"رشفة من مقهى الأقدار"
في زقاقٍ ضيق بقلب القاهرة القديمة، حيث تفوح رائحة الماضي من الجدران المتآكلة، كان يقع مقهى "علاء". لم يكن مقهى عادياً بمقاعد خشبية وموسيقى هادئة فحسب، بل كان ملاذاً لمن ضلوا طريقهم في الحب. كان يُقال إن "علاء" لا يبيع القهوة، بل يبيع "الرؤى"؛ فكل من يشرب من يده، يرى في بخار فنجانه ما تخبئه له الأيام.
دخل "فادي" المقهى في ليلة شتوية عاصفة، يحمل في قلبه فراغاً لم تملأه سنوات العمل الطويلة كمهندس غارق في الحسابات والمنطق. كان رجلاً يؤمن بالأرقام فقط، ويرى أن قصص المقهى مجرد خرافات يتداولها الحالمون. طلب كوباً من القهوة بالحليب وجلس في ركنٍ منزوِ، منتظراً أن تهدأ الأمطار بالخارج.
وضع "علاء" الكوب أمام فادي بصمت وابتسامة غامضة. لم يكن كوباً عادياً، بل كان يفيض برائحة بنٍّ أصيل ممزوج بلمحة من الهيل. وبينما كان فادي يهم بالارتشاف، حدث ما جعله يتسمر في مكانه والدهشة تلجم لسانه.
بدأ البخار المتصاعد من الكوب الدافئ، يتشكل بطريقة إعجازية. لم يكن دخاناً عشوائياً، بل انقسم إلى لونين متناغمين: وهج برتقالي دافئ وضياء أبيض نقي كالفجر. وتدريجياً، رسم البخار ملامح وجهين يواجهان بعضهما البعض بدقة مذهلة.
رأى فادي نفسه في الجانب الأيمن، مرسوماً بخيوط من الدخان الأبيض، وفي الجهة المقابلة، كانت هناك امرأة بملامح رقيقة، شعرها ينساب كأمواج في مهب ريح خفية. كان البخار يرتفع من قلب الكوب ليشكل قلباً كبيراً يحيط بهما ويجمعهما في إطار واحد
سحر المشهد فادي، وظل يراقب "الفتاة" وهي تقترب من وجهه الافتراضي في الهواء، وكأن الكوب نافذة سحرية تخبره أن شطره الآخر موجود، وينتظر لحظة التلاقي.
استمر فادي في زيارة المقهى كل ليلة. لم يعد يذهب من أجل الدفء، بل من أجل تلك اللحظات التي يرى فيها طيفها. ومع كل كوب جديد، كانت الملامح تصبح أكثر قرباً.
وفي مساءٍ ممطر آخر، وبينما كان يحدق في فنجانه والقلب البخاري يتشكل أمامه، انفتح باب المقهى الخشبي. دخلت امرأة شابة تلملم معطفها المبتل من المطر، وتمسح قطرات الماء عن وجهها. رفعت رأسها، فالتقت عيناها بعيني فادي.
سقطت الملعقة من يده على الطبق برنين أيقظه من ذهوله. لم تكن الغريبة سوى هي؛ نفس العيون، نفس الملامح التي رسمها له البخار .
تقدمت المرأة نحو طاولته وكأن شيئاً خفياً يجذبها، ونظرت بذهول إلى الكوب الذي لا يزال البخار يتصاعد منه مشكلاً صورتهما معاً. همست بصوت يملؤه التعجب:
"لقد رأيت هذا الوجه في فنجاني منذ ليالٍ.. وشعرت بأن قلبي يقودني إلى هنا.
ابتسم "علاء" من بعيد وهو يمسح احدي الطاولات، وأدرك فادي في تلك اللحظة أن الأقدار قد تُكتب بقطرات القهوة، لكنها لا تكتمل إلا عندما تتقابل الأرواح وجهاً لوجه.
Heba Nabil