القصة الثالثة

القصة الثالثة

15 0

"جسور من بخار"

ما زال الاشتياق يا عمرو يسكن تلك المسافة الباردة الممتدة بين زحام "القاهرة" وصقيع "لندن"، مسافة شاسعة لا يقطعها سوى رنين صوتك عبر الهاتف الذي بات رفيقي الوحيد، ورائحة القهوة التي أعدها كل ليلة بدقة متناهية لأوهم نفسي، ولو لدقائق، أنك تجلس بجانبي، تشاركني صمتي وضحكاتي. في كل مرة أضع فيها الفنجان على الطاولة، أشعر بغصة الحنين تخنقني، فالمقاعد خالية، والكلمات تظل حبيسة الشاشات الزجاجية الباردة، لكن قلبي كان يهمس لي دوماً أن الأرواح حين تبلغ ذروة الاشتياق، تخلق معجزاتها الخاصة من أبسط الأشياء.. حتى من رذاذ ماء يغلي.

في تلك الليلة، كان الشوق قد بلغ مداه، وكان البرد في غرفتي يوازي وحشة غربتك خلف المحيطات. فتحنا اتصال الفيديو كعادتنا، ووضعتُ هاتفي أمام كوب القهوة الساخن بوضعية تجعلك ترى تصاعد الدخان، بينما فعلتَ أنت المثل هناك في شقتك البعيدة، وكأننا نحاول تقليص المسافة بمد جسر واهن من الدخان يربط بين عالمين.

نظرتَ إليّ عبر الشاشة، وكان التعب بادياً في عينيك، ثم قلتُ لي بصوت يملؤه الوجد والإنهاك:

"آية.. أتعبني هذا الضباب الذي يلف شوارع لندن، يذكرني دائماً ببعدنا. أتوق لمصر و لشمس القاهرة الدافئة التي تسكن ملامحنا، ولرؤية وجهكِ حقيقةً، بلمسته وبأبعاده الطبيعية، دون وسيط من بكسلات الشاشة التي تشوه تفاصيل ابتسامتك."

سكتَّ قليلاً، ثم تابعتَ وكأنك تخاطب الفراغ:

"هل تظنين أن هذه القهوة قادرة على تقريبنا؟ أحياناً أشعر أنني أمد يدي لألمس وجهك عبر الشاشة، فلا أجد سوى زجاج بارد يذكرني أنكِ على بعد آلاف الأميال."

لم أجب بكلمة، فقد كان صوتي مخنوقاً بالدموع، بل اكتفيت بالنظر إلى تصاعد الأبخرة الكثيفة من فنجاني. وفجأة، حدث ما يشبه السحر الواقعي تداخل ضوء شاشة هاتفي المتوهج مع بخار القهوة الدافئ المتصاعد بقوة، وبسبب زاوية الرؤية وتلاقي تيار الهواء البارد مع حرارة اللقاء الافتراضي، بدأ البخار يتشكل في الفضاء بيننا كأنه كائن حي.

تصاعد من جهتي بخار يتوهج بلون برتقالي دافئ، بدأ يرسم ملامح وجهي، جبيني، وانحناءة عينيَّ وأنا أنظر إليك بلهفة لا توصف. ومن جهتك عبر الشاشة، بدا بخار قهوتك الأبيض النقي وكأنه يتمرد على إطار الهاتف، يخرج منه ليرسم ملامحك الرجولية، أنفك، وشعرك الذي أحفظ تفاصيله عن ظهر قلب. وفي لحظة تجلٍّ نادرة، التقى الوجهان البخاريان وجهاً لوجه في منتصف المسافة، والتحمت السحب المتراقصة لتشكل قلباً ضخماً يحيط بطيفينا.

ساد صمت طويل وعميق، لم يقطعه إلا صوت أنفاسنا التي تسارعت وكأننا نركض نحو بعضنا. كنتَ تنظر إلى الشاشة بذهول، لا تصدق أن الضباب الذي ذممته قبل قليل قد تحول إلى مرآة لروحك، وأنا أنظر إلى الفراغ الذي امتلأ بطيفك فجأة. همستُ لي بنبرة ارتجفت لها أركاني:

"آية.. هل ترين هذا؟ هل يعقل أن يشكل شوقنا صورة حية في الهواء؟ البخار لم يعد مجرد دخان يتلاشى، إنه روحنا التي تمردت على قوانين الفيزياء والمسافات لتعانق بعضها البعض في هذا اللقاء المستحيل."

أمسكتُ بالكوب بيديَّ الاثنين، وكأنني أحتضن ذلك اللقاء البخاري، وأجبتك بدموع انهمرت أخيراً:

"لقد تجسد اشتياقنا يا عمرو.. الأرواح لا تعترف بالحدود، وهذا القلب البخاري هو بيتنا الذي بنيناه من الصبر والانتظار."

أدركتُ في تلك اللحظة أن اشتياقنا كان عظيماً لدرجة أنه رفض البقاء حبيس الصدور، فتجسد مادياً أمام أعيننا ليواسي غربتنا. لم تكن مجرد صورة عابرة في الهواء، بل كانت عهداً ووعداً قطعه القدر لنا فوق حافة فنجان قهوة؛ بأن الأرواح التي تآلفت وتعانقت في السماء قبل أن تلتقي على الأرض، لا يمكن لآلاف الأميال أو بحور الغربة أن تبقيها مشتتة.

منذ تلك الليلة، لم يعد الفنجان بالنسبة لي مجرد مشروب دافئ أبدأ به مسائي، بل أصبح موعداً يومياً مقدساً للقاء، وطريقاً بخارياً سحرياً يختصر كل دروب الغربة الوعرة، حتى يحين الوقت الذي تنطفي فيه شاشات الهواتف للأبد، ولا نحتاج فيه لبخار القهوة ليرسم وجوهنا.. لأننا سنكون أخيراً معاً، وجهاً لوجه، وقلباً لقلب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أخر انفاس القهوة

المؤلف Heba Nabil
2026/05/03 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة