القصة السادسة

القصة السادسة

15 0

"ما وراء السطور"

في إحدى زوايا مكتبة الجامعة العريقة، حيث السكون يفرض هيبته وتختلط رائحة الورق العتيق بعبير القهوة الصباحية النافذ، كان "أيوب" يجلس مراقباً. لم تكن عيناه تلاحقان السطور في كتابه، بل كان يختلس النظر إلى زميلته "فاتن" وهي تنهمك بتركيز شديد في تدوين ملاحظاتها. بالنسبة لأيوب، لم تكن فاتن مجرد زميلة مقعد أو شريكة في مدرجات المحاضرات المزدحمة، بل كانت هي "القصيدة" المستحيلة التي يخشى أن يفسد جمالها بمحاولة كتابتها.

كانت فاتن، بطبيعتها الهادئة وشغفها المفرط بالأدب، تمتلك قدرة فطرية على قراءة ما يختبئ خلف الكلمات المحكية. وفي ذلك اليوم الشتوي، بينما كان الصقيع يلف مخارج الجامعة العتيقة ويزين زجاج النوافذ بطبقة رقيقة من الضباب، قادت الصدفة أو ربما قدر المحبين كلاهما إلى طاولة خشبية واحدة لمراجعة دروسهما. وضع أيوب كوبين من القهوة الساخنة أمامها، وظل يراقب تصاعد البخار لثوانٍ قبل أن يهمس بنبرة يملؤها التردد والرجاء:

"فاتن.. لطالما تساءلت، هل تعتقدين أن كل ما ندرسه من نظريات أدبية معقدة وفلسفات نقدية يمكن أن يفسر سر هذا الانجذاب الغريب؟ ذلك الشعور الذي يربطك بشخص لا تعرفين عنه سوى اسمه، وربما طريقة إمساكه للقلم؟"

رفعت فاتن عينيها عن صفحات كتابها، وتلاقت نظراتهما في لحظة صمت طويلة. نظرت إلى البخار المتراقص فوق كوبها بابتسامة رقيقة وقالت:

"الأدب يا أيوب لا يفسر المشاعر، بل يمنحها صوتاً. هو يعلمنا أن الأرواح تعرف بعضها وتتآلف قبل أن تنطق الألسن بكلمة واحدة. أحياناً يكون الصمت بين شخصين أبلغ من كل المعاجم اللغوية، والقهوة.. القهوة هي الحبر الذي يكتب به هذا الصمت قصائده الخاصة."

شعر أيوب بقلبه يخفق مع كل كلمة، فتابع حواره بشجاعة أكبر:

"ولكن، هل يكفي الصمت لبناء جسر بين عالمين؟ ألا تخشين أن تظل تلك القصائد حبيسة الأبخرة والظنون؟"

أجابت فاتن وهي تلمس حافة الكوب الدافئ:

"اليقين لا يحتاج لضجيج الكلمات. انظر إلى هذا البخار، إنه يرتفع لأنه وجد الحرية، وكذلك المشاعر الصادقة، تجد طريقها دائماً للظهور مهما حاولنا إخفاءُها."

بينما كان الحوار يزداد عمقاً وشفافية، بدأ البخار يتصاعد من الأكواب بقوة غير معهودة. وبفعل تلاقي تيارات هواء المكتبة الباردة مع حرارة أنفاسهما القريبة، حدث مشهد فني مذهل. تشكل من البخار طيفان متقابلان بوضوح؛ وجه أيوب بملامحه الواثقة ونظرته المتأملة، ووجه فاتن بابتسامتها الخجولة وعينيها الحالمتين. لم يكتفِ المشهد بذلك، بل أحاط بالطيفين قلب ضخم من الأبخرة المتوهجة.

توقف الكلام تماماً، وظل كلاهما يراقب ذلك "الاعتراف البخاري" بذهول، وكأن القهوة قررت أن تتولى مهمة البوح بالنيابة عنهما. كسر أيوب الصمت قائلاً بصوت خفيض:

"انظري يا فاتن.. يبدو أن القهوة سئمت من تلميحاتنا وقررت أن تشرح لكِ نظريتي بطريقتها الخاصة. هذا القلب ليس وهماً أو صنع خيالي، إنه ما يحدث حرفياً حين تلتقي الأرواح، حين تذوب المسافات وتتحول الأنفاس إلى حقيقة مرئية."

ابتسمت فاتن وعيناها تلمعان ببريق الشوق:

"كنتُ دائماً أبحث عن بطل لروايتي القادمة بين صفحات الكتب المنسية، أبحث عن ملامح لم يكتبها أحد. لم أدرك أن البطل كان يجلس أمامي طوال الوقت، وأن قصتنا قد بدأت بالفعل، مرسومةً بوضوح مذهل فوق هذا البخار، قبل حتى أن ننهي محاضراتنا."

وفي تلك اللحظة كانت أسوار الجامعة، رغم عظمتها وتاريخها، لم تكن في ذلك الصباح سوى شاهد صامت على بداية رحلة إنسانية أعمق؛ رحلة بدأت بمحاضرة أكاديمية عابرة، وانتهت بقلب يتشكل من عبق الذكريات والأمل الصادق، مؤكداً أن الحب هو أجمل وأصدق درس يمكن للإنسان أن يتعلمه، وهو الدرس الوحيد الذي لا يدرّس خلف حدود المناهج والكتب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أخر انفاس القهوة

المؤلف Heba Nabil
2026/05/03 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة