الرابع عشر

الرابع عشر

75 0

لَو عَرفتم اللهَ حَق معرِفتهِ لَزالت الجِبالُ بِدُعائكم

***************

فـي قبيـل الفـجر وبينما الجميع يغط في نومٍ عميق، صـدح صوت شغف المتألم يشق سكون الليل:

_نفسي اعرف انا ليه مش بفكر قبل ما اقول كـلامي؟

كانت تتسطح على الأرض جالسةً بينما تمسك رأسها بيديها الأثنان، تسمع ذلك المتجبر وهو يقول ببرود شديد:

_بالشكل ده مش هتعرفي تدافعي عن أرنب حتى! وبعدين انا لحد دلوقتي بدربك بالراحه مش بكل قوتـي..

نـظرت له بحنق، قائلةً بغيظ:

_ده انا حاسه دماغي اتقسمت نصين ياللي منك لله!!

تأفف هو بسأم منها، يتجرأ من نفسه ساحبًا ذراعها كي تعود للوقف مجددًا والتي من هول المفاجأة من حركته تلك، تعرقلت بما ترتديه لتجد نفسها رغمًا عنها تتشبس بأطراف قميصه من الأمام وتحديدًا عند رقبته، لتصبح الآن بداخل احضانه، تشتم عبق رائحته المميزة والتي لم تستنشق مثلها من قبل..

اما عـنه فلم يفكر للحظه بعد ما حدث، حتى قام بنزع يديها بعيدًا، يـمسك كتفيها، دافعًا اياها عنه قاتلًا اي تأثير او مداهمه للمحظور عنده، يناظرها بضيق، قائلًا:

_ياريت نخلص بسرعه عشان معنديش وقت..

ابتلعت ريقها بتوتر، تومأ له بخفـة، ليعود هو يشرح لها كيف تقوم بتلك الحـركة...

بعد مرور ساعتين..

كان قـد انتهى الجميع من تناول الأفطار، وقبل ان يخرج احدًا من المنزل، صـدح صوت الشيخ صابر، قائلًا بـتنبيـه:

_ انـهارده عايزكم ترجعوا بـدري عشان الليلة دي كلنا معزومين على فـرح أبن كبير القريـة اللي جنـبنا...

أومأ له الجميع بطاعة، ليتحرك كلًا منهم إلى عـمله، بينما الفتيات اجتمعن بداخل غـرفة شـموس كالعادة، ليصدح صوت شغف، قائلةً بانزعاج بينما تحشر رأسها بداخل الخزانه:

_أنا مش عارفه هلبس ايه؟ معملتش حسابي  ومعنديش حاجه للمناسبات دي!

ردت عليها شـموس  التي تتمدد على الفراش، قائلةً بسخرية:

_ده على اساس ان جـبار سمحلك انك تروحي اصلًا!!

_ده على اساس اني هسمع كلامه يعني؟ ده انا ما صدقت والله..

اجابتها بحنق شديد بعدما اعتدلت جالسةً، قائلةً بحماس:

_بصراحه الأفراح عندنا حلوه اوي وبالذات القرية دي، ليهم تقاليد وللبس معين بيهم..

توقفت شغف عن البحث بوجه حانق، تنظر نحوها قائلةً بغيظ:

_ولما ليهم للبس معين، سيباني ادور عن هدوم ليه؟

ادركت الأخرى ما فعلته، لترسم على وجهها ملامح الأعتذار، قائلةً ببراءة:

_ملعش بقا، مخدتش بالي..

_آه، مهو بالك مـع ابن هنـاء اللي منفضلك..

اجابتها شغف بتلك الكلمات بتهكم ساخر، لتتغير ملامح الاخرى للأنزعاج، قائلةً بسخط:

_الحق ميزعلش، هو فعلاً منفضلي وهطق منه، لمحتله خمسين مره وهو عامل مش  فاهم حاجه، مش عارفه هو بيستهبل ولا بيستعبط ولا بيعمل الاتنين مع بعض؟!

اسرعت شغف نحوها، تجلس امامها بحماس، قائلةً:

_هو أنتِ واثقه انه بيحبك؟

تنهدت شموس بحزن وتيه، تجيبها بـوله:

_بشوفها في عـيونه وخوفه عليا لما تحصلي حاجه، يوم ما منذر ضايقني وجبار عرف، وقتا تاني يوم لقيوا منذر مضروب ومرمي وسط الزرع مغمى عليه، رغم ان الكل قال ان جـبار هو اللي عمل فيه كدا، انا كنت متأكده انه داغر، لأن ايديه كان عليها أثر ضرب فعلاً وفضل يومين وشه مقلوب وبيزعق فاي حد قدامه،ولأول مره هو وجبار اشوفهم بيتخانقوا وقتها، مواقف كتير اوي كان دايمًا بيثبت فيها مشاعره ليا، بس لما نتكلم بينكر ورافض ياخد خطوة اتجاهي!!

استمعت لها بانتباه وتفكير، حتى انتهت اخيرًا فنبست، قائلةً بهدوء:

_ما يمكن أمك تكون السبب؟ أنتِ مش شايفه بتكرهوا هو وهناء ازاي؟ اكـيد عارف ومتأكد انه لو اتقدم ليكي هترفضـه وترميه برا هو وهي..

زفرت بأنزعاج، قائلةً:

_عارفه انها ممكن تكون السبب، بس على الأقل يحاول عشاني ويجرب يفتح الموضوع حتى؟!

وقفت شغف تتجول بداخل الغرفة تفكر في الموضوع لبعض الوقت تحت نظرات شموس المنتظره، لتتسع ابتسامة شغف للغاية، تسرع باتجاهها قائلةً بحماس:

_لقيت الحل اخيرًا..

تحمست الأخرى بشدة قائلةً بلهفة:

_ايه هو؟

_هنولع النار اللي جواه، هخليه ينفجر ويعترف قدامهم كلهم، انـه بيحبك..

اجابتها بتلك الكلمات بأعين تلتمع بالخبث، لتبتلع الأخرى ريقها، قائلةً بتوجس:

_ايوه يعني هتعملي ايه؟

_هقولك بعدين، المهم دلوقتي شوفيلي للبس مناسب للفرح، على ما شوف ست رحيل اللي جنبك دي فيها ايه؟

نبست بتلك الكلمات بينما تقفز جالسةً بجوار رحيل التي كانت تنام بنصف جسدها للوراء شاردةً، لتنكزها شغف قائلةً بتسأل واهتمام:

_قوليلي يا ريرو، ايه اللي مشيلك الهم والغم ومخلي وشك شبه وش شفيق كدا؟

تنهدت رحيل بقهر وضيق، قائلةً بأرهاق:

_لو سمحتي يا شغف، انا معنديش طاقه للهزار ولا للكلام، سبيني دلوقتي؟

_خلاص روحي اوضتك، اقفلي على نفسك الباب واعتزلي البشر، ولما طاقتك ترجع ابقي اخرجي، عشان بوضعك ده هتأثري علينا بطاقتك السلبية...

اجابتها بتلك الكلمات ببـرود ووجه مبتسم، لتتبدل ملامح الاخرى للأنزعاج قائلةً بسخط:

_تصدقي أنتِ ما عندك ريحة الدم؟! ده بدل ما تتحايلي عليا عشان تعرفي ايه اللي مضايقني!!

لوحت شغف بيدها بغير اهتمام، قائلةً بنزق:

_ما انا سألت مره و إنتِ رفضتي تقولي، انا كمان معنديش خُلق اتحايل عليكي.. وافضل اعيد وازيد عشان حضرتك تحني عليا وتقولي..

تهجم وجه رحيل للضيق، تبعد وجهها عنها، قائلةً:

_ عشان مهما قولت مش هيفيد بحاجه، احكي ليه؟

_اهو جربي، يمكن يكون عندي حـل افيدك بيه..

اجابتها بتلك الكلمات بـرفق وهدوء، بينما اعادت رحيل النظر إليها، قائلةً بتوجس:

_فـيه حاجه نسيت احكيهالك عن قصتي انا وجـبران..

التصقت بهم شموس قائلةً بسخرية:

_نسيتي ولا اتكـسفتي تحكي؟!

شعرت الأخرى بالغيظ لتنكزها بكفها، قائلةً بسخط:

_ملكيش دعوه أنتِ، إلا ما فدتيني بحاجه وبعدين روحي شوفي البيت تحت بيحصل فيه ايه؟

تأوهأت شموس بألم بينما تدلك كتفها برفق، تزعن لرغبتها بعدم وجودها، فتخرج من الغرفة، تغلق الباب خلفها بأحكام..

بينما بالداخل شعرت شغف بوجود شيء كبير، لذلك قررت اعطاء كامل اهتمامها للأخرى، والتي ابتلعت ريقها، قائلةً بتوجس:

_اللي هحكهولك محدش يـعرف بيه غير انا وجـبران بس، وقررت اهحكيلك عشان بجد تعبت ومحتاجه اطلع كل اللي جوايا حتى لو مقولتيش حل..

أومأت شغف بخفةً وانتباه شديد، لتقص الأخرى عليها كل ما حدث، بدايةً من قدوم جبران لخطبتها ورفضها هي له، حتى ما حدث وصولًا لزواجها منه..

لتنفجر بالبكاء الحارق في نهاية حديثها، قائلةً بقهر:

_انا معترفه والله اني غلطانه واستاهل كل  اللي حصلي،بس والله كنت مغيبه وغبيه بسبب البيئة والحياة اللي اتربيت فيها يا شغف، انا، انا بس عيزاه يديني فرصه واحده ويسامحني حتى لو هيطلقني بعدها..

ابتلعت شغف ريقها بـتوتر ودهـشه مما سمعـته، تتراجع للخلف تلتزم الصمت لدقائق ظلت تفكر بها، قائلةً بعدها بحذر وهدوء:

_بصي انا مش مش هعلق على اللي سمعته، بس هقولك ان جبران لو بيحبك لحد دلوقتي فهو مجروح وفيه حرب قايمه جواه وبيعاني بين حبه ليكي وبين كرامته  اللي جيتي عليها وبين وقلبه اللي كسرتيه، بس اوعدك هنحاول مع بعض ننهي الحرب دي، عشان هو يستاهل فعلاً يرتاح بعد كل ده..

*********************

في المساء وبعدما عاد الجميع إلى القصر، كان قد تناولا العشاء بالفعل، لذلك وبعد مرور ساعه كامله، اجتمعن بمنتصف الصاله، حيث ارتدى الرجال الجلباب الخاص بهذه المناسبة والذي يشبه البدو كثيرًا، بينما ارتدت النساء عباءه سوداة بنقوش حمراء بأشكال مختلفه، مع حجاب واسع وايضًا غطاء وجه يخفي القليل من ملامحهم لوجود الفراغات به وكونه ليس من القماش..

ووسط سعادة وحماس شغف الكبير للذهاب، تـقدم منها جـبار قائلًا بـتنبيه:

_انا وافقت تروحي عشان الشيخ صابر قال كلمته وسامحلك تروحي، لكن هتعملي مـااا

_أنت لو حذرتني من حاجه دلوقتي تلقائي هعملها وهجبلك نصيبه، لكن لو سكت وسبتني مع نفسي مش هعمل حاجه والله...

قاطعته بتلك الكلمات بصدق ويأس، ليتحرك هو،تاركًا اياها بسأم نحو الخارج..

اصطفت السيارات امام القصر، ليصعد كلًا منهم بمكانه المناسب، لتنطلق بعدها نحو وجهتها بحذر ورفق.. عـدا شخصًا لا يعرف كلاهما بالطبع..

بعد ساعه وتحديدًا امام منزل ليس بالفخم ولكنه واسع للغاية، فرغم انه يتكون من طابقين فقط إلا ان المساحه التي امامه تكفي القريه بأكملها..

توقفت السيارات جانبيًا بجوار بعضها البعض، ليهبط كلًا منهم مصطفين بالمكان والذي ما ان رأهم صاحبه حتى هرول نحو الشيخ صابر قائلًا بترحيب شديد:

_يا اهلًا يا اهلًا بشيخ القرى كلها، نورت المكان يا شيخ صابر أنت وجماعتك كلها.. 

بادله الأخر الترحاب ببشاشة وطـيبه، قائلًا:

_المكان منور بأهله وناسه يا حج مهران، ومبارك عليك فرحتك بالبكري، عقبال  ما تفرح بالباقي ان شاءلله.. 

_تـسلم يا شيخ العرب، الله يبارك فيك وتفرح قريبًا بـجبار وذرية جبران ان شاءلله..

اجابه بتلك الكلمات بنفس نبرته، ليرتفع صوته بعدها مناديًا على نساء منزله والتي ما ان اتت حتى جهر قائلًا بـتنبيـه ورفق:

_وصلي جماعة الشيخ صابر لحد جوا واهتمي بيهم كويس..

_فوق راسنا والله، ده الفرح بقى فرحين بوجودهم..

اردفت بتلك الكلمات بحبور، تشير لهم بعدها نحو الداخل، لتتحرك النساء خلفها بهدوء واحترام شديد..

بينما الرجال دلفت برفقة الحاج مهران حيث يجتمع الرجال امام المنزل بجو مليء بالسعادة والفرح..

بالداخل وبعدما استقرت كلًا منهم بمكان، جلست شغف بجوار شموس تنظر نحو النساء تراقب ما يفعلن بسعادةً وحماس..

_ارفعي الغطا من على وشك يا شغف..

اردفت شموس بتلك الكلمات بينما تنكزها برفق حتى تنتبه لها، لترفعه الاخرى بينما تتمتم بسخرية:

_على اساس انه مغطي حاجه!! ده انتوا عليكم حاجات؟!

سمعت بعض الشهقات تخرج من افواه النساء لتنظر لهم بفضول فتجد انظار الجميع مثبته عليها هي، لتنبس قائلةً بتعجب:

_محدش يقولي ان طلعت شبه بنتكم التايهة من سنين واللي هطلع في الأخر هي، واهلي اللي ربوني مش اهلي؟!

_مش أنتِ نفسها البنت اللي شهدت على ابن حداد ورمتـه في السجن؟!

اردفت احدى النساء بتلك الكلمات بشكٍ، لتتبدل ملامح شغف للضيق، قائلةً بسخط:

_يعني ياربي يوم ما اتشهر، اتشهر بسبب قضـية قـتل وحبـس!

مالت شموس نحوها، تهمس لها بتهكم ساخر:

_احمدي ربنا ان امي ملهاش في الجو ده ورفضت تيجي معانا وألا مكنتيش هترجعي على القصر بعدها..

تنهدت بيأس وحيرة، بينما جهرت تلك المره هناء قائلةً بانفعال:

_لا مش هي ياختي وياريت تخليكم في الفرح، مش لازم تركزوا في كل حاجه يعني..!!

صمتت النساء رغمًا عنهم فمن منهم لا تعلم من هي هناء؟ لذلك اشتعلت المعازف مجددًا متجاهلًا الجميع هويةً تلك الفتاة، بينما علقت شغف بحصره:

_شكلي كدا هبدأ احب هناء.

سمع الجميع صوت اغنية معينه بالخارج، ليهرولن جميعًا نحو الشرفات العالية قليلًا، ينظرن نحو الأسفل، لتسحب شغف شموس من يدها قائلةً باستفسار:

_هما بيجروا كدا على ايه؟

_تعالي وهتشوفي بنفسك، يلا..بس نزلي الغطا تاني على وشك..

اجابتها بحماس بينما تغطي وجهها، تسحبها هي هذه المره نحو الخارج، حيث الشرفه عاليه كون ان المنزل بنفسه تم بنائه على ارتفاع كبير..

افسحن البعض منهم المجال لهم، كونهم ضيوف لديهم، لتجد شغف نفسها تقف مقابلًا لعدد كبير من الرجال، يلتففن حول رجلين يحمل كلًا منهم سيف طويل ملتوي بيدٍ واحده بينما الأخرى يثبتها خلف ظهره، لتتسع عينيها بذهول عندما تدرك ان احدهم كان جـبار، لتنبس قائلةً بتعجب للتي بجوارها:

_هما هيحاربوا الهكسوس دلوقتي ولا بيعملوا ايه؟

حاولت شموس كبت ضحكاتها بصعوبه، بينما تجيبها بقلة حيله:

_لا دي رقصه هنا معروفه في المناسبات، وواضح ان يونس ابن الحاج مهران اللي هو العريس نفسه، اتحدى جـبار فيها عشان كدا الكل حوليهم متحمس ومستني النتيجة..

التمعت عينيها هي ايضًا بحماس، تثبت نظراتها نحوهم تترقب الفائز..

بينما بالأسفل كان الجميع يشاهد ما يحدث باستمتاع شديد، فمن لا يعرف جـبار هنا ومن الذي لم يسمع بـ يونس كبير قريتـهم في المستقبل ومن يحمي منازلهم من السارقين وساكني الجبال الذين وللأسف الشديد قريتهم هي اقرب شيء لهم..

ولحسن الحظ ايضًا ان لديهم يونس مهران الذي يشبه الصقر بطبعه ونظراته التي ترهب اي شخص يقع تحت يده.. منهم..

رفع سيفه عاليًا يناظر جـبار صاحب الوجه البارد والبسمه الخبيثه التي يرمقه بها، بينما يدور الأثنان حول بعضهم بحركاتٍ متقنه، تبدو لمن يشاهدم راقصه ولكن هي بالنسبه لهم متربصه لأي حركة يقوم بها الأخر..

تأفف يونـس بعدم صـبر، قائلًا بجكاره:

_انا سايبك تاخد فرصتك عشان أنت ضيفي، فنصيحه مني استغلها كويس..

_طب هات أخرك واستغل فرصتك أنت عشان مش اي حد بياخد فرصة انه ينافس جـبار..

جـز يونس على اسنانه بسبب استفزاز الأخر وبروده الذي لا يتخلى عـنه، ليتقدم هو خطوةً اتجاهه ضاربًا سيفه بخاصةً الأخر، والذي لم يتزحزح من مكانه بل استمر في صد ضرباته فقد دون اخذ اي خطوة..

كانت شغف تراقب ما يحدث بـعدم فهم واستنكار، لتعلق على ما تراه، قائلةً بـسخرية:

_هـو احنا جينا لمملكـة سـفيد بالغـلط هنا ولا ايـه؟

تنهدت بهيام، تكمل بعدها بنفس للغة تلك القصة التي تعشقها، قائلةً:

_أيـن أنت ايها القائد الأصهب إذًا؟!

فاقت على يد هـناء عندما سحبتها من مرفقها نحو زاويةً ما، تهمس لها بجوار اذنها بينما تشير نحو احدى الفتيات قائلةً بتحذير:

_شايفه البنت اللي هناك دي..

نظرت شغف نحو موضع إشارتها، لتجد فتاة لا يظهر منها شيء بسبب ما ترتديه ولكن فهمت انها ليست مجرد فتاة بسبب تـجمع وهمس الفتيات والنساء حولها، لتنبس بعد تفكير، قائلةً بـخفة:

_هي دي العروسه يعني؟ مالها!!

زفرت هناء بحنق، تنكزها باستخدام العصا التي بيدها، قائلةً بغيظ:

_لا يا غبية، العروسه فوق لسه، دي تبقى عـنود بنت مهران..

تأوهأت بألم، بينما تجيبها بوجه متهجم، قائلةً بسخط:

_ ده  على اساس  اني راضعه معاها وان دي اول مره اجي هنا  ؟!  مستنيه مني اقولك تاريخ حياتها مثلًا؟! و انا معرفهاش اصلًا..

نكزتها هناء مجددًا، تسحبها بعدها من ملابسها، تهمس لها بتحذير، تخبرها:

_دي وحسب اوهام الجميع هنا، انها العروسه المستقبليه لـجبار ابن الشيخ صابر كبير قرية شداد واللي تعتبر اهم واكبر قريـة لانها فيها مستشفة جواد ومصانع جاد واراضي جـبار وحمايته لجميع ما سبق، ده غير منصب جبران ومعارفه الكبيرة برا وجوا البلد.. ضيفي عليهم صابر نفسه ونفوذه وكلمته وسط القرى كلها..

همهمت شغف بتفهم وادراك لما يحدث هنا، تتسأل بعدها بتفكير، بينما تنظر نحو تلك الفتاة بتركيز شديد:

_طـب وليه بتقولي اوهام؟ او ليه مثلًا متجوزهاش لحد دلوقتي؟ مهو متقوليش انه بيجمع حق الشبكة ده على قلبه قد كدا!

تأففت الأخرى بغيظ منها، تضربها تلك المره على رأسها من الخلف، قائلةً:

_لا يا ذكـية، بس بالعقل هي بنت كبير صاحب القرية دي وهو ابن كبير و صاحب القرية المجاورة ليهم، ده غير ان جـبار ويونس صحاب وبينهم عيش وملح ومواقف كتير جنب بعض..

حاوطت رقبتها، تكمل حديثها بخبث شديد قائلةً:

_وضيفي على كل ده ان عنود بتعشق جـبار وهتموت عليه، لدرجة ان الكل هنا عارف ان عيونها دلوقتي بتاكله أكـل وهتموت على نظره مـنه..

تركتها بعدها بمكـر تسحب نفسها من جوارها بهدوء، بينما اعتدلت شـغف بعقل تائه وجسد اصبح ساخنًا بحراره مرتفعه فجأة، تتنقل نظراتها بينها وبين جـبار الذي وبحركةً واحده فعلها جعل سيف يونس يسقط على الأرص بعد ان شـعر بالمملل.. والذي ما ان سقط سيفه حتى ضحك بيأس من مكر صديقه ودهائه، يعترف بأن لديه اساليب تجعله يتفوق عليه بعض المرات.. او دائمًا..

بينما عند جبار والذي تعالت صيحات اشقائه وابن عمه ورفاقه ايضًا عاليًا بحماس وسعادة، ليهرول جاد وجواد نحوه يحمل كلًا منهم قدمًا، رافعين اياه عن الأرض.. يهتفن بصراخ وحماس معبرين عن سعادتهم..

ضـحك بخفةً يشارك اشقائه سعادتهم بطيب خاطر، ينظـر نحوهم براحةً تتغلغل بداخله عند رؤيتهم هكذا، لتزيغ مقلتيه فجأة ولثوانيٍ للأعلى فتقع عليها هي رغمًا عـنه، تلك المقلتين ذات العسل المصفى والشمس في اول للحظات إشراقـها لن يتوه عنها او يخطيء بها..

ارتجف جسدها رغمًا عنها وازدادت حرارتها اكثر بسبب نظرته تلك تشعر بقلبها يـخفق كالطبول لذلك تراجعت للخلف بأرتباك شديد، تنوي تجاهل كل هذه المشاعر وقتلها قبل ان تبدأ حتى، فهي ليست غبية لتترك نفسها تغرق بقصة تعرف نهايتها بالفعل..

دلفت للمنزل بجهل، تفكر بأين تذهب حتى وجدت أمرأة تمر، فسألتها برفق عن مكان العروس كي تراها وتبارك لها..

لتمر دقائق حتى وقفت امام احدى الغرف، لتشهق بصدمةً وذهول عندما رأت تلك العروس تمسك بسكين تضغط به على شريانها تنوي قطعه..

اسرعت نحو الداخل دون تفكير تسحب من يدها تلك السكين، بينما تنهرها بحده:

_أنتِ مجنونه!! هتموتي كافره وتخسري اخرتك عشان ايه؟

سقطت الأخرى على الأرض بضعف شديد بينما تبكي بحرقه، قائلةً:

_عـشان انا تـعبت ومش عايزة اكمل في الحياة ولا الجوازة دي..

صمتت شغف لثواني تنظر لها بحيرةً وانفاس عالية، تجهر بعدها قائلةً بقلة حيله وخوف من القادم:

_بـصي انا مش هعرف اخلصك من الحياة، بس هحاول اخلصك من الجوازة دي..

وهـذا ما حدث بعد نصف ساعه من التفكير والتنفيذ بخطواتٍ حذره من اجل الهرب خارج حدود المنزل وبعيدًا عن انظار الجميع..

فبعد تبديل الملابس لأخرى تشبه خاصة شغف وبعد مراقبة الطريق للخارج والذي كان فارغ بالفعل بسبب تجمهر الجميع امام المنزل، استطاعت الأثنتان التسلل نحو الغابة التي تفصل بين البيت والجبال من الخلف..

استندت شغف على الشجرة خلفها تلتقط انفاسها التي كانت تحبسها بصعوبة، قائلةً بتوجس:

_استرها معانا يارب وعديها على خير..

_خير ايه؟ ده يونس هيولع فينا ويرمينا للضباعه بعد ما يعرف بعملتي المهببة دي..

اردفت الفتاة التي بجوارها بتلك الكلمات بخوف شديد،  تنظر للفراغ بينما تكمل برعب:

_اكيد مش هيسامحني بعد ما كسفته قدام الناس كلها وهربت من الفرح..

_هو أنتِ جايه تفكري في نتائج النصيبة بعد ما اتعملت؟؟

اتسعت مقلتيها بذهول وخوف، تتذكر تنبيه جـبار لها، فتجهر قائلةً بخوف وتفكير:

_يـمري ده جبار حذرني معملش حاجه؟! بس هو تهريب العروسه من الفرح ممكن يصنفه حاجه مهمه وتستاهل ان فصعون يتعشى بيا ولا لا؟ ده لو لقانا ان شاءلله لا يعني..

نظـرت نحوها الأخرى متناسية كل مشاكلها، قائلةً بأستفسار:

_وهـو أنتِ هربانه من ايه؟ وليه؟

اجابتها شغف بحصره وضيق من نفسها بصوت باكي:

_هربانه من قلبي اللي هيوديني في داهيه، ومشيت ورا عقلي اللي وداني في ستين الف داهـيه..

ضحكت الأخرى رغمًا عنها، تجيبها من بين ضحكاتها، قائلةً بقلة حيله:

_ده نـفس السبب ونفس النتيجة اللي انا فيها بالظبط.. بس انا بقا بين قلبي وكرامتـي..

كادت ان تجيبها ولكن صمتت بخوف حين سمعت بعض الأصوات تاتي بالقرب منهم، لتمسك بيد الأخرى، تسحبها بهدوء، تشير لها بأن تتبعها بعيدًا عن مصدر الصوت...

عودة للزفاف والذي انتهى بختفاء العروس وانقلاب الأجواء من فرح وسعادة إلى غضب وتوتر..

كان قد بحث الجميع عنها بكل انحاء المنزل والنتيجه كما هي، لا يوجد اي اثر لها سوى ملابسها الخاصة بالزفاف والتي كانت ملقاه بداخل المرحاض وهذا ما يثبت انها هربت من الزفاف بكامل إرادتها..

بداخل المنزل والذي لم يتبقى بداخله سوى عائلته وعائلة الشيخ صابر الذي رفض الذهاب وقرر مساعدتهم هو وابنائه، بينما الباقي من الأقارب كان يبحث بالفعل خارج حدود المنزل..

ركـل يونس الطاولة التي تتوسط المكان بغضب شديد، صارخًا بحده:

_جلال جهز العـربية، لازم الاقيها قبل ما تتأذي بسرعه..

_ما تغور في ستين داهيه!! هو انت لسه خايف عليها بعد ما خلت سيرتك زي الزفت على كل لسان..

جهرت والدته بتلك الكلمات بغضب وكره، لينظر هو لها بتحذير، بينما يجيبها بهدوء عكس داخله، فهذه والدته مهما حدث:

_اللسان اقدر اقـطعـه يأم يونس، لكن هـي مش هترجعلي تاني لو حصلها حاجه..

_وهو أنت لسه عايزها تاني؟!

_انا عايزها العمر كله..

جهر بتلك الكلمات بجنون، تحت نظرات الجميع المصدومه مما سمعـته، فهو لأول مره يعترف بحبه لها، والذي كان ولسخرية القدر بدون وجودها هي..

_ادخلي جوا يأم يونس ومتدخليش في اللي هيحصل..

جهر الحج مهران بتلك الكلمات بصرامه، لتزعن هي رغمًا عنها وعن الكره والغضب الذي بداخلها تترك المكان بأكمله وتصعد نحو غرفتها..

تـقدم منه بتلك الأثناء والدها، يقف بجواره بحذر، يهمس له بصوت منخفض،، قائلًا بـتوجس:

_انا بعت رجالتي يدوروا عليها ومش هيرجعوا غير وهي معاهم وهيجبوها هنا تحت رجلك، اهم حاجه الأتفاق اللي بينا ميتلغيش وو

قبض يونس على تلابيبه بغضب وعقل يكاد ينفجر من حقارته وجشعه، يهمس له بنبرة جعلته يرتعد بين يديه:

_ده انا اللي هكسر رجليك ورجليهم لو رجعوها وفيها خدش واحد بس، مرات يونس مكانها فوق الراس مش تحت الرجلين يا راجل يا ناقص..

دفعه بعيدًا عنه، بينما يصرخ بعصبية حاده:

_غـور من وشـي ومش عايز اشوفك قدامي لحد كتب الكتاب..

اعتدل الأخر في وقفته، ينظر نحو الجميع بينما يعيد هندمة ملابسه محاولًا إعادة ماء وجهه، يتحرك بعدها نحو الخارج..

وبتلك الأثناء اقتربت عنود من جبار بأعين تلتمع بالعشق، تحمل بين يديها اكواب العصير، تعطي للجميع حتى توقفت امامه هـو والذي لحسن الحظ كان يقف جانبيًا، تهمس له بوله:

_اتـفضل يا جـبار، انا عملاه بنفسي عشانك..

لم ينظر لها بل ظل يبحث بداخل هاتفه عن شيء، بينما يجيبها بفظاظه:

_مش عـايز..

رفعت حاجبًا بغيظ منه، قائلةً تلك المره بغيظ:

_بقولك عملاه عشانك، وبعدين لما اكلمك تبصلي يا جـبار، مش عنود اللي حد يتجاهلها كدا..

توقف عن إكمال ما يفعله، بجسد متصنم عدا نظراته التي تحركت، تنظر نحوها بتحذير وسأم، يجيبها بعدها، قائلًا بنبرة تشبه نظرته:

_ انا هعديها زي اللي قبلها عشان أنتِ اخت يونس وعشان انا مبردش على نسوان واعيد تربيتها تاني، وانا لا عايز اكلمك ولا ابصلك يا بنت الحج مهران..

مجددًا؟! وكلما حاولت جذب انتباهه او اخباره بعشقها له تنتهي القصه بأهانته لها وتخطيها تاركًا اياها تشتعل من الغضب والغيظ كما فعل للتو..

والذي مـا ان اقترب من يـونس كي يخبره بأن يذهب ويبحث عنها ويكف عن تدمير المكان، فقد انزعج منه حقًا، فأن كان يحبها والخ، لما لا يرحمهم من صراخه ويذهب للبحث عنها لكي تنتهي تلك المسرحية ويذهب هو للنوم؟؟

وهذا ما حدث بالضبط، فقد وقف على مسافةً منه قائلًا بلا مبالاة:

_لو خلصت كسير وجعجعه فارغة، ياريت تروح تدور عنها وتلاقيها بسرعه عشان انا عايز اروح انام، مش هتحبس هنا عشان حضرتك حالف يمين اشهد على العقد؟؟!

_جـبار انا مش فاضي لبرودك دلوقتي.. واحد معندوش دم زيك مستحيل يحس بيا.. فحل عن دماغي احسن..

اجابه الأخر بغيظ شديد وداخله يشتعل خوفًا على حبيبته، ليجلس الأخر على المقعد خلفه بعدم اهتمام، بينما يجيبه ببرود:

_احسدني بقا عشان انا بالي مرتاح وانسان هادي  وبالي رايـق، بواجه كل مشاكلي بكل تفهم وتـعقل مش زيك..

_جــبار، شغف مختفيه ومش لاقينها في البيت كله..

اردفت شموس بتلك الكلمات بلهاس وخوف، فهي كانت تبحث في كل مكان عنها وبين النساء جميعًا ولكن دون فائدة، لذلك استسلمت لفكرة عدم وجودها وجاءت مهروله تخبره بالأمر..

********************

اما عـند شغف وتلك الفتاة، ظلت تتحرك بين الأشجار بأنتباه وخوف، تحمد الله على إكتمال القمر هذه الليلة والذي ينير كل شيء امامهم بوضوح..

_هو احنا رايحين فين؟

تسألت تلك الفتاة بـنبرة منخفضة خائفة، لتجيبها شغف قائلةً بحصره:

_والله ما انا عارفه، بس اهو هنفضل نمشي لحد ما يحلها ربنا من عنـده وخلاص..

_ما كان زماني عند ربنا مرتاحه؟

_قصدك في جهـنم محتاسه..

اجابتها بتهكم شديد، لتتهجم ملامح الأخرى بضيق وحنق، تتحرك خلفها بقلة حيله والتي توقفت فجأةً جاعلةً اياها تصطدم بظهرها، قائلةً بسخط:

_وقفتي ليه ووو

صمتت بصدمه وخوف عندما وجدت مجموعة من الرجال تقف امامهم حاملين بين يديهم اسلحه نارية، موجهين اياها نحوهم بينما ينظرن نحوهم بشهوةً واعين تلتمع بالنصر..

لتجهر هي قائلةً برعب حقيقي:

_ مقاطيـع الجـبل؟!!!

_المنبوذين؟!

نبست شغف بتلك الكلمـة بخوف شديد، تشبههم بصفة اشخاص تماثلهم ولكن بأحدى القصص التي كانت تقرأها قبل ان تاتي إلى الزفاف والذي انتهى بكارثه، كانت هي المتسببه بها..

***************

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿ ٤٠ ﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴿ ٤١ ﴾ 

*********

لمناقشة الرواية ونشر ما يتعلق بها، ستجد للينك جروب الفيس الخاص بي في التعليقات) ♥♥♥

بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل 🥰

دمتم سالمين ♥

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قرية آل شداد

المؤلف ميريـت
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (42)
الفصل 17: السابع عشر
2026/06/26
الفصل 0: مـشهد
2025/12/01
الفصل 1: الفــصل الأول
2025/12/01
الفصل 2: الفــصل الـثاني
2025/12/01
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/12/01
الفصل 4: الفــصل الـرابع
2025/12/01
الفصل 5: الفــصل الخـامس
2025/12/01
الفصل 6: الفــصل السادس..
2025/12/04
الفصل 7: الفصل السابع.
2025/12/05
الفصل 9: الفصل التاسع.
2025/12/12
الفصل 10: الـعاشر.
2025/12/23
الفصل 11: الحادي عشر
2026/01/01
الفصل 12: الثاني عـشر
2026/01/21
الفصل 12: الثاني عـشر
2026/02/06
الفصل 13: الثالث عـشر
2026/02/10
الفصل 14: الرابع عشر
2026/02/10
الفصل 15: الخامس عشر
2026/02/10
الفصل 16: السادس عشر
2026/03/16
الفصل 18: الثامن عشر
2026/06/26
الفصل 19: التاسع عشر
2026/06/27
الفصل 20: عشرون
2026/06/27
الفصل 21: واحد و عشرون
2026/06/27
الفصل 22: اثنان و عشرون
2026/06/27
الفصل 23: ثلاثه و عشرون
2026/06/27
الفصل 24: اربعه و عشرون
2026/06/27
الفصل 25: خمسة و عشرون
2026/06/27
الفصل 26: سته و عشرون
2026/06/27
الفصل 27: سبعة و عشرون
2026/06/27
الفصل 28: ثمانية و عشرون
2026/06/27
الفصل 29: تسعه و عشرون
2026/06/27
الفصل 30: ثلاثون
2026/06/27
الفصل 31: واحد وثلاثون
2026/07/23
الفصل 32: أثنان و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 33: ثلاثة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 34: اربعة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 35: خمسة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 36: ستة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 37: سبعة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 38: ثمانية و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 39: تسعه و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 40: أربعون
2026/07/23
الفصل 41: واحد و أربعون
2026/07/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة