القصة الثامنة

القصة الثامنة

17 0

"ميعاد مؤجل"

في إحدى زوايا حديقة عريقة بحي "الزمالك"، حيث الأشجار العالية تحكي قصصاً من زمن الفن الجميل وتفوح رائحة الماضي، كانت "سلمى" تجلس وحيدة. لم يكن جلوسها مجرد رغبة في احتساء القهوة الصباحية، بل كان "طقساً" مقدساً تمارسه منذ خمس سنوات في نفس التاريخ والساعة، وفاءً لوعدٍ قديم قطعه لها "آدم" قبل سفره المفاجئ لها.

كانت سلمى، بملامحها الهادئة، تمسك بفنجانها وتراقب المارة. وفجأة، لفح المكان نسمة هواء باردة، ومعها ظهر رجل يرتدي معطفاً طويلاً، لم تكن بحاجة لرؤية وجهه لتعرفه، فخطواته لها إيقاع خاص حفظته ذاكرتها جيداً. اقترب آدم وجلس في المقعد بجانبها دون استئذان، تماماً كما كان يفعل دائماً، ووضع كوباً من القهوة الساخنة بينهما.

ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ محمل بعتب السنين وتساؤلات المسافات التي قطعت الأوصال. كسر آدم الصمت بنبرة يملؤها الشجن:

"سلمى.. لطالما تساءلت في ليالي الغربة الباردة، هل تعتقدين أن القهوة في بلاد الصقيع لها نفس المذاق؟ كنتُ أحتسيها يومياً هناك، في أكواب ورقية باهتة، لكنني لم أشعر يوماً بدفئها. اكتشفتُ متأخراً أن الدفء ليس في نوع البن، بل في الوجوه التي نشاركها الفنجان، وفي الأرواح التي تمنح القهوة طعمها."

نظرت إليه سلمى بعينين يلمع فيهما بريق العتاب الممزوج بالاشتياق وقالت بصوت متهدج:

"القهوة لا تحب الغياب ولا تتقن لغة الهجر. إنها تبرد، وتفقد سحرها، وتصبح مجرد سائل مرّ حين نتركها وحيدة. خمس سنوات وأنا أعيد تسخين ذكرياتي في هذا المقهى، أنتظر أن تتحول الوعود السرابية إلى حقيقة نلمسها، والآن.. بعد كل هذا الوقت، ماذا جئت لتقول؟ هل تظن أن فنجاناً واحداً سيمحو غبار السنين؟"

تنهد آدم بعمق، وكأن زفرته تحمل أثقال رحلته كلها، وأجاب:

"جئتُ لأخبركِ أن الغربة لم تكن سوى 'هدنه' لكنها مرة، وطويلة، ومؤلمة كآخر رشفة في فنجان منسي. جئتُ لأعتذر للوقت الذي سرق ملامحنا، وللمكان الذي لم يلفظنا رغم غيابنا، ولأنني أدركت أخيراً أن لا وطن لي سوى هذه الطاولة التي تجمعنا."

تابعت سلمى بنظرة اخترقت صمته:

"الوطن ليس طاولة يا آدم، الوطن هو الأمان الذي كسرته حين غادرت دون أن تنظر خلفك. هل تعرف كم فنجاناً قُرئ ، بحثاً عن طيفك؟ هل تعرف كم مرة تشكل البخار في خيالي ليرسم ملامحك ثم تبدد مع أول نسمة هواء؟"

أمسك آدم حافة الطاولة بقوة وتابع:

"أعرف، ولأنني أعرف عدت. لم أعد لأحكي عن نجاحات زائفة أو أموال جنيتها، عدت لأستعيد إنسانيتي التي تركتها هنا، بين يديكِ.

في تلك اللحظة، ومع تلاقي نظراتهما فوق الأبخرة المتصاعدة بقوة من الأكواب، بدأت اللمسة السحرية في الظهور. تداخل البخار المتصاعد، وبسبب تلاقي حرارة اللقاء المتوهجة مع برودة العتاب القاسية، تشكل في الفضاء بينهما المشهد المهيب نفسه. ظهر طيف وجه آدم بملامحه التي نحتها الحنين وأتعبتها الغربة، يقابله وجه سلمى بملامحها الرقيقة التي أضناها الانتظار الطويل. وبشكل إعجازي، أحاط بالطيفين قلب ضخم من البخار، لكنه هذه المرة لم يكن شفافاً فحسب، بل كان ينبض بنور ذهبي خافت يملأ الزاوية بالدفء.

توقفت الكلمات تماماً، وظل كلاهما يراقب هذا "الاعتراف البخاري" بذهول طفولي. قال آدم بصوت مرتعش:

"انظري يا سلمى.. يبدو أن حتى البخار يرفض أن نبتعد مجدداً. هذا القلب الذي تشكل الآن هو فرصتنا التي منحتنا إياها الأقدار، هو النبض الذي لم يتوقف يوماً رغم آلاف الأميال التي فصلت بيننا. هل تقبلين أن نبدأ من جديد؟"

لمست سلمى حافة فنجانها، وشعرت بحرارته تسري في عروقها لتعيد النبض لقلبها المتعب، وقالت بابتسامة غلبت دمعة حائرة:

"لطالما قرأتُ في فناجيني القديمة أن غائباً سيعود، وأن هناك ميعاداً مؤجلاً ينتظرني. لم أكن أعلم أن العودة ستكون بهذه القوة والسرعة، وأن القهوة ستحتفل بنا بطريقتها الخاصة، وكأنها تعيد صياغة القدر."

كان هذا اللقاء لم يكن مجرد نهاية لقصة قديمة أكلها الصدأ، بل كان "مشهد البداية" يثبت أن الحب الصادق كالقهوة الأصلية، كلما مر عليه الوقت، زادته الأيام عتاقةً وسحراً.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أخر انفاس القهوة

المؤلف Heba Nabil
2026/05/03 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة