أكمل سيره مشتتًا كيف سيلحق بصديقه..
إن وقع بين أيديهم وحده فـ حتمًا لا مفر له
نظر للسماء بـقلة حيلة وأكمل سيره..
وفجأة تذكّر أنه ترك كل متعلقاته في المنزل
فـقرر الذهاب إليه أولًا ولكن يجب عليه الحذر أكثر..
بالكاد هناك من يراقب المكان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعدما عاد ليأخذ أوراقًا مهمة وسلاحه الشخصي
بعد أن بدأت خيوط البحث عن صديقه المفقود
تتشابك في ذهنه، لكن ما إن تحرك حتى لفت انتباهه صوت ارتطام.
لم يمهل نفسه أكثر.
تسلل من باب جانبي، يحاول التقدم بخفة دون أن
يصلوا له، غير أن صوت آخر خفيف أوقفه.
التفت فرأى اثنين من الرجال يخرجان وهما يجرّان
"قمر" و "ليال" مقيدتين، وقد كُمّت أفواههما.
قبض على يده بغضب، لكنه أدرك أن المواجهة الآن
جنون.. كانا أربعة رجال مسلحين، وهو بـمفرده.
راقبهم وهو يتراجع بخطوات سريعة من ممر خلفي نحو سيارته البعيدة عن طريقهم .
تحرك بحذر، يتبع السيارة السوداء التي انطلقت
مبتعدة، وذهنه يعمل بأقصى طاقته.
كلما تعمقوا في الطريق، زاد يقينه أن الأمور تتجه إلى مواجهة لا مفر منها.
راقب "فارس" السيارتين من بعيد، عيناه معلقتان
بالعربة الخلفية حيث يجلس رجلان مع" قمر "و" ليال".
والسيارة الأمامية الأخرى يقودها السائق وإلى جواره
رجل غريب الشكل بدا وكأنه مسؤول عن العملية.
كان بحاجة لإيقافهم دون إثارة ضجة كبيرة.
اخرج سلاح معه كاتم للصوت واطلق على عجلة منهم
وقبل أن يتوقفوا جميعهم..
استغل منعطفًا ضيقًا بعيدًا وتحرك فيه بأقصى سرعة
ممكنة وانتظر وهو يراقب بتركيز لحظة وقوفهم تمامًا..
استغل الفوضى بتلك السيارة التي أطلق عليها وتقدّم خلسة نحو الثانية.
رأى الرجلين اللذان كانا في الخلف تركوهم وانشغلا بالسيارة الأخرى.
وبحركة خاطفة، فتح الباب الخلفي وفك أحبالهم سريعًا.
همس لـ "قمر" و"ليال" بسرعة:
– يلا.. معايا بسرعة.
نزلت" ليال" أولًا، تلتها" قمر"، بينما كان هو يتأكد أن الرجال ما زالوا مشغولين.
لكن أحدهم لمح حركتهم.. تحرّك سريعًا نحوه وقبل
أن يطلق عليه قد سبقه" فارس" بـطلقـ..ـة استقرت في ذراعه الموجه إليهم قبل أن يسبقه هو .
وبسرعة قبل مواجهة الآخرين أخذ بيد "قمر" التي
حلّ بها الذعر من صوت الطـ..ـلق النـ..ـاري وخلفها تتمسك بها "ليال" هي الأخرى في رعب.
وذهب بسرعة نحو أشجار قريبة على جانب الطريق،
كان يعرف أنهم سيستعيدون تركيزهم قريبًا،
لكنه لن يسمح لهم بأخذ خطوة أخرى دون أن يدفعوا الثمن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت السيارة بسرعة تحت جنح الليل،
والطريق بدا مهجورًا إلا من ضوء خافت لمصابيح الإنارة المتباعدة.
لم تصمد" ليال "طويلًا قبل أن تتحدث بنبرة مرتابة:
– ممكن نفهم إيه اللي بيحصل..؟!
لم يلتفت إليها، ظلّ يُركّز على الطريق أمامه، لكن نبرته جاءت هادئة وحادة:
_مش دلوقتي.
تدخلت" قمر"، وقد ضاق صدرها من الغموض المحيط به:
– لا دلوقتي.. إحنا اتخطفنا وكنا هنموت بسبب حضرتك..لو مش واخد بالك يعني؟
سادت لحظة صمت ثقيل قبل أن يجيب أخيرًا، دون أن يُظهر الكثير:
– متورط معاهم في مشكلة.
رفعت ليال حاجبها بسخرية:
– مشكلة!.. شكل المشكلة دي كبيرة أوي عشان عصابة كاملة زي دي تطاردك.
زفَر أنفاسه ببطء، محاولًا الحفاظ على هدوئه:
– الموضوع مُعقد، وهما مش ساهلين.. وأنا مش حابب تتأذوا بسببي.
بادرت قمر، وقد زادت شكوكها:
– وازاي نصدق إنك مش زيّهم؟
التفت إليها أخيرًا للحظة، وملامحه الجادة حملت ثقلًا لا يُخفى:
– لو زيّهم.. هنقذكم منهم ليه!
سكتت" قمر" رغم ارتيابها..
صحيح..
لماذا يُخاطر بحياته لينقذهما؟
أعاد نظره للطريق، ثم سأل بنبرة هادئة لكنها تحمل قلقًا خفيًا:
– ماتكلموش قدامكم عن أي مكان هيروحوا له؟
مخازن.. مزارع.. أي حاجة؟
ردّت ليال بعد تفكير:
– معرفش.. إحنا مش من هنا أصلًا.
استقام في جلسته، وهو يسأل:
– أمال منين؟
أجابت" قمر" دون أن تفكر كثيرًا:
– من سوهاج.
تجمّد للحظة، لكنّه أخفى ردّ فعله بسرعة
حاول أن يُبقي صوته ثابتًا وهو يعلّق:
_بعيدة عن هنا.. جيتوا هنا ليه؟
تبادلت" ليال" و"قمر" النظرات للحظة قبل أن ترد"ّ ليال" ببطء:
– دراسة..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكمل طريقه وبعد وقتٍ ليس بكثير نظر في المرآة
الخلفية ليتأكد من أن أحدًا لا يتبعهم، ثم انعطف إلى
طريق جانبي أقل ازدحامًا.
قطعت" ليال" الصمت أخيرًا، ونبرتها تحمل نفاد صبر واضح:
– إحنا رايحين فين؟
أجاب دون أن يحوّل نظره عن الطريق:
– لازم أخرجكم من هنا الأول.. بعدها هتفهموا كل حاجة.
نظرت "قمر" إليه بريبة:
– طيب ما نرجع البيت نلم حاجتنا ونسافر.. هناك هنبقى في أمان..
هزّ رأسه بحدة:
– مستحيل.. لو بيراقبوا المكان، مش هتلحقوا حتى تفتحوا الباب.
أشاحت "قمر" وجهها عنه، تشعر أن هناك ما يخفيه.
تبادلَت" قمر "و" ليال "نظرات قلقة بينما هو يواصل القيادة
في طرق فرعية متشابكة كأنه يعرفها جيدًا.
بعد دقائق من الصمت الحذر، توقف أمام مبنى قديم في حي شعبي.
– انزلوا..
نظرت" قمر" إلى" ليال "قبل أن تسأل بحدة:
– إيه المكان ده؟
فتح الباب ونزل دون أن يجيب.
لحقتا به إلى مدخل ضيق، ثم صعد بهما إلى الطابق
الثاني حيث شقة صغيرة بدت كأنها مهجورة لكنها آمنة.
أخرج مفتاحًا من جيبه وفتح الباب، ثم التفت إليهما:
– اقعدوا هنا.. محدش هيعرف يوصل لكم.
دخلت ليال بحذر وتبعتها قمر، بينما ظل هو عند
الباب يُلقي نظرة أخيرة قبل أن يُغلق الباب خلفه.
– الشقة دي بتاعة مين؟
سألت" ليال" وهي تتفقد المكان بعينين فضوليتين.
أجاب وهو يضع سلاحه على الطاولة:
– قريبتي.
اقتربت" قمر" منه، وقد طفح بها الكيل:
– كفاية لف ودوران.. مين إنت؟ وليه الناس دي وراك؟
تنهّد ببطء ونظر في عينيها نظرة لم تفهمها هي قلة صبر أم توتر قبل أن يردّ:
– الموضوع معقد.. بس متقلقوش مش هسمح لهم يأذيكم.
كانت قمر على وشك أن ترد،
لكنه قطع الحديث بنبرة أكثر جدية:
– إنتو قولتوا إنكم مش من هنا..
تجمّد للحظة، لكنّه أخفى اضطرابه بنبرة ثابتة وأكمل:
– هترجعوا هناك.. محتاج أخرّجكم من المدينة بأسرع وقت.
لم تلاحظ "قمر" التغيير الطفيف في ملامحه،
لكنها شعرت بأن هناك ما هو أعمق مما يقوله.
قاطعته" ليال" وقد بدأت تشعر بالخوف من تطور الأمور:
– وهنفضل مستخبيين هنا لحد إمتى؟
نهض من مكانه وأجابها بحزم:
– هخلص حاجة الأول بعدها هاخد حد منكم ونروح نجيب حاجتكم وتسافروا من هِنا فترة.. ولو هترجعوا تشوفوا مكان تاني غير هنا.
تبادلت "قمر" و"ليال" النظرات بقلق، لكن ما من خيار آخر أمامهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعدما ترك" قمر" و"ليال" في أمان، قرر أنه لن يضيّع وقتًا
أكثر.. كان يعلم أن الوصول لصديقه لن يكون سهلًا،
لكن هناك شخصًا واحدًا يعرف كل أماكنهم.. رغم خطورته.
قاد السيارة في طرق متشابكة حتى وصل إلى
مستودع قديم على أطراف المدينة.
كل شيء بدا مهجورًا، توقف أمام بوابة صدئة،
طرقها مرتين بإيقاع خاص، وانتظر.
لم تمر لحظات حتى انفتح الباب بصوت مزعج،
وظهر أمامه رجل طويل القامة، بشرته شاحبة
وندبة قديمة تعبر وجنته اليسرى.
عيناه السوداوان لم تحمل أي دفء وهو يرمقه ببرود.
دخل فارس دون دعوة، الداخل كان أشبه بمخبأ محكم، معدّ بأحدث الأجهزة..
لـيظهر رجُل في أواخر العشرينات،طويل القامة بجسد
رياضي متناسق، بشرته قمحية داكنة، وملامحه
حادة ذات نظرات باردة وصوت هادئ متزن..
يُعرف بذكائه الحاد وقدرته على تنفيذ المهام دون ترك أثر.
يشغل منصب قائد مجموعة الاغتيالات في العصابة..
والظل الذي لا يراه أحد إلا بعد فوات الأوان.
قال "فارس" بنبرة هادئة لكنها حذرة:
– عاوزك في موضوع.
ارتفع حاجباه بسخرية خفيفة:
– لسه فاكرني؟
جلس "فارس" أمامه دون تردد وأردف:
– محتاج أعرف مكانهم.
ابتسم "الغراب" ابتسامة باهتة وهو يتكئ للخلفو
ضاقت عيناه وهو يُطيل النظر فيه،
قبل أن يرد ببطء:
– وأساعدك ليه؟
أمال "فارس" رأسه قليلًا، وأجاب بثقة:
– ساعدتني قبل كده..أنت مش زيّهم.
ساد صمت ثقيل للحظات،
كأن الماضي يطفو بينهما، كان "الغراب" الطفل الذي
أنقذه من أسرِ تلك الظِلال يومًا.. لكنه اختار البقاء.
تلاشت السخرية مِن صوته وهو يسأل:
– بتدور على مين بالظبط؟
– صاحبي.. عارف إنه عندهم، ومش هخرج من هنا إلا بـمكانه.
نهض "الغراب" ببطء، مشى حتى نافذة صغيرة،
متأملًا الظلام الذي يلف الخارج..
بدا وكأنه يصارع شيئًا داخله قبل أن يتحدث أخيرًا:
– عندي شرط.. لو ساعدتك، هتديني حاجة مقابل ده.
فارس، دون أن يرف له جِفن:
– تمام..
استدار "الغراب" إليه، ونبرته هذه المرة أكثر جدية:
– لو غدرت، مش هتلحق تندم.
أومأ" فارس" بعزم:
– متعودتش أغدر.
تقدم نحو خزانة جانبية، أخرج منها خريطة متهالكة، وألقى بها على الطاولة:
– في مكان مهجور قريب من *******..
نهض "فارس" بسرعة، التقط الخريطة وهو يهمّ بالخروج، قبل أن يعبر الباب، سمع صوت الوَغر من خلفه:
_ فارس..
التفت إليه، وعيناه تلمعان بتصميم قاتم.
– ماتتوقعش إني هعملها تاني.
أومأ "فارس" قبل أن يخرج، تاركًا خلفه رجلًا لا يزال يحارب أشباح ماضيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بيت العائلة بقرية يُطلق عليها الصوامعة _بـسوهاج،
جلست الأم تتشبث بهاتف ابنتها
أشرقت التي كانت تعيد الاتصال مرارًا دون جدوى.
صوت الرنين يتكرر في صمت المنزل، لكنه يظل بلا إجابة.
قالت الأم، بصوت خافت يحمل رجفة القلق:
_يمكن انشغلت ولا حاجة.
لكن "أشرقت" زفرت بضيق، وقد بدأ التوتر يتسلل إلى ملامحها:
_ما بتردش برضو
ارتسمت خطوط القلق على وجه الأم، فنهضت
متجهة إلى زوجها الذي جلس في هدوء ظاهري،
يحرك مسبحته بين أصابعه، إلا أن عينيه ما لبثتا أن فضحتا انزعاجه وقلقه المكتوم.
قالت الأم، وكأنها تحاول أن تجد طمأنينة في صوته:
_عمرها ما غابت عنّي كده لا حِس ولا خَبر.
رفع الأب نظره إليها ببطء، ثم أجاب بنبرة هادئة،
لكنها مثقلة بالهم فقد حذرهم من عدم ذهابها ولكن حاول طمئنتها:
_ قالت عِندها شغل.. يمكن مَشغوله ولا في مكان الشبكة مَقطوعه.
لكن تلك الكلمات لم تبدد شيئًا من مخاوف الأم،
بل زادتها اضطرابًا. اقتربت منه أكثر وهي تقول:
_قلبي مِش مِطمن.
_بكره لو ماجاش خبر منها هتصرّف.
حاولت" أشرقت" أن تتمسك بهدوئها، لكنها شعرت
بثقل القلق يضغط على صدرها.
أمسكت بكف والدتها وضغطت عليه برفق:
_خير إن شاء الله متقلقيش.
لكن الأم لم تكن قادرة على تبديد هواجسها..
ظل نظرها معلّقًا بالهاتف في انتظار أن يصدر منه
صوت يطمئن قلبها القلق منذ أن انقطع الاتصال بـقمر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الڤوت ورأيكم ع أكملها يا حبايب♥
Asmaa Mohamed