"ما بين الملفات"
في الطابق العاشر من تلك الشركة الكبرى التي تطل نوافذها الزجاجية الواسعة على صخب شوارع القاهرة وزحامها الذي لا ينتهي، كان "أحمد" غارقاً حتى أذنيه بين أرقام الميزانية السنوية وتقارير الأداء الربع سنوية. ورغم دقة الحسابات التي تملأ شاشته، إلا أن تركيزه كان ينحرف بشكل لا إرادي نحو المكتب المقابل، حيث تجلس "نهى" بهدوئها المعهود، غارقة هي الأخرى في عالمها الخاص. لم تكن نهى بالنسبة لأحمد مجرد زميلة كفؤ في قسم المحاسبة تشاركه جداول البيانات، بل كانت "المعادلة" الوحيدة الصعبة التي عجز عن حلها أو فهم شفرتها طوال عامين من العمل المتواصل جنباً إلى جنب.
كانت نهى تمتاز بجدية عملية صارمة، تخفي خلفها رقة بالغة تظهر فقط في تفاصيلها الصغيرة؛ كطريقة ترتيبها لأقلامها، أو ذلك الهدوء الذي يغلف حركتها. وفي ظهيرة يوم مكدس بالمهام، حيث كانت الأجواء مشحونة بضغط المواعيد النهائية وصوت لوحات المفاتيح الذي يشبه زخات المطر، قرر أحمد أن يكسر هذا الجمود. توجه نحو ركن القهوة، وعاد بكوبين يفوح منهما عبق البن المحوج الذي يعشقه، وضعهما برفق على مكتبها قائلاً بنبرة هادئة تحمل بصيصاً من الرجاء:
"نهى.. أعتقد أن الأرقام اليوم قررت التمرد على المنطق. ما رأيك في 'هدنة قهوة' قصيرة؟ ونزهة خارج الشركة بعيداً عن كل هذا الصخب ربما نحتاج لاستعادة توازننا الإنساني وسط هذا الطوفان الرقمي الذي يحيط بنا."
رفعت نهى عينيها عن الشاشة، وبدت عليها علامات الدهشة التي سرعان ما تحولت إلى ابتسامة خفيفة أذابت برودة المواقف الرسمية. أزاحت نظارتها الطبية ولمست الكوب الدافئ قائلة:
"شكراً يا أحمد، لقد جاءت في وقتها تماماً. حسنا ليس لدي اي مانع في نزهه قصيرة أحياناً أشعر أننا هنا نتحول تدريجياً إلى تروس في آلة ضخمة، ننسى أن خلف كل رقم نكتبه هناك حياة، وخلف كل توقيع إنسان. القهوة هي الرابط الوحيد الذي يذكرنا بأننا ما زلنا نملك حواساً تشعر بالدفء والجمال هيا بنا."
خارج الشركة..
أستغل أحمد هذه اللحظة النادرة من البوح وهم يسيران جانبا إلي جنب، وتابع الحوار:
"لطالما تساءلت يا نهى، هل نحن محكَومون بالبقاء داخل إطار 'التوصيف الوظيفي' فقط؟ هل يعقل أن نقضي نصف حياتنا معاً ولا نعرف عن بعضنا سوى مدى دقة تقاريرنا؟ ألا تعتقدين أن هناك مساحات في الروح لا تظهر في اجتماعات مجلس الإدارة، بل تنتظر لحظة هدوء كتلك التي نعيشها الآن؟"
نظرت نهى إلى البخار الكثيف المتصاعد من كوبها، وكأنها تقرأ فيه إجابة مؤجلة، وقالت بصوت خفيض:
"المساحات موجودة يا أحمد، لكننا اعتدنا بناء الأسوار حولها. ربما الخوف من أن تفسد العاطفة دقة الحسابات هو ما يدفعنا للصمت. لكن الحقيقة التي نهرب منها هي أن أجمل الأشياء في الحياة هي تلك التي لا تخضع لقواعد الجمع والطرح، ولا يمكن جدولتها في ملف 'إكسيل'."
في تلك اللحظة، ومع تلاقي نظراتهما فوق الأكواب الساخنة، تداخلت خيوط البخار المتصاعدة من كوب أحمد مع تلك المتصاعدة من كوب نهى، وبفعل برودة الطقس بالخارج الذي واجهة حرارة القهوة، تكثف الدخان ليشكل مشهداً مهيباً. ظهر طيف وجه أحمد بملامحه المخلصة وهو ينظر بترقب ويبتسم، يقابله طيف وجه نهى بملامحها الرقيقة، وتوسطهما قلب ضخم من الأبخرة المتوهجة بدا وكأنه جسر يربط بين عالميهما المنفصلين.
ساد صمت تام، كسر أحمد الصمت وهو يشير إلى المشهد بذهول وإعجاب:
"انظري يا نهى.. يبدو أن حتى القهوة ترفض هذه الرسمية المصطنعة. هذا القلب البخاري يخبرنا بوضوح أن ما وراء الملفات والتقارير، هناك نبض كان ينتظر فقط شرارة ليبوح بما عجزنا نحن عن قوله. هل ما زلتِ تؤمنين بأن الحسابات هي كل شيء؟"
أطرقت نهى برأسها خجلاً، ثم رفعت عينيها لتقول بصوت يرتجف وداً:
"كنت أظنني الوحيدة التي تراقب هذه التفاصيل في صمت. هذا البخار ليس مجرد فيزياء وتكثف، إنه اعتراف صريح بأن العمل قد يجمع الأجساد في مكان واحد، والقهوة هي التي تملك السحر لتجمع القلوب وتعلن بداية قصة لم تكن في الحسبان."
وفي هذه اللحظة لم تكن مجرد استراحة عابرة، بل كانت "افتتاحية" لمشروع عمر جديد، مشروع لا يعترف بالأرقام الصماء، بل بلغة العيون ودفء المشاعر التي ولدت من رحم الزحام.
Heba Nabil