Part 4

Part 4

18 0

كان الظلام يُلقي بظلاله الثقيلة على أحد المخازن

المهجورة، حيث وقف" آسر" في زاوية معتمة،

بعدما استطاع التخلص من ربطة يديه وقدميه..

يراقب من خلف صندوق قديم.

جسده مشدود، وأذناه تلتقطان أي حركة، بينما عيناه تجولان في المكان كصقر يبحث عن فريسته.

تحرك بحذر، خطواته خفيفة كأنه جزء من الظلال.

لم يكن يخشى المواجهة، لكنه كان يدرك أن مواجهة مجموعة كاملة من رجال العصابة وحده جنون.

صوت ارتطام مفاجئ لصندوق على الأرض من

الصناديق تحرك من جواره وهو منغمس بينهما جعله

ينكمش في مكانه، قلبه ينبض بقوة.

لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى انفتح الباب بعنف، ودخل رجلان يحملان أسلحة.

قال أحدهما بصوت غليظ:

– ما فيش حد هنا.. هرب.!

فابتسم "آسر" بسخرية من خلف الصناديق التي كانت على وشك فضح أمره.

وتسلل بخفة حتى وصل إلى باب

جانبي مُتهالك، ثم دفعه ببطء ليخرج إلى ممر ضيق،

وما إن خطا بضع خطوات حتى سمع صوت محرّك سيارة يقترب بسرعة.

وقبل أن يدرك ما يحدث، انعطفت سيارة سوداء أمامه فجأة، ونظر منها" فارس" بخطوات ثابتة ونظرة حادة.

وقال ببرود ممزوج بفرحة لوصوله إليه:

– ناوي تقضي الليلة هنا ولا إيه..دوختني وراك؟

ابتسم "آسر" رغم الألم :

– كنت مستني توصيلة بس...

فتح" فارس" باب السيارة وهو يراقب الطريق:

– اركب بسرعة... قبل ما أغير رأيي.

ركب "آسر" بجانبه وأغلق الباب، ثم انطلقت السيارة بسرعة جنونية، وبعد لحظة صمت مشحونة، قال فارس دون أن ينظر إليه:

– موسى(الغراب) هو اللي قال لي مكانك.

ضحك" آسر "ضحكة قصيرة:

– طول عمري بقول عليه راجل جدع.

رمقه" فارس" بنظرة جانبية، ثم عاد يُركز على الطريق

"آسر" بنبرة واثقة:

–طلعت غالي عندك أنا.

"فارس" بلهجة هادئة لكنها تحمل تهديدًا خفيًّا:

–لو كان حصلك حاجة مكانش هيطلع عليهم نهار.. مابنساش اللي منّي أنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*في المنزل القديم المتواجد به قمر وليال

جلست "قمر" على الأريكة، تحاول أن تتجاهل توترها

بينما كانت "ليال" تتجول في الغرفة، تتفقد التفاصيل

بعينين حذرتين.

كان المكان بسيطًا، لكنه يحمل طابعًا دافئًا، كأنه شاهد على سنوات طويلة من الحكايات.

"قمر "وهي تحاول كسر الصمت:

– حاسّة كإننا في كابوس.. مش قادرة أستوعب اللي حصل.

'ليال" بصوت منخفض وكأنها تحدّث نفسها:

– ما قولت بلاش.. خلينا في حالنا أحسن.

قبل أن ترد" قمر"، دوّى صوت مفتاح وكأن أحدهم

على وشك فتح الباب، فارتبكت الاثنتان.

نهضت "قمر" سريعًا ووقفت بجانبها" ليال"، ظنًّا منهما بأنه "فارس".

انفتح الباب الخارجي بصوت مكتوم، وظهرت امرأة..في العقد الرابع من عمرها قصيرة القامة لكن بهيئة قوية رغم كبر عمرها .

توقفت فجأة وهي تحدّق فيهما بذهول، قبل أن تهتف وهي ترفع يدها تلقائيًا ناحية قلبها:

– بسم ﷲ الرحمن الرحيم.. انتو مين..انس ولا جن..انطقوا؟

كتمت" قمر" ضحكتها بصعوبة وهي تتبادل نظرة سريعة مع ليال.

قمر بابتسامة متوترة:

– لا.. لا، إحنا مش عفاريت، إحنا... تبع فارس.

ضيّقت المرأة عينيها ورفعت حاجبها بريبة وهي تمسحهم بنظرة فاحصة:

– فارس ابني مربياه أحسن تربية.. مالوش في الحاجات دي انتو أكيد حرامية..

"ليال" وهي ترفع يديها سريعًا محاولة تهدئتها:

– حرامية إيه بس يا طنط، فارس هو اللي جابنا هنا.

السيدة وهي تتقدم خطوة للأمام:

– أيوه وجابكم عندي ليه؟ عشان أخبّيكوا من مصيبة ايه انطقوا ؟

قهقهت" ليال" بخفوت وهي تهمس لقمر:

– دي شكّاكه أكتر منّي!

" قمر "وهي تحاول الحفاظ على هدوئها:

– إحنا واقعين في مشكلة وهو بيساعدنا.. قال هنبقى في أمان هنا عندك.

جلست على كرسي قديم وهي تراقبهما بعينين لا تفوتهما تفصيلة، قبل أن تضيف بنبرة فيها لمسة حنين:

– على العموم، البيت بيتكم أما ييجي أفهم منه.. طول عمره بيغيب ويرجعلي بمصيبة.

اقتربت" قمر "بتردد وخجل:

_إحنا مش هنتقل عليكي أول ما يرجع هنمشي علطول

نظرت لها السيدة بحنان وهي تلوّح بيدها:

_متقوليش كده.. فارس ده زي ابني وضيوفه في عنيا.

ابتسمت لها" قمر" وكان على وشك التحدث مجددًا

حتى قاطعهم صوت طرقات قوية على الباب.

تبادلت" ليال "مع" قمر "نظرة حذرة قبل أن تتجه قمر لتفتح الباب.

كان" فارس" يقف هناك، بملامحه المتجهمة المعتادة، لكن عينيه كانتا تراقبانها بحذر واضح.

السيدة بنبرة فيها شيء من العتاب و الحنين:

_بقى كده يا فارس.. ده كله متسألش عني

– غصب عني والله يا زينة ما انتِ عارفة شغلي

قبل أن تنطق السيدة"زينب" ، ظهرت خلفه هيئة شخص آخر يتبع خطواته، بوجه يحمل مزيجًا من الإرهاق والتحدي.

كان" آسر"، بكتفه المصاب الذي لفّه بضمادة بسيطة، وعينين لا تفوتهما أي حركة.

نظرت له السيدة "زينب" من مكانها وهي تحدّق فيه باندهاش، ثم هتفت بنبرة ساخرة وهي تحرك رأسها ببطء:

– مين ده.. مصيبة جديدة؟

رفع" آسر" حاجبه بنظرة ساخرة وهو يلقي بجسده المتعب على أقرب حائط:

_هي دي الست الطيبة اللي هتعتبرني زي إبنها بالظبط.!

ثم وقعت عيناه على "قمر" و "ليال" الظاهر عليهما معالِم الصدمة وعدم الفهم.

– ودول مين كمان!

ثم اقترب" آسر "بخطوات واثقة رغم وضوح الألم في حركته، بينما تابعت السيدة نظراتها المتفحصة لهما وهي تهز رأسها وكأنها تسلّم أمرها:

– ده أنا شكلي داخلة على موسِم!

" ليال" بخجل وهي تحاول كسر التوتر:

– إحنا آسفين على الإزعاج بجد.. بس هنمشي أول ما...

قاطعتها السيدة بحزم:

– إزعاج إيه ! ده البيت دا بقاله زمن ما شافش ريحة البني آدمين واللمة الغريب..قصدي الحلوة دي..

ثم نظرت إلى" فارس "بابتسامتها الحنونة الممازحة:

_ يا مرحب بيك وبمصايبك ياحبيبي..

ابتسم" فارس" وجلس على مقعد قديم بجوار الحائط، بينما "آسر" ما زال يتكئ على الحائط وكأنه يستعيد أنفاسه.

نظر" فارس "له بتمعن قبل أن يسأل بنبرة هادئة:

– إزاي عرفت تخلص منهم؟!

رفع" آسر" كتفه المصاب قليلًا، وكتم أنينه وهو يتحرك ناحيته ليجلس بجواره وأجاب بسخرية:

– سلِكت.. وعرفت أطلع، بس لو اتأخرت شوية، كان زماني دلوقتي ذكرى عزيزة عندك.

ارتسمت على وجه" فارس" ابتسامة جانبية وهو يعلّق:

– طب الحمدلله.

"آسر "بنبرة فيها تحدٍ واضح:

– الخطوة الجاية إيه؟

ساد صمت قصير مشحون، قبل أن يميل" فارس" للأمام قليلًا، ونبرته تمتلئ بتصميم لا يعرف التراجع:

– هنقلبها ع دماغهم.

أشاح بنظره إلى "قمر" و "ليال" ولاحظ فضولهم ثم ألقى نظره إلى" آسر "بـأن الوقت غير مناسب للحديث عنهم الآن.

مرّت ساعة تقريبًا منذ وصول" فارس" و "آسر"، وما زال التوتر يملأ الجو رغم محاولات السيدة" زينب "كسره بتعليقاتها الساخرة.

أردفت موجهة الحديث إلى" قمر" و "ليال":

_يلا يا بت انتِ وهي ع المطبخ نعملنا لقمه حلوة.

تقدمت" قمر "بتردد نحو المطبخ، بينما تبعتها ليال على مضض، وهي تسير أمامهما بخطوات واثقة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.

ما إن دخلن المطبخ حتى وضعت يديها على خصرها واستدارت إليهن قائلة بلهجة عملية:

– مين فيكم بيعرف يطبخ ؟

رفعت" قمر" يدها بتردد:

– يعني… على قدّي.

غمزت" ليال" بمرح وهي تشير إلى نفسها:

– وأنا على قديين بقى.

رفعت العجوز حاجبها بسخرية:

– وقعتوا في إيدي.. يلا وروني شطارتكم.

في هذه الأثناء، كان "فارس" يجلس في الصالة يتفحص كتف آسر المصاب بعناية.

قال" آسر "وهو يتأوه بخفة:

– خف شوية يا دكتور، دراعي لسه في مكانه والله.

رمقه" فارس" بنظرة جانبية وهو يشد الضمادة أكثر:

– نخلعهولك بقا..

تأوه "آسر" قليلًا وبعدها اتكئ بارتياح

وعاد الصمت للحظة، قبل أن يتحدث "فارس" بنبرة أكثر جدية وهو ينظر نحو المطبخ حيث اختفت الفتاتان:

– على فكرة.. هتقعدوا هنا يومين.

نظر له "آسر" بدهشة:

– يومين؟! مع الست اللي ناوية تدفني بالحيا دي؟

ضحك فارس بخفة قبل أن يضيف:

– على الأقل هي أرحم.

في المطبخ، كانت" قمر" تحاول إشعال الموقد بينما ليال تبحث في الخزائن.

قالت "ليال" بخفوت:

– المكان ده تحفة أثرية.. تحسي أي حاجة تلمسيها ممكن توقع علينا السقف.

ضحكت" قمر "وهي تهز رأسها:

– بس الست طيبة.. مع إنها شكّاكة بطريقة مش طبيعية.

رفعت السيدة"زينب" رأسها بعدما كانت تبحث بداخل الأدراج السفلية على قدر قديم وسألت:

– بتقولي حاجة يا بنتي؟

ابتلعت" قمر" ريقها بسرعة:

– لا، بس بقول..ريحة الأكل تجنن!

تأملتها بنظرة عميقة قبل أن تهز رأسها وتقول:

–طيب ياختي أنتِ وهي انجزوا شوية.

بعد قليل، خرجت "قمر" من المطبخ، تتلفت حولها حتى وجدت" فارس" يجلس بجوار "آسر" تحدّثت بدون سابق إنذار

– إحنا هنمشي امتى.

رفع رأسه إليها بصدمة من ظهورها المفاجئ:

– بعد يومين تكون الأوضاع هديت شوية وتسافروا.

_طب عاوزه أكلم أهلي أطمنهم والفون بتاعي في البيت هناك.

رفّت عيناه في توتر قبل أن يومئ لها وأعطاها هاتفه:

– اتفضلي تقدري تكلميهم من هنا.

تناولت منه " قمر "الهاتف بحذر قبل أن تذهب إلى ركن بعيد لتجري مكالمتها.

غمز له" آسر "بمرح

فرمقه" فارس" بنظرة جانبية، لكنه تجاهله وهو يتابع "قمر" بحذر.

ما إن بدأت المكالمة حتى لاحظا كيف تبدلت ملامح وجهها إلى التوتر.

قالت "قمر" بسرعة:

– بابا؟ أنا بخير والله... كان فيه ضغط شغل هرجع كمان يومين إن شاء الله.

ترددت قليلًا قبل أن تضيف بابتسامة مصطنعة:

–اه الناس طيبين هنا معانا واحنا تمام..

غمز "آسر" لـ "فارس" هامسًا:

– طيبين أوي يا خال..

رفع "فارس" حاجبه محذرًا:

– اتلم ..

في هذه الأثناء، عادت قمر وهي تتنهد بارتياح وتجلس بجوارهم قائلة:

– طمنتهم.. بس أمي هتقلب الدنيا لو ما رجعتش قريب.

رد "فارس" بجدية:

– يومين بس.. لحد ما الأوضاع تهدى.

– أنا بجد عايزة أفهم.. إيه اللي بيحصل.. وإنت مين أصلاً؟

ساد الصمت للحظة قبل أن يتنهد" فارس" بهدوء وكأنه يدرك أن التهرب لن يجدي نفعًا فقرر مصارحتهما:

–الموضوع معقد.. أنا كنت بشتغل على قضية فيها عمليات تهريب ضخمة، وحصل إنّي وصلت لحاجة ما كانش المفروض حد يعرفها.

تقدّمت" ليال "للأمام قليلًا، وقد علت وجهها ملامح الحيرة:

– طب إحنا إيه علاقتنا؟ ليه فجأة بقينا جزء من الموضوع ده؟

تنهد" فارس" ببطء، يراقب تعابير وجهها المتسائلة قبل أن يجيب بنبرة جادة:

– فاكرين إنكم جزء من فريقي.. لما شافوكم معايا أكتر من مرة، افتكروا إنكم بتساعدوني.

قطبت" قمر" جبينها وهي تسأله بنبرة أكثر حدة:

– فريق إيه ؟ هو إنت بتشتغل إيه بالضبط؟

ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة خالية من المرح وهو يرد:

– أنا شغلي مرتبط بتتبّع عمليات مشبوهة.. حاجة زي تحليل البيانات وجمع الأدلة.. بس اللي وقعت فيه أكبر من مجرد شغل روتيني للأسف.

تبادلت الفتاتان نظرة سريعة قبل أن تعود" ليال" للسؤال:

– طيب.. عرفت إيه بالضبط؟ وإيه اللي خلاهم يطاردوك؟

تغيرت ملامح" فارس" قليلًا وهو يتذكر التفاصيل، ثم قال بصوت منخفض:

– لقيت ملفات بتوثّق عملية تهريب أسلحة وممنوعات.. مش على مستوى محلي، لأ على مستوى دولي.. والأخطر إنّي وصلت لأسماء ناس من جوه العصابة دي.. وده اللي قلب الدنيا عليّ.

قالت" قمر "بقلق:

– وإنت بقى ناوي تعمل إيه دلوقتي؟

ارتكز" فارس" بمرفقه على ركبته وهو يجيب بحزم:

– لازم أكتشف مين الراس الكبيرة.. والوحيد اللي يقدر يساعدني هو شخص منهم..

رفعت" ليال "حاجبها بدهشة:

– منهم ازاي؟ إنت تعرف حد هناك؟

هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يرد:

– آه..

زفرت" قمر" بإحباط وهي تتكئ على الجدار:

– يعني إحنا متورطين بينك وبين عصابة احتمال تخلص علينا كلنا في ثانية؟

ابتسم "فارس" ابتسامة خافتة وهو يرد:

– متقلقيش.. يومين وهرجعكم وهتبقوا في أمان.

أمالت السيدة"زينب" رأسها وهي تراقبهم بنظرة متفحصة قبل أن تقول:

– واضح إن في بلاوي سودا داخلين عليها من ورا شغلك ده زي كل مرة..

التفتت إليها "قمر" سريعًا، وكأنها التقطت طرف الخيط:

– حضرتك مامته؟

توترت السيدة ونظرت إلى" فارس "ثم حاولت العودة لمرحها وهي تقول بفخر هادئ:

– تقدري تعتبريني زي مامته

قالت آخر كلمة بصيغة ممازحة ثم اكملت:

_أنا اللي ربّيته..جمعنا القدر زمان وكان لوحده ولغاية دلوقتي منعرفش حاجة عن أهله

نظرت" قمر" إلى" فارس "بذهول

فأومأ" فارس" برأسه دون أن يُظهر الكثير من المشاعر على وجهه، بينما تابعت لسيدة حديثها:

– قعد معايا سنين.. لحد ما كبر واشتغل، ولما انشغل في حياته.. سابني ومشي.. بس ما نسيش العيش والملح يعني وكان بيشقّر عليا من وقت للتاني.

قاطعها" فارس" بلطف:

– إنتِ عارفة إن كان لازم اعمل كده غصب عني .

أومأت برأسها وهي تتنهد:

– عارفة.. بس ما يمنعش إني زعلانة منك وعليك يا حبيبي والله.

نظرت" قمر" إليه مجددًا، كأنها تحاول أن تفهم أي سر يخفيه هذا الشخص الذي بدا لها أكثر غموضًا مع كل كلمة جديدة.

أما" آسر"، فبقي في صمته، يراقب الحوار بعين فاحصة دون أن يتدخل.

بعد دقائق من الصمت، تنهدت السيدة وهي تنهض ببطء:

– أنا رايحة أجهزلكم الأوضة اللي هتباتوا فيها.

نظرت إليها" قمر" بامتنان وهي تقول:

– متشكرين جدًا.. هنتعبك معانا اليومين دول

تحدثت وفي تغادر للغرفة:

– متشكرين إيه.. البيت بيتكم.

وبعد رحيلها، عاد الصمت مجددًا.

نظرت "قمر" إلى" فارس" وسألته بنبرة أكثر هدوءًا هذه المرة:

– طيب.. إيه الخطوة الجاية؟

فرك" فارس" كفيه ببطء وهو يفكر قبل أن يجيب:

– هنفضل هنا يومين لحد ما الدنيا تهدى.. لازم نكون متأكدين إن ما فيش حد بيراقبنا.

التفتت إلى" آسر"، الذي كان يتابع الحديث بصمت:

– وإنت.. إيه دورك في اللي بيحصل ده؟

أجاب "آسر" أخيرًا، بنبرة أكثر جدية:

–شغلي قريب من شغله شوية بس أنا متخصص في جمع بيانات رقمية زي تهكير حسابات وكاميرات فـبنساعد بعض.. يعني قولي احنا الاتنين مكلفين بنفس المهمة.

بدأت "قمر" تدريجيًا تفهم أن وجودها هنا ليس مجرد صدفة.. وأنها أصبحت جزءًا من شيء أكبر مما ت

أما فارس، فكان يراقب كل شيء بعين يقظة، يعلم أن العاصفة لم تنتهِ بعد.. وأن الهدوء هنا ما هو إلا استعداد لمواجهة جديدة

في منتصف الليل، كان الصمت يلف المكان، لا يُسمع سوى صوت ساعة قديمة معلقة على الحائط..

كان "فارس" مستلقيًا على الأريكة، يراقب السقف بعينين نصف مغمضتين، بينما" آسر "يجلس مسندًا ظهره على المقعد ، يتأمل الجرح في كتفه.

همس" آسر "بنبرة هادئة:

– شكلك مش ناوي تنام.

أجابه" فارس" دون أن يحوّل نظره:

– مش مرتاح.

ضحك" آسر" بخفة:

– اجمد كده لسه التقيل جاي إن شاءالله...

لم يرد "فارس"، لكنه اعتدل فجأة حين التقطت أذنه صوت حركة خفيفة خارج المنزل..

انتبه" آسر" هو الآخر، وتبادلا نظرة حذرة.

نهض" فارس" بهدوء، وسحب سلاحه من جانبه قبل أن يتجه إلى النافذة الصغيرة، أزاح الستار بحذر وألقى نظرة سريعة.

تسمرت عيناه حين رأى ظلًا مألوفًا يقف قرب الباب الخلفي، وقبل أن يتصرف، دوّى طرق خافت عليه.

رفع" آسر "حاجبه:

– ده حد عارف البيت.

اقترب" فارس" ببطء وفتح الباب بحذر، ليظهر" موسى" واقفًا أمامه،

تبادل "فارس وآسر نظرة سريعة قبل أن يفسح له الطريق.

دخل" موسى" بخطوات ثابتة وأغلق الباب خلفه بإحكام، ثم استدار إليهما قائلاً بصوت خافت:

– مكانكم اتعرف.. لازم تمشوا من هنا حالًا.

ضيّق "فارس" عينيه وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:

– إزاي؟

تقدم" موسى "ببطء، ووقف على بُعد خطوات وهو يجيب ببرود:

– واحد من رجالتهم لمح" آسر "بيركب معاك وعرف مكانكم عن طريق نمر العربية، وأنا قدرت أوصل قبل ما يتحركوا.

تدخل" آسر" بسخرية خافتة:

–وعاوزنا نصدق إنك جيت مخصوص عشان تحذرنا ؟

ابتسم "موسى" بزاوية فمه، تلك الابتسامة التي لم تحمل أي دفء:

– لو هغدر مكنتش قولتله على مكانك..عامةً لو فضلتوا هنا مش هتلحق تصدق أو لا.

راقبه "فارس" بصمت لحظة قبل أن يسأل بجفاء:

– عندك مكان أمان؟

أومأ" موسى" بإيماءة خفيفة:

– بيت أبويا.. محدش يعرفه، ومش هيخطر على بالهم.

تردد "فارس" قليلًا، كأنه يزن الخيارات في رأسه، ثم قال بحزم:

– صحّي البنات.. هنمشي دلوقتي.

تحرك "آسر" نحو الغرفة، وطرق على الباب بخفة..

كانت" ليال "تغط في نوم هادئ بينما" قمر "مستلقية على جانبها، لكن عينيها كانتا مفتوحتين، تراقب الفراغ بشرود.

همس لهم" آسر "من الخارج:

– قوموا.. لازم نمشي حالًا.

اعتدلت" قمر "وقامت لتفتح الباب :

– في إيه؟

أجاب بصوت خافت:

– مكاننا اتعرف.. لازم نخرج قبل ما يوصلوا.

ذهبت" قمر "بسرعة، وأيقظت ليال التي تمتمت بنبرة ناعسة:

– إيه اللي بيحصل؟

– بعدين.. يلا.

بعد دقائق قليلة، كانوا جميعًا عند الباب.. واستيقظت السيدة وألقت عليهم نظرة متفحصة قبل أن تقول:

_حصل ايه تاني !

بعد عدة دقائق..

السيدة وهي تجلس على الكرسي بإصرار:

– لا يا بني.. مش جاية ! أنا مالي ومال المشاكل بتاعتكم دي.. عشت عمري كله هنا محدش قرّب لي ولا يعرف عنّي حاجة.

" فارس" وهو يحاول تهدئتها:

– يا زينة، المكان مابقاش أمان.. ماينفعش تفضلي لوحدك.

"قمر" بتوسل:

– عشان خاطري يلا، إحنا خايفين عليكي.

السيدةوهي تلوّح بيديها:

– ما تخافوش.. محدش يقدر يقربلي.

"موسى" وهو يراقب الساعة بملل ثم نظر لرجاله قائلًا:

– خلاص.. شيلوها وهاتوها بالعافية

التفتت السيدة إليه بحدة:

– إيه!.. يشيلوا مين يا واد اتهبلت ولا ايه!

"آسر" وهو يرفع يديه باستسلام:

– محدش هيقربلك بس لازم تيجي معانا.

"موسى" وهو يعبر نحوها بخطوات واسعة:

– ماتتعبيناش يا حجة، يا تيجي بالذوق يا..

السيدة بسرعة وهي تنهض قبل أن يلمسها:

– ما تمدش إيدك ياواد ! هاجي وأمري لله..

" آسر "وهو يفتح الباب:

– دي هتحتاج خطة لوحدها لكل خطوة ليها معانا.

السيدة وهي تخرج متذمرة:

– هتجيبوا أجلي قريب.. أما اشوف آخرتكم إيه.

في الخارج، كان الهواء الليلي باردًا، والمكان يغرق في سكون مخيف. أشار" موسى" نحو سيارة سوداء مركونة في الظلام:

– اركبوا.. هنتحرك.

صعد "آسر" بجوار "موسى" وتبعته" ليال" في المقعد الخلفي بصمت.. كانت ستتبعها" قمر" ولكن أوقفها صوت فارس:

 

_هتركبي انتِ وأمي زينب معايا عشان المكان مش هيكفينا.

انطلقت السيارتان بسلاسة تخترق عتمة الليل.

في الطريق، نظرت" ليال" نحو" موسى" عبر المرآة الجانبية وسألت بنبرة ارتياب:

– هو إيه اللي يخليك تساعدنا يعني؟

لم يلتفت" موسى"، لكنه رد بجفاء:

– مصلحتي.

_بجد والله مصلحتك في إنك تنقذنا وانت شكلك منهم أصلًا.

نظر لها بقلة صبر:

_مش عاجبك انزلي.

زفرت "ليال" في انزعاج بينما نظر لها "موسى" في المرآة مبتسمًا باستهزاء.

في سيارة" فارس"، كان الصمت يخيّم على الأجواء بعد المناورات الكثيرة التي بذلتها السيدة في رفضها للمغادرة..

كان يقود السيارة بنظرات متيقظة، يراقب الطريق من المرآة الجانبية بين الحين والآخر.

التفت إلى الخلف، فوجد السيدة "زينب" قد استسلمت للنوم، رأسها مائل قليلًا إلى جانب قمر التي كانت تساندها بحذر.

لكن ما شدّ انتباهه "قمر".. كانت تجلس بهدوء نادر، ملامحها غارقة في إرهاق واضح رغم محاولتها التظاهر بالقوة.. في ضوء الشارع الخافت، بدت شاردة كأن عقلها بعيد تمامًا عن كل ما يجري.

رفع" فارس" حاجبه وهو يتساءل في نفسه عن سر هذا الصمت المفاجئ.. عادةً لم تكن تترك فرصة دون أن تُلقي تعليقًا ساخرًا أو تُجادله فيما يحدث، لكنها الآن..

قطع أفكاره صوتها حين تمتمت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها:

– هو مفيش نهاية للدوامة دي؟

لم يُجِب على الفور، فقط ألقى عليها نظرة جانبية قبل أن يرد بصوت منخفض لكنه ثابت:

– هتنتهي.. متقلقيش وآسف إني كنت سبب في الورطه دي.

رفعت رأسها تنظر إليه للحظة، كأنها تحاول أن تجد في عينيه ما يؤكد كلماته.. لكنه كان منشغلًا بالطريق، وجهه جامد كما لو أنه اعتاد حمل الأثقال وحده.

ابتسمت بسخرية خافتة وهي تعيد رأسها للوراء:

– يا ريت..أتمنى.

لم يرد عليها هذه المرة.. فقط شدّ قبضته على المقود، وانطلق بالسيارة إلى عمق الظلام حيث ينتظرهم المجهول.

بعد دقائق طويلة من الصمت المتوتر، توقفت السيارتان أمام بيت قديم في منطقة هادئة على أطراف المدينة.. نزل الجميع ونظر إليهم موسى بجدية:

– هنا محدش هيقدر يوصلكم حاليًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وهَن الحُب"ما بيننا نحن"

المؤلف Asmaa Mohamed
2026/05/10 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة