Part 5

Part 5

15 0

وقف الجميع في مدخل البيت تحت نظرات الأب المتفحصة.. التفت "موسى" نحو والده قائلاً بنبرة عملية:

– جماعة صحابي، هيقعدوا كام يوم لحد ما يخلصوا شغل ليهم هنا جمبنا.

لم يُعلّق والده، لكنه رمقهم بنظرة طويلة قبل أن يهزّ رأسه، بينما ظهرت فتاة من ناحية المطبخ، تمسح يديها في منشفة صغيرة..

كانت ملامحها تحمل مزيجًا من الحدة وخفة الظل، بشعر بني مرفوع بإهمال ونظرة متفحصة.

رفعت حاجبها قائلة بسخرية خفيفة:

– موسى عنده صحاب...غريبة دي!

نطق "موسى" بلا اكتراث:

– فتون.. جهزيلهم أوضتين هيباتوا هنا.

التفت" آسر "فورًا، وعندما التقط اسمها، ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية خفيفة وهو يتمتم:

– فتون.. اسم على مسمّى والله.

نظرت إليه" فتون "باستغراب، بينما رفع" فارس" عينيه نحوه بغضب:

– آسر.. اتلمّ وركز في اللي احنا فيه.

رفع" آسر" يديه مستسلمًا، لكنه قال بنبرة هادئة وهو ينظر إلى فتون:

_ مركز يا عم..

تقدّمت "فتون" متجاهلة أجواء التوتر، وأشارت نحو غرفة جانبية:

– اتفضلوا.. أنا هجهّزلكم حاجة تاكلوها ومكان تباتوا فيه.

وهي تهمّ بالمغادرة، سمعَت آسر يتمتم من خلفها:

– كريمة كمان.. ما شاء ﷲ.

ألقى "موسى" عليه نظرة جانبية حادة جعلت" فارس" يُخفي ضحكته وهو يربّت على كتف آسر بخفوت:

– خِف..

بعد العشاء، بدأ الجميع يشعر بثقل اليوم الطويل.

قادت" فتون" قمر وليال إلى غرفة صغيرة مرتبة بعناية، بينما فضّل موسى أن يُجلس السيدة في غرفة مجاورة أكثر راحة.

وقفت "فتون" عند باب الغرفة، تنظر إليهما وهي تعقد ذراعيها:

– اتفضلوا.

ابتسمت" قمر" بخفة وهي تضع حقيبتها جانبًا:

– متشكرين وآسفين ع الإزعاج.

فتون بخفة:

– عادي.. هي أول مرة "موسى" يجيب ناس هنا أصلًا.. فـ واضح إن ليكم معزّة خاصة.

تركتهم بعد ذلك وذهبت متعجبّه مما يحدث وغير مقتنعة بما حدّثهم به موسى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الجهة الأخرى ، دخل "فارس" و "آسر" إلى غرفة صغيرة، ألقى "آسر" بجسده على الفراش متنهّدًا:

– لو فضلت يومين كمان بالمرمطة دي هستقيل.

ابتسم "فارس" بخفوت وهو يجلس على الكرسي القريب:

– لو عشنا إن شاء الله ابقي استقيل.

أغمض" آسر" عينيه للحظة قبل أن يفتحها فجأة، وكأن فكرة خطرت له:

– مش ملاحظ إنه مش طايقنا؟

ضحك" فارس" بخفة:

– طبيعي.. مش أي حد يحب يفتح بيته لمصيبة زي دي آخر الليل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفة موسى

جلس على أريكة ، يمسح على وجهه في محاولة لتهدئة أفكاره..

فُتح الباب فجأة، ودخل" فارس" و "آسر" دون استئذان..

رفع" موسى" عينيه ببرود وهو يراهم يتقدمون نحوه.

اتكأ آسر على جدار قريب، ابتسامته المعتادة لم تفارقه:

– قولنا نشاركك القعدة.. لعلّ وعسى قلبك يلين.

نظر إليهما موسى بحدة:

– إيه اللي جابكم؟

رد "فارس" بمرح هذه المرة:

–جايين نشرب معاك كوبايتين شاي ..

رمقه" موسى" بنظرة جانبية،

فأكمل "فارس" بجدية:

_عاوزين نكمل اللي بدأناه بس المرة دي انت معانا يا موسى مش علينا..

لم يُجب" موسى" فورًا، فقط نظر إليهما طويلًا قبل أن يقول بصوت منخفض لكن حازم:

– معاكم.. بس كل حاجة ليها تمن.

رفع" آسر "حاجبه متسائلًا:

– ايه هو؟

تصلّبت ملامح" موسى" للحظة، ثم قال بنبرة حاسمة:

– تساعدوني اجيب حقها منهم.. بس لازم افضل وسطهم

ساد الصمت للحظات، تبادل فيها" فارس "و" آسر" نظرة غموض.. كانت هذه بداية لليلة طويلة قادمة.

ألقى" آسر" نظرة سريعة لـ "فارس" قبل أن يسأل" آسر" بجدية:

–هي مين؟

ساد الصمت لوهلة، شدّ "موسى" أنفاسه ببطء، وكأنه يحاول السيطرة على اضطرابه قبل أن يتكلم.

– أمي..

كان صوته منخفضًا لكنه يحمل في طياته غضبًا عميقًا لم يستطع الزمن محوه.

أسند ظهره للخلف، موجهًا نظره إلى نقطة بعيدة في الفراغ وكأن عقله عاد سنوات للوراء..

قبل عشرة أعوام..

كان طفلًا حينها، في ذلك اليوم، عاد من المدرسة مبكرًا.. كان جالسًا في غرفته منتظرًا انتهاء والدته من تحضير الطعام..

لم يكن يدري أن القدر يخبئ له كارثة ستغيّر حياته للأبد.

سُمع طرق عنيف على الباب، ظنّت والدته أنه أحد الجيران.. لكنها حين فتحت، اندفع رجلان بوجوه غاضبة إلى الداخل..

فتح الباب لينظر بالخارج ظنًّا منه بأن والده قد أتى فرآى والدته وهي تتوسل إليهم

– والله ما هجيب سيرة لحد باللي حصل بس محدش يأذي عيالي.

لم يفهم" موسى" حينها معنى كلامهم، لكنه أدرك أن الأمر خطير عندما جذبها أحدهم خلفه إلى الشرفة وهو يحاول دفعها من أعلى

ولم يمنعهم صراخها ولا توسلها لهم ، وبينما هي تنظر ناحية طفلها موسى والخوف يملئ عينيها والدموع دفعها دون شفقة لتلقى مصيرها ميتة في الحال

أغمض" موسى "عينيه للحظة وهو يسترجع المشهد.

– قتلوها قدامي.. وطبعًا اتسجلت عملية انتحار ولما فوقت م الصدمة وحكيت لأبويا اللي شوفته المحكمة أمرت بتشريح الجثة.. بس ساعتها كانت الجثة اختفت.

عاد صوته إلى الحاضر، أكثر برودًا وكأن الألم أصبح جزءًا منه:

–مش هرحم حد فيهم..هخليهم يتمنوا الموت..بس اعرف مكانها الأول

نظر له" فارس" بأسى وهو ينعيه ويربت على كتفيه محاولًا تهدئته ولو قليلًا ثم،

قطّب حاجبيه وهو يهمّ بالسؤال، لكن" آسر" كان أسرع منه:

– طب إزاي دخلت وسطهم؟

ضحك "موسى" بسخرية خافتة، نظرة لامعة من الألم الخفي مرت في عينيه:

– كان قدامي خيارين.. إما أبقى ضحية زيها.. أو أكون أنا الصياد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفة قمر وليال..

جلست" قمر" على طرف السرير تُرتب أفكارها، بينما كانت "ليال" تتكئ على الوسادة، نظراتها شاردة وكأن عقلها يجوب أماكن بعيدة.

"قمر "وهي تتنهد بعمق:

_مش هينفع نفضل قاعدين هنا أكتر من كده يا" ليال".. الوضع كله غلط، أهلى لو عرفوا حاجه بالموضوع ده هروح في داهيه لازم أرجعلهم.

"ليال" بصوت هادئ لكنه يحمل ترددًا خفيًّا:

_وأنا ؟!

نظرت إليها" قمر" :

_إنتِ معايا.. مش هسيبك، بس لازم نمشي من هنا.

تردد للحظة صمت ثقيل، قبل أن تُضيف ليال بابتسامة خافتة تُخفي قلقها:

_عندك حق.. بس أنا هرجع بيتي أنا وجدتي الله يرحمها.

"قمر" بقلة صبر :

_يابنتي قولتلك تعالي معايا عادي.. ليه مصممة تبعدي ويبقى في فرق بينا..كلهم بيحبوكي وانتِ عارفة

"ليال"بابتسامة باهته:

_معلش يا قمر بس أنا هبقى مرتاحة كده أكتر.. وهناك محدش هيعرف مكاني أصلًا.

هزّت" قمر "رأسها بقلة حيلة:

_ مش عاوزه اضغط عليكي ع بتضايقي بس فكري و بكرة الصبح هنكلمهم ونتكل على الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفة مكتب واسعة، حيث يهيمن الصمت الثقيل، جلس "فؤاد البارون" على كرسيه الجلدي، يُقلّب في الأوراق والصور بنظرات مُحملة بالريبة.

أمامه وقف أحد رجاله في وضع مستقيم، كأنه يخشى أن يلتقط أنفاسه بصوت عالٍ..

رفع "فؤاد" نظره ببطء، وسأل بصوت هادئ لكن يحمل في طياته وعيدًا خفيًا:

_ايه الجديد؟

أخرج الرجل ملفًا صغيرًا ووضعه أمامه بحذر:

_البنتين دول.. وفيه بنت منهم من سوهاج

توقف "فؤاد" عن الحركة للحظة.. استند بمرفقه إلى المكتب، وأدار الملف ببطء بين أصابعه. قال بنبرة ثقيلة:

_إيه علاقتها بفارس؟

انحنى الرجل قليلًا إلى الأمام، وكأنه يُلقي بقنبلة صغيرة:

_جيران من نفس القرية.

انعقد حاجباه وهو يتأمل الصورة بتمعن، يُدقق في ملامح الفتاة وكأنها خيط غير متوقع في شبكة كان يظن أنها مُحكمة.. تمتم بنبرة شديدة البرود:

_ أنت متأكد؟!

هزّ الرجل رأسه سريعًا:

_اه.. اتأكدت بنفسي.

زفر ببطء، وكأنه يُخفي غضبًا تحت طبقات من السيطرة.. طوال السنين الماضية، لم ينسَ ذلك الصبي الذي شاهد ما لا يجب أن يراه..

حاول يمحي أثره بأوامر قاطعة، لكن هروبه قلب الطاولة، وترك شوكة عالقة في حلقه.

ابتسم" فؤاد" ابتسامة باردة، لا تصل إلى عينيه وهو يسند ظهره إلى الكرسي، وأخذ يُفكر للحظة.. أي شخص له صلة بفارس يُصبح هدفًا واضِحًا في لعبته

ثم أردف بحزم:

_راقبوا البنتين.. والبنت دي بالذات.

ثم أضاف بحدة:

_ومش عايز أي غلطة المرة دي.. مفهوم؟

_مفهوم.

خرج الرجل بخطوات سريعة، بينما ظل فؤاد يُحدّق في الصورة، وأطراف أصابعه تُنقر سطح المكتب بتفكير عميق..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في اليوم التالي.. صباحًا

كان "فارس" و "آسر" يجلسان في حالة من الهدوء المعتاد.. دخلت عليهم" قمر "بخطوات ثابتة وخلفها" ليال"، اتجهت نحوهما بتردد.

نظر لها "آسر" وهو يرفع عينيه من ع الحاسوب وعندما لاحظ ملامح وجهها تغيرت نبرة صوته:

_صباح الخير!

تقدمت" قمر "قليلًا لتواجه نظرات فارس المتسائلة خلفه.

قمر بثبات مباشرة ودون مواربة:

_إحنا هنمشي..

رفع" فارس" رأسه بحدة، بينما عقد" آسر" ذراعيه أمام صدره:

_تمشوا ليه؟

"قمر" بحزم:

_اللي بيحصل غلط من البداية.. مينفعش نقعد هنا.. أهلي لو عرفوا الموضوع هيكبر.. شكرًا على كل حاجه بس لازم نرجع.

لم يُعلّق "فارس" فورًا، لكن التوتر في ملامحه كان واضحًا..هي مُحقة ولكن هو يعلم جيدًا مدى خطورة ذلك الرجل وما يستطيع فعله.. بينما" آسر" اكتفى بالمراقبة.

"فارس" بعد صمت قصير ونبرة مشدودة:

_متأكدة هتبقوا في أمان هناك؟!

"قمر" بثقة:

_إن شاء الله.. حتى لو حصل حاجة.. فـوجودنا هنا هيعمل أزمة أكبر.

تنهد" فارس "وهو يُشيح بوجهه للحظة، كأنه يُحاول كبح شيء ما داخله، ثم قال بجفاف:

_اللي يرحكم بس خلوا بالكوا من نفسكم.. وأنا هوصلكم.

ابتسمت" قمر"، بينما تحركت ليال نحو الباب.

إلا أن "موسى" الذي كان يدخل حينها حتى اصطدمت ليال به ولاحظ شرودها بطريقة لم تَفُته وتوتر الأجواء حوله.

نظر لآسر متسائلًا فأخبره بـما حدث.

موسى وهو مازال يُراقب شرودها باهتمام:

_انتوا اخوات أو قرايب؟!

ردّت "قمر":

_ لا بس أنا وليال قريبين جدًا من بعض.

نظر" موسى" لـ "ليال" مُتسائلًا:

_اللي فهمته إنك هترجعي بلدك وآنسة ليال؟!

"ليال" بنبرة مُنخفضة كأنها تُعلن عن شيء حاولت إخفاءه طويلًا:

_أبويا وأمي متوفيين.. مكنش ليا غير جدتي، عشت معاها لحد ما توفت من فترة قريبة..فـهرجع بينتا أنا وهي.

ظل" موسى" ينظر إليها بصمت لثوانٍ، وكأن كلماته لم تعد تكفي للتعبير عمّا يجول في ذهنه.

"موسى" بعد تفكير قصير:

_طب ما تفضلي هنا هتبقي مع "فتون" والحجة زينب.. مكان أمان ليكي أكتر.

هزّت" ليال" رأسها برفض سريع:

_لا.. مش هينفع متشغلوش بالكم بيا أنا متعودة أعتمد على نفسي عادي، وكمان مش عاوزه أكون عبء على حد.

كان في صوته شيء مختلف، شيء يُخبرها أن رفضها لن يُغيّر قلقه، لكنها لم تمنحه فرصة ليُكمل.

"قمر" وهي تحاول إنهاء الموقف:

_شكرًا على ضيافتك لينا واقتراحك لليال..

"موسى" بنبرة أكثر هدوءًا لكنها محملة بمعانٍ خفية:

_تمام بس لو حصل أي حاجة.. إحنا موجودين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بيت أهل قمر في قرية الصوامعة _سوهاج

كانت "قمر" جالسة وسط أهلها، في قلب الدفء الذي اشتاقت إليه طويلًا.. والدتها تطوف حولها بفرحة غامرة، تضع أمامها المزيد من الطعام رغم اعتراضاتها:

_كُلي يا بنتي.. تلاقيكي اتهلكتي في الشغل.

ضحكت "قمر" بخفة وهي تتناول قطعة خبز:

_يا ماما خلاص شبعت.

لكن والدتها هزّت رأسها بإصرار:

_إنتِ كنتِ في غربة..لازم تاكلي يا قلب امك..

من الناحية الأخرى، جلس والدها يُراقبها بصمت قبل أن ينطق بصوته الرصين:

_الحمد لله ع السلامة يا بنتي عيشتينا في همّ ما يعلمه إلا ربنا.

ارتجف قلبها تحت وطأة كلماته.. نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان:

_آسفة يا بابا والله.. ما كانش قصدي أقلقكم عليا بجد.

أرسل والدها زفرة ثقيلة، ثم مدّ يده ووضعها على رأسها بحنان:

_المهم رجعتي.. ربنا يبعد عنك ولاد الحرام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ليال" أثناء عودتها، شعرت بعيون غريبة تلاحقها.. في البداية تجاهلت الأمر، لكنها سرعان ما لاحظت شابًا يتبعها بخطوات ثابتة.

الشاب بابتسامة مستفزة وهو يقترب منها:

_إيه يا حلوة.. ماشية لوحدك ليه؟

تجاهلته "ليال" وهي وتحاول الإسراع

لكن حاول اعتراض طريقها:

_وليه التقل بس؟

وقبل أن يقترب أكثر، تحدّث رجل كبير في السن من مقهى جانبي وحوله مجموعة من الرجال في ضجر

الرجل العجوز وهو يشير للشاب بغضب:

_اتقّي الله..وغور من هنا بدل ما أبلغ عنك بالقرف اللي بتشربه ده.

انسحب الشاب في ضجر.. خوفًا من كثرة الرجال أمامه وهو بمفرده.. لكنه ألقى نظرة طويلة على" ليال"، وكأن الأمر لم ينتهِ بعد.

شعرت" ليال "بغصة في قلبها ولكن حاولت تجاوزها وصعدت لبيتها.

في شقة صغيرة، جلست" ليال "بقرب النافذة، يحيط بها صمت خانق لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسها المتقطعة.. أخرجت هاتفها فـوجدت شحن البطارية قد نفد.. ألقته بجوارها.

وهمست لنفسها بمرارة:

_مين هيسأل يعني.

تحركت ببطء نحو السرير، لكنها لم تستطع النوم.. الوحدة كانت ثقيلة، كأنها حجر يطبق على صدرها.. حاولت أن تتجاهل ذلك الشعور المزعج بأن لا أحد سيبحث عنها، لا أحد ينتظرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عند" قمر" بعدما هدأت الأجواء، جلست قمر في غرفتها، تتأمل القلادة التي لا تزال معلقة حول عنقها.. أخرجت ورقة صغيرة كانت قد دونت عليها رقمًا أخذت هاتف أختها وأرسلت منه رسالة قصيرة لفارس:

_وصلت.. أنا بخير.

لم يمضِ وقت طويل حتى جاءها الرد:

_الحمد لله.. وليال؟

كان "فارس" حينها مع "آسر" و"موسى"، الأجواء هادئة باستثناء صوت التلفاز الخافت.

رفع "آسر" حاجبه بمكر وهو يميل برأسه ناحية "فارس":

_ اتطمنت

ردّ" فارس" دون أن يرفع عينيه عن الشاشة:

_قمر وصلت.. بس" ليال" بتكلمها مش بترد.

تغيّرت ملامحه، لم يشعر بالارتياح.. حاول" آسر "تخفيف التوتر وهو يعلّق بنبرة هزلية:

_عادي يمكن نايمة.

لكن فارس أعاد الكتابة مجددًا:

_ابعتيلنا العنوان كمان ساعه أو ساعتين لو مردتش هنروحلها.

أرسلته قمر في الحال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أثناء ذلك، كان" موسى "جالسًا في صمت، ملامحه جامدة لكنه كان منتبهًا لكل كلمة.. حاول أن يقنع نفسه بعدم الاهتمام، لكن الشيء الوحيد الذي يعرفه عن الأوغاد هو أنهم دائمًا ما يستهدفون الأضعف.

قطع الصمت صوته الحاد وهو يوجّه كلامه لـ" فارس":

_بيتها بعيد عن هنا

ردّ فارس وهو مازال ينظر للهاتف:

_لا في******** اعتقد ساعة زمن من هنا لهناك.

مرّ حوالي نصف ساعة الكل منشغل في عمله.. حتى وصل والد موسى وقطع الصمت بينهما.. فـقام "موسى" سريعًا.

_ أنا هخرج أتمشى شوية.. البيت بيتكم.

نظر إليه "آسر" بريبة:

_دلوقتي ليه؟!

تحرّك موسى دون أن يلتفت، واكتفى بجملة مقتضبة:

_اتخنقت شوية..

لكنه في داخله، لم يكن يريد الخروج.. بل كان يطارده ذلك الإحساس اللعين الذي بدأ ينهش صدره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في منتصف الليل..

كانت "ليال" غارقة في نوم متقطع، حتى قطع سكون الغرفة صوت خافت يأتي من الخارج.

فتحت عينيها ببطء، تحاول استيعاب ما يحدث.. اعتدلت في جلستها وهي تسمع وقع خطوات غريبة تتسلل عبر الشقة.

بخوف حذر، نهضت من سريرها واقتربت من باب غرفتها.. فتحت الباب ببطء، وعندما خرجت إلى الصالة، تجمدت في مكانها.

كان هو... نفس الشاب الذي عاكسها في الصباح، يقف هناك، عينيه تلمعان بنية خبيثة.

تراجعت خطوتين للخلف، قلبها يكاد يخرج من صدرها، قبل أن تصرخ بكل قوتها:

– الحقوووني

تصاعدت أصوات الناس في الحي، وبدأ الجيران يتجمعون عند بابها.

على الجانب الآخر...

كان موسى يقف في نهاية الحي، يتلفت حوله بقلق لم يفهم سببه.. قلبه كان مقبوضًا، وشعور غريب يخبره أن شيئًا ما ليس على ما يرام.

وفجأة..

التقطت أذنه صوت إحداهما يقول:

_لا حول ولا قوة إلا بالله.. الناس مابقاش في قلوبهم رحمة يستغل البت ع ملهاش حد ويعمل فيها كده.

تصلب مكانه، تسارعت أنفاسه، وشكٌ قاتل تسلل إليه.. ليال !

لم ينتظر أكثر.. انطلق بجنون نحو البيت، قلبه يضرب بقوة، والخوف ينهشه من الداخل.

عندما وصل، رأى الناس متجمعة أمام باب شقتها يُحاولون الدخول، والحديث يدور حول شاب اقتحم المكان.. بلا تفكير، اندفع إلى الداخل.

داخل الشقة قبل وصوله بلحظات..

كانت" ليال" محاصرة في الزاوية، وذاك الشاب يتقدم نحوها بخطوات مهددة.. يحاول الاقتراب منها وصوت الناس بالخارج قد ملء المكان يحاولون الدخول وهي مازالت تهاجمه ليبتعد عنها حتى علت صرخاتها وفجأة.. فُتح الباب بعنف.

ظهر "موسى" حينها، عيناه مشتعلة بغضب لم يرَه أحد من قبل.

حاول الشاب التراجع والهروب، لكن موسى كان أسرع.. قبض على ياقة قميصه ورفعه عن الأرض، ثم انهال عليه بلكمة قوية أطاحت به أرضًا.

– بتهربي يا حلوة ؟!

لكمة أخرى، ثم ثالثة، حتى بدأ الشاب يترنح متوسلًا أن يتركه.

– لو لمحتك تاني في أي مكان.. هخلص عليك.

دفعه خارج الشقة بعنف أمام الناس المتجمعة بالخارج وكان أحدهم قد أبلغ الشرطة عنه فأخذوه.

استدار إلى" ليال"، التي كانت واقفة في مكانها،ترتجف رُعبًا وملامحها يكسوها الخوف والصدمة.

اقترب منها، صوته هذه المرة كان هادئًا لكنه يحمل قلقًا صادقًا:

– إنتِ كويسة؟

هزّت رأسها ببطء، وعيناها معلقتان به.

مدّ يده نحوها برفق:

– هتيجي معايا.. مش هسيبك هنا لوحدك.

لم تناقشه.. فقط تبعته، لأنها في هذه اللحظة شعرت أن وجوده بجانبها هو الأمان الوحيد لها الآن.

ورغم اعتراضها السابق، لم تجادله هذه المرة.. لأنه في أعماقها، كانت تعرف أنها تحتاج لهذا الأمان الذي يمنحه وجوده الآن في موقف كهذا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ڤوت وكومنت برأيكم يا حبايب♥

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وهَن الحُب"ما بيننا نحن"

المؤلف Asmaa Mohamed
2026/05/10 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة