم:
_محدش منعك ولا اعترض لما جبت البنت دي وقررت تحميها، بس كان لازم تفهم ان نتيجة افعالك كلنا هنتحملها وان ولاد حداد هيأذو الكل في طريقهم، مش هيأذوك أنت بس..
*********************
دلفت شغف إلى الداخل بمشاعر مليئة بالندم والذنب بعد ان استمعت لكلمات الشيخ صابر تلك، هي كيف ومنذ الأمس تتعامل ببساطة ومزاح بينما تلك النيران وايضًا المحاصيل المحترقة كانت هي السبب الوحيد ورائها!!
هل حقًا ذلك المهاب سيضر ويؤذي الجميع هنا بسببها هي؟ جود وايضًا شموس ورحيل وكذلك هو..
هل سلامتها تستحق ان يتضررن؟
جلست بمكان النساء حيث يجلسن بالفعل، بتيه شديد، بينما تنظر مشيرة نحوها بسخط وضيق، قائلةً:
_طول عمري خايفة من باب العداوة اللي بينا وبين عيلة حداد يتفتح تاني، بس مكنتش متخيلة انه هيتفتح بسبب بنت غريبة ومشكلة بعيدة عننا اصلا..
رفعت شغف رأسها تنظر لها بمشاعر مختلفة بين الذنب والتيه، تسمع رحيل وهي تقول بأرتباك:
_اهدي يا ماما وبعدين كلنا عارفين انهم من زمان بيتنافسوا على الشغل والأراضي، ده غير ان ممكن ميكنش السبب هما في اللي حصل؟!
_لا هما...
اجابتها بأنفعال، لتتابع بعدها قائلةً:
_وصح طول عمرهم بيتنافسوا بس عمرها ما وصلت انه حد فيهم يولع نار ويعرض حياة ناس للخطر غير لما دخلت هي هنا..
اردفت تلك المرة هناء قائلةً بصرامه:
_خلاص يا مشيرة، الموضوع ده يخص الرجالة بس وهما اللي يتصرفوا فيه مش احنا..
_آه عشان بكره جبار يرد عليهم وبعدها هما يردو والكل يروح في الرجلين ومعاهم بنتي صح؟
نبست بتلك الكلمات بأنفعال حاد، لتقف بعدها شغف تتحرك نحو الأعلى بعدم قدرة على سماع المزيد، بينما استمع جبران للحوار بعدما دلف للداخل، فجهر قائلًا بصرامه:
_لو خايفة على بنتك تقدري تخديها معاكي لحد ما مشاكلنا تخلص يا مرات عمي..
شعرت رحيل بالألم ينتشر بداخلها بسبب كلماته تلك وكأن رحيلها لا يعني له ولا يفرق عنده..
وهذا جعلها ترغب بالبكاء بشدة فرغمًا عنها وقفت تهرول إلى الأعلى تحت نظراته النادمه على ما جهر به دون تفكير..
*********************
وقـف جبار امام المخزن المحترق ينظر للعمال وهم يخرجن بقايا الحريق بأعين حادة..
يسمع داغر الذي يجواره قائلًا بتـهكم ساخر:
_اللي يشوفك ميقولش انك مخزن المحاصيل في المخزن الجديد واللي محدش يعرفه غيري؟ وان دي مجرد صناديق فاضية من السنة اللي فاتت...
نظر نحوه جبار بحده، قائلًا بحنق:
_وهل ده يمنع انه حـرق الصناديق اللي بنعبي فيها كل سنه؟! نعبي فأيه دلوقتي؟
_لا عندك حق، انا نفسي اشوف وشه هو واخواتك المساكين لما يعرفوا ان المخزن كان فاضي اصلًا..
نبس بتلك الكلمات بنفس نبرته السابقة، ليردف الأخر قائلًا بتنبيه:
_محدش لازم يعرف يا داغر، الموضوع عدى بستر ربنا وعشان انا كنت مقرر اصدر المحاصيل دي برا بعد ما التجار اتمردو علينا، كنت مستني نتيجة القرار ده وبعدها اقول للشيخ صابر والباقي، وبعد اللي حصل من مهاب ده، خلي الموضوع يفضل بيني وبينك أحسن..
_طب ومش هترد على اللي عمله؟
تسأل بحيرة ورغبة بمعرفة ما يفكر به الأخر والذي نبس قائلًا ببرود:
_لا، خليه فرحان بـخيبته شويـة وخلينا احنا نحمل المحاصيل للمدينة بهدوء..
***************************
صـعد جبران خلف زوجـته والتي كانت تجلس على التخت تبكي بضعف شديد، كم مره يظهر انه لا يرغب بها ولا يحمل مشاعر لها وهي كالحمقاء تصمت وتتحمل الأمـر؟
ماذا تفعل حتى يشعر بها وهل يجب عليها فعل شيء حتى؟!
وضعت كفيها على وجهها بعجز وحيرة، تسمع صوت الباب يفتح لتعلم انه هـو..
والذي اقترب منها جالسًا بجوارها شاعرًا بالندم..
_مكنتش اقصد اللي قولتـه على فكره..
نبس تلك الكلمات برفق، فلم تجب عليه..
حمحم بخفة، يمد يده حتى يمسك بخاصتها، لتبعد هي يدها، ترفض سماعه... ليقول هو بصبر:
_رحيل أنتِ عارفه ان امك بتقول كلام ينرفز ويعصب وو
وقفت فجأة تجهر بأنفعال بعد كلماته تلك، قائلةً:
_امي بتقول كلام يعصب وأنت مبتعملش حاجه تعصب خالص صح؟ انا ساكته ومتحمله اسلوبك البارد طول الوقت وأنت اسهل حاجه عندك تجرح مشاعري وتأكد اني مفرقاش معاك!!
وقف امامها، قائلًا بتروي، يحاول تهدئتها:
_أنتِ عارفه مشاعري ووو
قاطعته قائلةً بسأم وألم:
_أنتِ عارفه مشاعري من الاول واني كنت بحب غيرك وقولتلك كدا قبل الفرح بس أنتِ وافقتي.. صح؟
مش هو ده اللي عايز تقوله وبتقوله كل خناقه بينا يا جبران؟
صاحت بأخر كلماتها بانفعال شديد، تتحرك بعدها لخارج الغرفة باكملها.
تتركه يتنهد عاليًا بيأس من حالته وما اوصله لها.
********************
بالخارج وبعدما هرولت رحيل نحو السقف
تبحث عن مكان تنفرد به بنفسها، وبينما تتوجه نحو الجدار الجانبي وجدت شغف تجلس هناك متكورة، تنظر امامها بتيه شديد..
لتجاورها جالسةً بجانبها تفعل مثلها بصمت تام..
بقيا على هذه الحاله لبعض الوقت حتى نبست شغف، قائلةً بفتور:
_تفتكري انا نحس لدرجة ان اليوم الوحيد اللي اخرج فيه من بلدنا، يتعرضلي منذر وبعدها يهددني مهاب وفي الأخر اتورط مع جبار؟
اردفت بعدها رحيل قائلةً بتهكم مؤلم:
_مش انحس من اللي فضلت طول عمرها تحب واحد وبتحلم باليوم اللي هتتجوزه فيه، يروح هو يجي في اليوم ده ويعترفلها انه بيحب واحده تانيه، تفتكري فيه انحس من كدا؟
رفعت رأسها، تناظرها بأستنكار، قائلةً بحيرة:
_أنتِ بتتكلمي بجد؟ جبران بيه عمل معاكي كدا!!
تنهدت الأخرى تومأ لها بقلة حيله، جعلتها تنبس بضيق واندفاع:
_ايه قلة الكرامـه دي؟!
تهجم وجه رحيل، لتعتدل واتواجهها قائلةً بغيظ:
_ما تراعي مشاعري يا شغف، فيه ايه؟!
جلست الأخرى مثلها، لتصبح الأثنان يجلسان على الأرض في مواجه بعضهم، بينما تجيبها قائلةً بسخط:
_وأنتِ مراعتيش كرامتك ليه وسبتيه في نفس اللحظة؟! من قلة الرجالة يعني ولا يكونش معيوبه وعندك رِجل اطول من التانيه عشان ترضي تكملي معاه!؟
زفرت رحيل بسأم، تجيبها بضعف:
_امي ضغطت عليا..
ادركت الأخرى الأمر لتتمتم لنفسها قائلةً بتهكم:
"اكيد الولية القرشانه دي هي السبب طبعًا"
نظرت لها، قائلةً بتسأل خافت:
_يعني أنتِ يهمك وبتحبيه اوي اوي؟
اجابتها رحيل بصدق واهن:
_عمري ما حبيت حد غيره..
_طب ما تجربي يمكن تحبي!!
اردفت بتلك الكلمات بغباء جاد، لتتجعد ملامح الأخرى، قائلةً بغيظ:
_هو ايه اللي اجرب! بقولك بحبه من زمان ودلوقتي هو جوزي، اجرب ازاي يعني؟
_آه صح، معاكي حق!
نبست بها بإدراك، لتصمت قليلًا ثم تنبس قائلةً بفضول:
_طب وهي مين اللي بيحبها دي؟
_معرفش غير انها بنت اتعرف عليها في روسيا لما سافر لمهمة هناك..
"روسيا يابن الشيخ صابر!؟ روسيا!!"
علقت داخلها بتهكم ساخر، لترفع بعدها صوتها قائلةً بصبر:
_شفتي شكلها يعني؟
_لا بس أكيد معصعصه وضاربة وشها مكياج، عشان حد يبصلها..
********************
_لو سمحت قول لجبران بيه، ان فيه بنت اسمها نـغم عيزاه برا..
نبست بتلك الكلمات لأحدى الرجال الواقفين امام بوابة القصر برقةً غير مفتعله، بينما تصنم الأخر هو والذين حوله بفاهٍ مفتوح من كتلة الجمال والأنوثة التي تقابلهم، فقد كانت فتاة بخصلات نارية ذات بشره شديدة البياض تخالطها بعض الحمرة الطبيعية، بجسد منحوت كالساعة الرملية بينما مقلتيها تسحر من يراها بلونها الأزرق واهدابها الكثيفة..
تجعد جبينها بخفةً، لتعيد الحديث قائلةً:
_لو سمحت، ممكن بسرعه..
_أنتِ بتكلميني انا!!؟
اشار الرجل لنفسه بدون تصديق، لتومأ هي له بينما ترسم على وجهها ابتسامة جذابة مثلها..
لينظر الرجل لصديقه الذي يقابله قائلًا بحماس شديد:
_بتكلمني انا يا حسنين، بتكلمني أنا..
اسرع الأخر نحوها لتتراجع هي بخوفٍ منه ومن افعاله، كذلك شاربه الكبير وجسده الضخم والذي جهر قائلًا بنفس نبرته السابقة:
_اتفضلي يا ست هانم ادخلي على طول، متقفيش كدا..
_بس يا محمدين لازم تستأذن من ءءء
_تستأذن من مين؟ هما يطولوا يشوفوا حتة القشطة دي؟ اتفضلي يا قمر اتفضلي..
تحركت امامه بريبه من امره، تدلف للداخل بالفعل بخطوات مرتبـكة، تحولت بعدها لصدمة شديدة بعدما رأت القصر من الخارج ومظهره الجميل.. تنظر للمكان حولها بأعين تلتمع من روعة الحديقة وما بها..
بالـداخـل..
كـان يجلس جـبران برفقة والده وعمه الذي لم يعود للمدينة بعد ما حدث الليلة الماضية، يتحدثن بشأن اجتماع اهل القرية الليلة حتى يتناقش كلًا منهم بخصوص القرية وما يحدث بها..
بينما تجلس مشيرة مع هناء وشموس بداخل المجلس الخاص بالنساء..
ليصدح فجأة صوت محمدين، قائلًا بحماس وسعادة:
_يا جبران بيه، يا جبران بيه تعالى شوف مين عايزك..
اشار لها بالتقدم بعدها، قائلًا بحبور:
_اتفضلي، اتفضلي، ده القصر والقرية كلها نورت بيكي يا قشطة..
دلفت للداخل بمقلتين تتسع بلمعة غريبة من ضخامة المكان وجمال تصميمه الذي يُظهر ثراء من يعيش بداخله، لترتكز نظراتها نحو ذلك الذي عندما رأها شعر بالأرتباك وعدم إستيعاب كونها قد اتت إلى هنا وتقف امامه الآن؟
خرجت النساء من الداخل ووقف خلفه والده وعمه ناصر، بينما اسرعت هي نحوه بحماس تحتضنه بسعادة، تلف ذراعيها حول رقبته قائلةً:
_وحشـتني اوي يا جبران..
بنفس اللحظة كانت قد هبططت رحيل وشغف من الأعلى، يقفن بمنتصف السُلم بصدمة وذهول، يراقبن تلك الفاتنة وهي تبتعد عنه قليلًا، تقبله على وجنته برقة شديدة...
_احيــه، احــيه، احيــه..
جهرت شغف بتلك الكلمات بصدمه وعدم تصديق، تسمع رحيل قائلةً بنبرة تماثلها:
_جوزي بيتشقط يا شغف؟! دي باسته..
اجابتها الأخرى بحقد وغيظ:
_ابن المحظوظة، ياريتني كنت مكانه والله.. البت صاروخ، صاروخ..
نظرت لها بتهجم تضربها على كتفها بغيظ اكبر، تتابع بعدها الهبوط إلى الأسفل، لتتبعها شغف بحماس متجاهلة الألم الذي شعرت به بكتفها..
وقفت رحيل اسفل السُلم، تجاورها شغف، يراقبن جبران الذي ابعدها برفق، قائلًا بأرتباك:
_أنتِ بتعملي ايه هنا يا نـغــم!؟
_نــغــم!!؟
جهرت شغف بأسمها بذهول شديد، تنظر بعدها لرحيل بينما تشير نحو الأخرى، قائلةً بتـهكم:
_معصعصه وضاربة وشها مكياج؟! دي بتنور يا موكوسه،دي بتنور وفيها امكانيات هتخليني انا اللي احبها مش هـو!!
ازاحتها رحيل جانبًا بحنق وبغض، تتابع الحوار الدائر ونبرة تلك النغم وهي تقول برقة:
_ممكن نتكلم على انفراد واحكيلك كل حاجه؟
_بتقوله على انفراد، دي لو انفرد بيها هيرجعلك على كتفه خمس عيال يا بنت مشيرة..
اردفت شغف بتلك الكلمات بسخرية تهكمية، بجوار اذنها.. جعلت الأخرى تصرخ عاليًا:
_بـس بقى، بــس..
توجهت جميع الأنظار نحوها، ليتنهد جبران بيأس بينما تتقدم هي نحوهم، قائلةً بحده:
_خير يا حبيبتي، قولي اللي عيزاه قدامي ما أنا مراته وكدا كدا مش بيخبي عليا حاجه..
_ok مفيش مشكله ممكن تيجي معانا..
اجابتها نغـم ببساطة وملامح هادئة مبتسمة، ليتحرك جبران نحو المكتب تتبعه الأثنان، تاركين الباقي خلفهم..
وبينما تقف شغف تراقب تلك الفتاة التي تخطف الأنظار بفتنتها، شهقت بخضة عندما نكزتها هناء بالعصى التي تتعكز عليها بعد ان وقعت بالأمس بسبب عين احدهم هنا، قائلةً بسخط:
_شايــفة الستات مش زي الغفر اللي قدامي..
_بصي انا مش هنكر واحور كتير، البت جامدة اوي يا هناء، احنا طلعنا مش ستات والله..
انهت حديثها وهي تمثل البكاء بحصرة، تسمع مشيرة وهي تقول ببغض شديد:
_اقسم بالله لو حاولت تخرب جوازة بنتي، لهقلبها شبه الشرشوبة اللي في المطبخ.
_الحمدلله جات اللي هتشيل عني..
***********************
بعد مرور ساعه..
_ايوة يعني قالت عايزة ايه؟
نبست شموس بفضول شديد بعدما انفردت هي وشغف برحيل، والتي كانت تجلس بينهم بداخل غرفتهم تحديدًا على التخت، قائلةً بفتور ووجه جامد:
_طلعت صحفية بتتنقل بين مصر وروسيا وغيرهم من فترة لفترة، بتصور اماكن وتنشر عنها وجات هنا عشان تقعد فتره وتكتب عن القريـة ..
صمتت بوجه ممتعض، لتعاود شموس سؤالها، قائلةً بحيرة:
_طب وجبران وافـق؟! يعني حصل ايه في الأخر؟
اجابتها رحيل على مضض، قائلةً:
_قعدها في اوضة الضيوف اللي في وش السلم لحد ما يكلم عمي صابر وجـبار في الموضوع ..
همهمت شموس بتفهم، ثم نظرت نحو شغف التي تجلس واضعتًا كفها اسفل ذقنها تلتزم الصمت، لتجهر قائلةً بحيرة وأستنكار:
_فيه ايه يا شغف؟ مالك متنحه كدا وساكته ليه؟
تنهدت الأخرى بهم وضيق، قائلةً بإنزعاج:
_تفتكروا فيه امـل اوصل لنص جمالها وحلاوتها؟!
نظر الأثنان نحوها بملامح جامده غير مسوعبه، لتكفهر ملامح رحيل تدفعها من اعلى السرير، قائلةً بعصبية:
_فيه ايه يا شيخة؟ من ساعة ما شوفتيها وانتِ حارقة دمي بكلامك وانا اللي قبلها بثواني حكيالك ان جوزي بيحبها، ما تراعي مشاعر امـي بقى!!؟
اعتدلت شغف بعد ان اصطدمت على الأرض تواجهها قائلةً بأنفعال ساخر:
_وانا اراعي مشاعر امك ليه؟ وهي كل ما تشوف وشي تقولي كلام زي السم..
_لا، لا كدا كتير، سبيني يا شموس انا لازم اخلص عليها..
صرخت بتلك الكلمات بغضب بينما تحتضنها شموس من الخلف، تمنعها عن الأنقضاض نحو الأخرى والتي هرولت باتجاه الباب تفتحه ثم تنظر لها، قائلةً بشماته تغيظها:
_طب الأولى تخلصي على المزه الجامدة اللي هتخطف الراجل منك، ولا هو مقدرش على الحصان هيتشطر على البردعـه؟!
صرخت بخوفٍ تسرع بأغلاق الباب تسمع صوت تهشيم الزجاج به والذي كانت رأسها الآن مكانه..
تهرول بعيدًا بينما تنظـر خلفها برعب قائلةً بتفكير:
_انا شكلي كدا زودتها والبت اتجننت!! بس هي كدا الحقيقه دايمًا صعبة اعملها ايه؟
***********************
في المسـاء..
كان قد عاد الجميع من الخارج بالفـعل، كلًا منهم يجلس بمكان في منتصف القصر وتحديدًا الصـالة قبل موعد العشاء..
فقد كان يجلس الشيخ صابر على الأريكة تجاوره شموس تليها شغف، بينما امامهم يجلس جواد مع شقيقيه جاد وجود وابن عمـه والذي كان يجلس مع جبران برفقة ابنته وزوجتـه التي وللأن لم تتحدث معه بشأن ما حدث..
_هـي هتنزل امتى بقى؟ اتأخرت اوي..
نبست شغف بتلك الكلمات بسخط واستعجال، لتنكزها شموس قائلةً بغيظ:
_ما تتهدي شوية؟ انا حايشه رحيل عنك بالعافية..
نظرت لها شغف بأعين تلتمع بالحماس قائلةً بفضول شديد ونبرة متحمسة:
_متحمسة اوي يا شوشو أشوف رد فعلهم لما يشفوها، محدش فيهم يعرف حاجه لحد دلوقتي، متخيلـة؟
ابتسمت الأخرى بسخرية، قائلةً:
_اطمني يأختي، اخواتي كلهم محترمين وبيغضوا البصـر..
_اللهم صلِّ على النبي، هو انا في الجنة ودي حور العين صـح؟
جهر جـود بتلك الكلمات عاليًا بصدمة وذهول بينما يراقب تلك التي وقفت بأعلى السُلم تنظر للأسفل بخضة وتوتر بسبب عددهم الكبير، والتي كانت ترتدي فستان قصير بعض الشيء باللون الأسود، يظهر سيقانها البيضاء مع اكمام طويله وفتحة صدر واسعة قليلًا بينما تترك خصلاتها الصهباء متحررة لتصل لنصف ظهرها بانسياب..
_محترمين وبيغضوا البصـر آه؟؟!
نبست شغف بتلك الكلمات بتهكم، تتابع وهي تنظر لشموس بسخرية:
_ده اصغر واحد فيهم عينه هتفط عليها..
وقف جـود وايضًا جاد ومعهم محمود ينظرن لها بأعين تلتمع بشدة، ليجهر جاد قائلًا بجنون:
_هي دي بجد ولا مين ولا ايه بالظبط؟!
_رقم ابوها بسرعه، اطلبها..
_أنت لسه قدامك جواد وجاد وجبار، لكن انا وحداني وامي عايزة تفرح بيا..
جهر محمود بتلك الكلمات، لينظر له جود ضاربًا اياه، قائلًا بغيظ:
_بتشمت فيا؟ طب هتجوزها انا.
_لا أنا..
تشابك الأثنان يدفعن بعضهم بعضًا تحت نظرات الجميع والذين تجاهلاهم بسخط، بينما جواد ابتعد عنهم متوجهًا نحو والده جالسًا بجواره بعدم اهتمام..
لتنبس شغف قائلةً بأعجاب:
_اقسم بالله ابوكي ما ربى غير جواد فيهم..
رفعت بعدها انظارها نحو تلك النغم والتي ابتعلت ريقها بتوتر ثم وضعت قدمها نحو الدرج حتى تهبط للأسفل ولكن لعدم تركيزها وشدة توترها.. التوى كاحلها جاعلًا اياها تصرخ عاليًا بخوف بينما تحاول إمساك الدرابزين حتى لا تقع ورغم انها لم تنجح إلا انها شعرت بيد غليظه تسحبها للأعلى مجددًا ثم تتركها ملقاء على الأرض بنفس المكان الذي كانت تقف به!..
رفعت رأسها بعدم إستيعاب وفضول بينما تتنفس عاليًا لترى ظـهر شاب عريض المنكبين يرتدي قميص أسود بكم قصير يكشف عن عضلات ذراعيه مع بنطال بنفس اللون، يهبط الدرجات بعدم إهتمام، جاعلًا من شغف تقف فجأة، قائلةً بأنفعال مندفع:
_فـيه حد يرمي النـعمة كدا يا جاحد؟!
_قوليله!!
جهر بها جاد بقوة وهو ينظر لها، لتتعجد ملامحها بضيق، تلف رأسها بعيدًا عنه، قائلةً بسخط:
_ملكش دعوه بيا، اصلًا انا مش طيقاك بعد ما كنت هتضربني بالقلم امبارح..
شـعر بالحرج من نفسه ليتقدم منها، قائلًا باعتذار:
_احـم، حقك عليا، أنا فعلاً غلطان بس والله كنت مش واعي لأفعالي وقتها..متزعليش..
توجـه جبار جالسًا على مقعد جانبي بملامح وجه مبهمه، يراقب ما يحدث بصبر، بينما وقفت نغـم بأحراج شديد تتابع الهبوط للأسفل والتي هرول نحوها جود ومحمود يستقبلاها بلهفة وحماس...
زفرت شغف بينما تنظـر له قائلةً بانزعاج:
_أنا بس اللي مضايقني اكتر، ليه اتوقعت اني سبب المشكـلة، هو انا وش ذلك؟
سمعت صوت الجميع يصدر صوتًا تهكميًا، بينما تسمعه يقول بأستفسار ساخر:
_طب نفسي اعرف ازاي وليه دخلتي جوه الحريق وأنتِ كنتي هنا مع الستات؟!
اجابته ببساطـة وعدم مبالاة:
_يمكن عشان أخوك جبار مهوس بالحصان بتاعه ومكنش هيخرج غير بيه واللي بالمناسبة هو مكنش هيقدر يفك الحبل بتاعه عشان ايديه كانت ملفوفه بشاش يا خفيف!؟
نـظر الجميع نحو جبار بإستيعاب تخالطه صدمه، مدركين للتو سبب ما حدث، بينما ارتسم على وجه الشيخ صابر ابتسامه واسعه، ليقف مقتربًا منها.، قائلًا بود وحنان:
_اللي عملتيه ده مش هنسهولك طول ما انا عايش ومن دلوقتي أنتِ زيك زي شموس ورحيل وقدام الكل اهو ليكي عندي طلب هنفذهولك من غير تفكير...
_حتى لو قولتلك اكتبلي القصر ده كله بأسمي؟
جهرت بتلك الكلمات بأعين تلتمع بشدة، ليضحك هو عاليًا رغمًا عنه بيأس منها.. قائلًا بمزاح:
_ولو كتبتـه فعلاً، انا والقطيع بتاعي هنروح فين؟
تذمر الجميع بعدم رضا لوصفه هذا، ناظرين لها بحنق واهي، بينما منهم يبتسم بأتساع على حوارهم ذاك وسعادة الشيخ صابر..
بينما هي مثلت التفكير لثوانيٍ، ثم نبست قائلةً بخفة:
_بص خلاص، انا كدا كدا لازم امشي بعد اقل من شهر بس خليك فاكر اني ليا عندك طلب وهتنفذهولي تمام!
_تمام يا ستي..
ضرب كفه بكفها بعد ان رفعته، ليصدح صوت جود قائلًا بسأم:
_طب ما حد يقولنا مين المزه دي بقى؟
تأوه بخفة بعدما ضربه جبران على راسه من الخلف والذي وقف بجوار نــغــم ينظر نحو الجميع قائلًا بتعريف:
_دي نــغــم راكيل صحفية اتعرفت عليها من ست شهور في روسيا بسبب شغل، هي جات هنا وطلبت مني تصور القرية وتعرف شوية معلومات عنها، لأن شغلها تزور اماكن مختلفة وتتكلم عنها.. بس انا قولتلها لازم تاخد أذن جـبار والشيخ صابر الأول..
وقـف جـبار يتوجه نحوها بجمود تام، ينظر لها بـترقب وتفكير، بينما هي تابعت تقدم ذلك الجذاب الذي اعجبها بشدة لوسامته وهيئته الرجولية والتي ومن بينهم جميعًا تخصه وتميزه..
ليقف امامها اخيرًا، قائلةً بصرامه ناهيًا الأمر:
_تقـدري تقعدي هنا زي ما تحبي وهتتعاملي أحسن معاملة كـضيفة لأخويا الكبير..
_اشمعنا أنا بيعاملني زي العبيد مع اني ضيفه برضو! ولا عشان انا مصرية وهي روسية وزي القمر بتحطوا فرق في التعامل يعني؟!
نبست شغف بتلك الكلمات بداخلها بسخط وغيظ، تسمعه وهو يتابع قائلًا بحده وتحذير:
_ بس صورة واحده للقرية او اسمها يتذكر في خيالك حتـى، صدقيـني هخليكي تندمي على اللحظة اللي دخلتي فيها من البوابة اللي على أول القرية..
_انا بدعـم الفـرق ده؟!
اقتربت بعدها نحو شموس تهمس لها بخبث بينما تراقب الأثنان بتفكير عميق غبي:
_ عارفه انا قصص الحب اللي بتبدأ بتهديد وتنتهي بحب ودباديب دي..
نكزتها بكتفها بينما تتابع قائلةً بنفس النبرة:
_بصي شكلهم حلو ولايقين على بعض ازاي؟ وكأنهم
الـجميـلة والـوحش..
*******************
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
*********""""
يتـبع...
ميريـت