"في حضرة التاريخ"
في زاوية من معبد قديم في الأقصر، كانت "نادية" واقفه تمارس عملها كمرشدة سياحية . نادية التي اعتادت نظرات المجتمع القاسية لكونها تختلف في هدوئها وثقافتها عن محيطها الصاخب، كانت تشعر دائماً أنها "مرئية" ولكن غير "مفهومة"، مهمشة في زحام العقول الضيقة التي لا تقبل الاختلاف.
في المقابل، كان "يوسف" يسير في نزهه ويلتقط بعض الصور، يحمل في عينيه حزناً نبيلاً لرجل اضطهده الواقع لرفضه السير مع القطيع. كان يوسف يعاني من تهميش زملائه في العمل الذين لم يروا في طموحه ونقائه سوى تهديد لمصالحهم، فاعتزل البشر ليصادق الكتب والتنزه وفناجين القهوة التي لا تخون.
التقطت عيناهما بعضهما البعض، لم يحتاجا لكلمات ليفهما أن كلاً منهما يحمل ندوباً متشابهة. اقترب منها يوسف بهدوء، وسأل بنبرة خفيضة:
"هل تسمحين لي بالوقوف معكم؟ أشعر أن هذا الركن هو الوحيد الذي لا يتسع لغربائنا في هذا التوقيت."
أومأت نادية برأسها، فتابع يوسف وهو يتأمل المعبد من حولهم وينصت لما تقوله من شرح:
"هل تشعرين أيضاً أن هذا الفنجان هو المكان الوحيد الذي لا يحاكمنا؟ القهوة تقبلنا كما نحن، بمرارتنا وانكساراتنا، دون أن تسألنا لماذا نحن مختلفون أو لماذا لا نشبه الآخرين."
ابتسمت نادية وهي تستنشق عبق البن الصافي بعمق القادم من فنجانه وقالت:
"يقولون إننا هوامش، ولا يدركون أن الهوامش هي التي تحفظ متن الكتاب من السقوط. القهوة تنسيني نظراتهم التي تشعرني بأنني غريبة بينهم، في حضرتها أشعر أنني أستعيد إنسانيتي المسلوبة، وأجد في مرارتها صدقاً يفتقده البشر."
أمسك يوسف فنجانه وتابعه بتأمل:
"لقد اضطهدونا لأننا لم نتقن فن النفاق، وتناسوا أن أجمل ما في القهوة هو تنوع نكهاتها وقوة تأثيرها رغم بساطتها. نحن رفيقان في غربة وسط البشر، وربما رفيقان في هذا الفنجان الذي يمحو قسوة العالم بلمسة دفء واحدة، ليعوضنا عن صقيع القلوب التي قابلناها."
استمر الحوار بينهما لساعات، تعرفوا فيها على بعضهم البعض بعد ان أنهت عملها وكشفا فيها عن جروح التهميش وكيف كانت القهوة هي الطبيب الذي يداوي أرواحهما كل ليلة. وفجأة، ومع تلاقي أيديهما حول أكواب ساخنة اخري في لحظة بوح صادقة، وبسبب هيبة المكان و حرارة الجو وحرارة اللقاء بين قلبين مسحوقين، تشكل قلبٌ بخاري مهيب يملأ المكان ضياءً.
لم يكن قلباً عادياً، بل كان يضم طيفين لنادية ويونس وهما يبتعدان عن زحام البشر نحو أفق مشرق، يحيط بهما البخار كدرع صلب يحميهما من سهام النقد والاضطهاد. كان القلب ينبض برائحة الهيل والبن الصافي، وكأنه يغسل روحهما من أوجاع الماضي.
همست نادية بذهول وهي تراقب:
"انظر يا يوسف.. يبدو أن القهوة قررت أن تبني لنا وطناً بعيداً عنهم، وطناً من بخار لا يطوله حقد ولا حسد ولا تهميش. هذا القلب ليس مجرد خيال، هو دليلنا الذي يرمم ما أفسده العالم فينا."
أجاب يوسف وهو يضغط على يدها برفق، وعيناه تعكسان وهج البخار:
"منذ الآن، لن نكون هوامش أبداً. نحن سنصبح أبطال الحكاية كلها، وسنكتب فصولها معاً في كل فنجان قهوة نشاركه. سنثبت للجميع أن الحب الذي يولد من رحم المعاناة والاضطهاد هو أقوى ما في الوجود، وأنه قادر على خلق المعجزات.
القهوة كانت العهد المقدس الذي ربط بين قلبين لم يجدوا مكاناً في الواقع، فخلقوا واقعهم الخاص فوق سحابة من بخار، مؤكدين أن "آخر أنفاس القهوة" هي دائماً "أول أنفاس الحياة" الحقيقية لمن امتلكوا شجاعة البوح.
النهاية....
Heba Nabil