ليل هادئ في القاهرة، لا يُسمع سوى ضجيج السيارات البعيدة وأصوات الشارع الخافتة.
تتناول "ليال" و"قمر" الطعام وسط الفوضى التي خلّفها انتقالهما لسكنها الجديد بجوار الجامعة.
"ليال" براحة وهي تضع كوب العصير جانبًا:
_وأخيرًا مش هضطر لزحمة المواصلات كل يوم.
"قمر "بتنهيدة وهي تسند رأسها على الحائط خلفها:
_أخيرًا هنام ساعة زيادة.
لكن الراحة لم تدم طويلًا.. فجأة،
قطع حديثهما صوت ارتطام قوي، يليه خبطات متتالية في الشرفة المجاورة. توتر يسيطر على المكان، تبادلتا نظرات حذرة.
"ليال" بتوتر وهي تعدل جلستها:
_ إيه ده؟!
نهضت "قمر" أولًا، تتبعها ليال بقلق، تتحركان بحذر نحو الشرفة، عيونهما تبحث في الظلام.
يظهر ظل شخص يترنح بصعوبة، يقترب من السور
ليستند عليه وكأنه غير قادر على الوقوف.
ضوء الشارع الخافت يكشف جزءً من ملامحه...
شاب وجهه شاحب، عيناه تحملان مزيجًا من الألم والقلق. يضغط على جانب بطنه، حيث تظهر خلف يده بقعة دم على قميصه، تزداد اتساعًا مع كل ثانية تمر.
"قمر" بهمس وهي تشد ذراع ليال:
_ده بينزف!
"ليال" بقلق وهي تتراجع خطوة:
_ملناش دعوة.. شكله متورط في حوار كبير، مش شايفة العربيات اللي تحت
نظرت" قمر" لأسفل، انتقلت بعينيها إلى السيارات المصطفة تحت المبنى، بعضها يعمل بمحركات هادئة،
وكأنها تنتظر شيئًا.. أو أحدًا.
ثم عادت بنظرها إليه..
قبل أن تستوعب أفكارها، قطعت شرودها سيارة أخرى وقوفها السريع أصدر صوتًا يُعلن أن ما هو أسوء لم يتمّ بعد.
دون تفكير، سحبت وشاحًا كانت تضعه على كتفيها وألقته له..
"قمر "بتوتر وخوف من عدم معرفتها لهويته:
_اضغط على الجرح علشان ما تنزفش أكتر، وأنا عندي اسعافات هجيبها واحاول أجيلك.
رفع رأسه إليها،تردد..ثم التقط الوشاح وضغط به على جرحه،
وتحرك محاولًا الهروب أو الاختباء على الأقل،
لكن أنفاسه كانت متسارعة، خطواته غير ثابتة،
وكأن جسده يخذله.
في هذه اللحظة، انفتحت أبواب إحدى السيارات ببطء، خرج منها شخص يرتدي معطفًا داكنًا،
وقف في مكانه لبرهة، ثم رفع يده إلى أذنه، وكأنه يتلقى أمرًا عبر سماعة صغيرة.. وعيناه تركزان على الشرفة التي يقف عندها المصاب.
"ليال" أدركت أن الأمور تزداد خطورة، أمسكت يد" قمر "بقوة وهمست لها..
"ليال"بفزع :
_إحنا لازم نختفي دلوقتي
بمجرد أن رأت" قمر "الرجل يخرج من السيارة، شعرت بقبضة من الخوف في صدرها..
الشخص الذي يقف هناك لم يكن مجرد عابر سبيل، بل بدا وكأنه يعرف جيدًا من يبحث عنه.
"قمر" بسرعة وهمست لـ "ليال":
_إحنا لازم نساعده
لم تنتظر ردًّا، ذهبت مسرعة إلى الباب الخارجي لمنزله، فوجدته مفتوحًا على مصرعيه وشاب يرتدي نفس ملابس الرجال بالأسفل ملقى أمامها يصارع أنفاسه الأخيرة..
وفي الداخل يقف ذاك الغريب الذي كان بالشرفة،
بمجرد أن وصلت إليه، نظرت في عينيه، كانت أنفاسه ثقيلة وكأنه يقاوم الألم بكل طاقته.
"قمر" بصوت منخفض لكنها حازمة:
_لازم نمشي دلوقتي..
نظر إليها للحظة، ثم حاول الوقوف مستندًا على كتفها.. كان ثقيلًا.. لكنها لم تهتم، ألقت يده حول رقبتها لتساعده على التوازن.
في تلك اللحظة، كانت" ليال" تراقب الرجل أسفل البناية، رأت هاتفه يضيء، ثم لمحت كيف ألقى نظرة سريعة للأعلى.. وكأنه بدأ يشك في وجود أحد يراقب المشهد.
ذهبت مُسرعة وفتحت الباب وهي تتحدث بذعر:
_بسرعة طالعين
كانت "قمر" تدعم المصاب، و"ليال" تراقب الممر، حتى وصلوا.
ما إن أغلقوا الباب خلفهم، حتى انهار الشاب جالسًا على الأرض، يضغط على جرحه.
كانت عيناه نصف مغمضتين، لكنه ما زال يقظًا.
"ليال" وهي تضع يديها على رأسها بصدمة:
_إحنا اتورطنا خلاص!
"قمر "بهدوء لكن بحزم:
_ نحاول نساعده.. بعدين نفكر هنعمل إيه!
تحركت بسرعة لإحضار أدوات الإسعاف، بينما ظل الشاب يراقبها بصمت..
جلست على الأرض بجانبه، أمسكت قطعة قماش وبدأت تضغط على الجرح برفق، بينما" ليال" تقف خلفها، توترها واضح في عينيها.
" ليال" بصوت منخفض وهي تعقد ذراعيها:
_هنعمل إيه دلوقتي.. افرضي عرفوا إن إحنا ساعدناه؟ مش هيسبونا في حالنا
"قمر "دون أن ترفع عينيها عنه:
_عارفة.. بس لو سبناه كان هيموت، وذنبه كان هيفضل في رقبتنا.
لم يرد الشاب، بالكاد كان يقاوم فقدان وعيه.
أنفاسه صارت غير منتظمة، وعيناه نصف مغمضتين.
فجأة، سقطت رأسه للخلف.. فاقدًا الوعي تمامًا.
" قمر" بفزع وهي تحرك رأسه برفق:
_فُوق....
"ليال "بذعر:
_ مات!
" قمر" بسرعة وهي تتحسس نبضه:
_لأ، الجرح مش عميق أوي بس لازم نوقف النزيف بسرعة!
تحركت بتركيز، أخرجت شاشًا معقمًا، بدأت في تضميد الجرح.. يدها ثابتة رغم دقات قلبها المتسارعة.
"ليال" بقلق وهي تنظر إليه:
_هنعمل إيه لما يصحى..و افرضي طلع منهم أصلًا وعمل فينا حاجة؟!
"قمر "بتنهيدة وهي تقف:
_ما أظنش عنده طاقة يقوم من مكانه.. هنسيبه هنا ونراقبه، لو فاق وقرر يتكلم يبقى خير.. لو مشي يبقى أحسن.
نظرتا إليه، كان ساكنًا تمامًا، لكن هناك شيء غريب في هذا السكون.. وكأن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الڤوت يا جميل♥
Asmaa Mohamed