تسلل ضوء الشمس مِن بين الستائر، فاستيقظ ببطء.
رفع يده إلى بطنه، ليجد الجرح مُضمَّدًا بعناية.
تذكر ما حدث.. السيارة، المطاردة، النزيف.. ثم هاتين الفتاتين.
نظر أمامه، فوجدها جالسة على مقعد،
المكان تحتله الفوضى، وفي يدها عصا تنظيف،
وكأنها في استعداد للدفاع عن نفسها..!
ابتسم بسخرية، لكن ما لفت نظره حقًا كان تلك القلادة المعلّقة حول عنقها.. هل هي نفس القلادة؟ أم أنها فقط تشبهها؟
تذكر أنه يجب أن يرحل الآن، بحث بعينيه عن سترته، وجدها معلقة على مقعد آخر، فارتداها في عجَلٍ وخرج.
استيقظت هي على حركة خفيفة، حركت عنقها متألمة من نومها في وضع غير مريح، وحين تذكرت ما حدث، اتسعت عيناها بصدمة.. مكانه فارغًا تمامًا.
نهضت مُسرعة وفتحت الباب.. لقد رحل بالفِعل.
في تلك اللحظة، ظهرت ليال من غرفتها، ما زالت نصف نائمة، نظرت إليها باستغراب.
"ليال" بتثاؤب:
_ إيه واقفة كده ليه؟
التفتت" قمر "إليها وهي تشير إلى المكان الخالي:
_مشي!
" ليال" رفعت حاجبيها باندهاش، ثم زفرت براحة:
_كويس، مش ناقصين مشاكل.
لكن" قمر" لم تشاركها الشعور نفسه، حدّقت في الأرض لبرهة، لا تعرف لماذا شعرت أن هذه القصة لم تنتهِ بعد.
بعد ساعات...
كانت "قمر" تتحرك في الشقة، تجمع الأوراق المبعثرة والأكياس الفارغة التي تركوها أمس.
التفتت إلى الطاولة حيث تركت القماش الملطخ
بالدماء والأدوات الطبية البسيطة الخاصة بـعملها
كـممرضة، تنهدت وهي ترفعه بيدها وتحدّث نفسها بضيق:
_خدت أجازة من المستشفى.. المريض جالي لغاية عندي
رفعت قطعة القماش وألقت بها في الكيس مع باقي الأشياء غير المهمة.
وبينما كانت تنظّف الأرضية، لاحظت زرارًا صغيرًا أسود لامعًا، التقطته بسرعة ونظرت إليه دون اهتمام يبدو أنه وقع من سترته وهو يرحل، ثم ألقته جانبًا مع باقي القمامة.
في هذه اللحظة، مرت ليال بجانبها لكنها توقفت فجأة عندما لفت نظرها وميض طفيف جدًا وسط الكومة التي جمعتها قمر.
"ليال" بصوت منخفض وهي تضيّق عينيها:
_ إيه ده؟
مدّت يدها والتقطت الزرار، تفحصته جيدًا، بدا عاديًا جدًا، لكنه حين حركته قليلًا في الضوء، لاحظت وميضًا طفيفًا ينعكس عليه، يبدو أنه مجرد إنعكاس لضوء الشمس.
"قمر" بانتباه وهي تلاحظ ليال واقفة مكانها:
_فيه حاجة؟
ليال بهدوء وهي تنظر للزرار:
_لأ.. بس..
نظرت إليه للحظة أخرى، ثم رفعت كتفيها
بلا اهتمام ووضعته على الطاولة بجانبها،
قبل أن تردف:
_مفيش حاجة
أما هو، فكان يتجوّل بين المارّة.. بدا شخصًا عاديًّا، لكن عيناه كانتا تراقبان الطريق والبشر حوله بحذر..
يتساءل كيف استطاعوا الوصول إليه بالرغم مِن تحفّظه..
حتى أصدقاؤه لا يتقابل معهم..
سوى" آسر"..
كان معه أمس،
لا بد أنهم راقبوه ليصلوا إليه.
عبس وهو يُخرج هاتفه بسرعة، حاول الاتصال به،
لكن لا إجابة.
توقف في منتصف الطريق وهو يضغط على أسنانه، ثم جرّب الاتصال مجددًا.. لا رد.
شعر بشيء غير مريح، لم يكن" آسر" ليختفي بهذه
الطريقة.. قرر التوجه إلى المكان المعتاد الذي كانا
يلتقيان فيه.
كان زقاقًا ضيقًا خلف مقهى قديم،
لكن حين وصل، لم يجد أي أثر له، فقط الأرضية
الرطبة ورائحة القهوة المحترقة من المكان المجاور.
اقترب أكثر، يبحث بعينيه عن أي علامة، ثم لمح شيئًا صغيرًا على الأرض.. هاتف آسر.!
انحنى بسرعة والتقطه، كان محطّمًا وكأن أحدهم
دهس عليه بقوة، الشاشة متشققة تمامًا.
ضغط على الزر الجانبي، لكن الهاتف لم يستجب.
أدرك حينها أن الأمر تجاوز مجرد مراقبة..
لقد أخذوه.
شعر بالغضب يتصاعد داخله.. كيف استطاعوا الوصول إليه؟ ولماذا أخذوه؟ هل كانوا يظنون أنه سيكون طُعمًا لاستدراجه؟!
نظر حوله مرة أخرى، لكن المكان كان خاليًا تمامًا،
وكأنه لم يكن هناك أحد.
زفر بغضب،
ثم ألقى نظرة أخيرة على الهاتف قبل أن يضعه
في جيب بنطاله.
عليه أن يجد" آسر"، لكن كيف؟ لا يملك
سوى حدسه وبعض الافتراضات..
في هذه الأثناء، كانت ليال قد تركت الزرار على
الطاولة دون اهتمام، لكنها عندما مرت بجانبه مجددًا،
لاحظت شيئًا غريبًا.
أمسكته مجددًا وحدّقت فيه
بتركيز أكبر.. بدا عاديًا، لكنه عندما أدارته بين أصابعها، لاحظت شقًا صغيرًا جدًا رأته عندما
انبعث منه ضوء أزرق طفيف، بالكاد يُرى..
لم يكُن انعكاسًا.
قطّبت "ليال" جبينها، ثم حدّثت "قمر" متعجّبة:
_الزرار ده فيه حاجة غريبة
"قمر" بلا مبالاة:
_زرار يا ليال، مش قنـ..ـبلة.
لكن "ليال" لم تقتنع، فتوجهت إلى درج صغير في المطبخ وأخرجت منه شفرة صغيرة،
ثم بحذر، مرّرتها على طرف الزرار، ليصدر صوت
خفيف، وكأن غطاءً صغيرًا قد تحرّك.
اتسعت عيناها بصدمة عندما لاحظت وميضًا
صغيرًا جدًا في الداخل.. لم يكن زرارًا عاديًا.
"قمر "بصدمة وهي تقترب:
_ استني... هو ده إيه؟
" ليال" بصوت منخفض:
_معرفش، مش قولتي وقع منه؟
"قمر" بِـحيرة:
_ آه أكيد وقع منه هو.
"ليال" أخذت هاتفها والتقطت له صورة علّها تجد أي تفسير لذلك الشيء الغريب على موقع ما..
حلّت بها الصدمة عندما أدركت أن ذلك الزرار
لم يكن مجرد قطعة وقعت سهوًا، بل كان علامة،
جهاز تتبع صغير، ووجوده في شقتهم يعني شيئًا واحدًا..
أن هناك من يراقبهم الآن.
"ليال" بـتفكير قلِق:
_يبقى الناس دي كانت بتراقبه عن طريق الجهاز ولما مسكتيه وصلهم إشارة بـمكان وجودنا ع كده بينوّر..
"قمر" بقلق وإدراك:
_وهما أكيد جايين دلوقتي علشان فاكرين إنه موجود هِنا..
"إحنا لازم نتحرك دلوقتي"
نطقت بها" ليال" والخوف يسيطر على كليهما..
قامت ليال بجمع ما هو مهم لـرحيلهم وقبل انتهائهم
وصل لمسامعهم صوت طرقات عنيفة على الباب ولكن الطارق لم ينتظر ودفع الباب قبل إدراكهم للأمر..
تحطم القفل وسقط الباب بعنف.
شهقت" قمر "وتراجعت للخلف بسرعة، بينما دلف
رجلان إلى الداخل، في حين وقف آخران عند الباب،
يرتدون ملابس سوداء، ووجوههم خالية من أي تعبير.
تبادلت الفتاتان نظرات سريعة، قبل أن يخطو أحد
الرجال إلى الأمام متحدثًا بصوت ثابت:
_ هو فين؟
تصلبت" ليال" في مكانها، بينما تقدمت قمر خطوة
إلى الأمام، محاولة إخفاء خوفها:
_هو مين؟
ضاقت عينا الرجل قليلًا وهو يجول ببصره في
المكان، ثم توقف عند الطاولة حيث وُضع الزرار.
لاحظ الشق المفتوح فيه، واستنتج أنهما اكتشفتا
أمره.. ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه،
ثم التفت إلى رجاله وأمرهم بلهجة قاطعة:
_هاتوهم.. لغاية ما يقرروا يقولوا هو فين.
شعرت "قمر" بجسدها يتجمد، لكن عقلها كان يعمل بسرعة.
نظرت إلى الرجل بثبات مصطنع،
قائلة بصوت قوي ظاهريًا:
_إحنا مش فاهمين إنتو مين و عايزين إيه أصلًا...
ساد الصمت للحظات، قبل أن يتحرك الرجل بسرعة
لم تتوقعها إحداهما.
بضربة واحدة، حطم الطاولة،
لينكسر سطحها الخشبي وتتبعثر محتوياتها على
الأرض.
تراجعت "ليال" خطوة لا إراديًا، وقالت بصوت مرتجف من الخوف:
_كان هنا.. بس صدقني، مانعرفش راح فين.
نظر الرجل إليها ببرود، ثم أدار رأسه نحو رجاله، مشيرًا إليهم بمعنى واحد"انتهى الأمر".
تحرك الرجال نحو الفتاتين، بينما تسارعت
أنفاس قمر وهي تنظر إلى ليال، ثم إلى الباب
المفتوح، تفكر في فرصة للهروب.
لكن الرجل لاحظ نظراتها، فابتسم بسخرية قبل
أن يشير إليها بإصبعه قائلاً:
_فكرتِ في الجري؟ فكرة وحشة للأسف.
وقبل أن تستوعب أي منهما ما يحدث، كانت الأيدي
تمتد نحوهما، تقبض عليهما بقوة لا مجال للهروب منها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
متنساش الڤوت يا جميل ♥
رأيكم يهمنّي♥🫶🏻
Asmaa Mohamed