انطفأت الصرخة من حنجرة إيناس فجأة، لكن الصمت الذي أعقبها لم يكن هدوءًا… بل كان صمتًا يزحف كالأفعى فوق الأرض، يتسلل إلى قلوبنا، ويتركنا ننتظر لدغة قادمة.
أسرع عمي لحمل عمتي المغشى عليها، يساعده عمر، وسحباها نحو الغرفة المجاورة ليستعيد جسدها بعض هدوئه. بقيت أنا أحدق في إيناس، التي ما زالت تلتصق بالجدار، شفتيها تتمتمان بكلمات لا نفهمها، بينما عيناها غائبتان في عالمٍ آخر.
اقتربت منها، وضعت كفي على كتفها المرتجف، فارتعشت أكثر كأن لمستي نار. همست:
– "انتهى... لا شيء هنا يا إيناس..."
لكنها التفتت إليّ ببطء، بعينين يملؤهما السواد، وصوتها خرج غريبًا، أعمق من صوتها المعتاد:
– "لم تذهب... لم تذهب بعد..."
شعرت ببرودة تخترق صدري، قبل أن يقطع الصمت صوت جدتي. كانت جالسة، تسبّح بأنامل ترتجف، ثم رفعت رأسها وقالت:
– "دعوها. ما رأته الليلة... ما هو إلا بداية."
جلسنا حولها من جديد. جدّي بقي واقفًا، يضغط على عصاه بيد مرتجفة رغم محاولته إخفاء ذلك. كأن خوفه أكبر من خوفنا جميعًا.
تنهدت جدتي، ثم تابعت بنبرة أثقل من الرصاص:
– "لم أخبركم الحقيقة كاملة... أمك يا داليا لم تمت موتة عادية كما قيل لكم."
تسمرت عيوننا فيها، بينما إيناس أغمضت عينيها كأنها تسمع القصة من داخل رأسها لا من فم جدتنا.
بعد موة ابنتي الكبرى روجدا ، أطلقة شهقة من الصدمة ،ولم أكن وحدي من صدم ،أكملة جدتي بملامح يعتريها الحزن، نعم كانت لدي إبنة وأخذت ها الظلال، وحزن أبيك أيهم على فراق أخته ، وقطع وعدا بعدم الزواج ، كي لا يعيش الحزن مرتا أخرى مع طفلته أو حفيدته ، حتى وقع أبيك في حب أمك جيلان ،وأخلف وعد عدم زواجه وتزوج بها ، بوضع إحتمال عدم إنجاب فتاة ، وبعد مرور أقل من شهرين بدأت علامات الحمل عند جيلان ، أمك يا داليا، قالتها بنبرة إنهزام ،وبعد معرفة جنس الجنين ، ركزة عينها علي ،و إنهارة جيلان، ليس لسبب عدم رغبتها في إنثى ولكن، لخوفها عليك، زعم أيهم على حمايتك بمواجهة اللعنة ، بأعمال السحر ولإستدعاء ، لم ينجح في طردها ، أو تخاطر معها ، وبسبب ذالك طاردت اللعنة جيلان ، لتنتقما من أيهم و قتلتها في أضعف حالتها.
– "ماتت أثناء ولادتهك. صرخت، ثم خمد صوتها، والدم سال حتى غمر سريرها. لم يكن في مقدور أحد إنقاذها... فقد أخذتها الظلال وهي تضع طفلتها، أنتي يا داليا ."
سكتت، وتنهدت ببطء، ثم أكملت:
– "أما والدك... فقد كان رجلاً ضعيفًا أمام هذا كله. رأى الموت يخطف زوجته أمام عينيه، ورأى كيف تركت الظلال بصمتها في البيت. ومنذ تلك الليلة لم يعرف للراحة طريقًا. كلما غربت الشمس، كان يسمع صراخها من جديد. كلما أغلق عينيه، رآها تناديه من القبة. لم يحتمل... فهرب."
ارتجف صوتها فجأة، كأنها ترى المشهد من جديد:
– "لم يهرب خوفًا على نفسه فحسب... بل لأنه صار مطاردًا. الظلال لاحقته في نومه ويقظته، تذكره بما فشل فيه، تذكره بأنه عجز عن إنقاذها. ظن أنه لو ابتعد عن البيت، سيبعد اللعنة عنكم. لكنه ترككم للقدر... وترك الطفلة لتعيش بين أحضان عمتها، لا بين يدي أمها."
وبسبب ذالك رفض عمك فكرة الزواج، وطلقة عمتك ،بعد تقديم أيهم داليا ، أنتي يابنتي ، قالتها بنبرة إستسلام، لفوزية عمتك ، أخذتك في حضنها وبعد هروب أبيك ، وضعت عهد بحمايتك بشرط تقديميك للعنة بدل إبنتها، هذه لحقيقة كاملة ، لأعلم لماذا لم أصدم أو أحزن هل ما سمعته عن أمي وهروب أبي و... أنساني تفكير في نفسي.
ساد صمت ثقيل، أثقل من أي خوف سابق. حتى أنفاسنا خفتت.
انحنت جدتي، وأغمضت عينيها كمن ينهار أخيرًا تحت ثقل ما كتمه لسنوات.
وفجأة... عاد الصوت من الباب. خدش بطيء، طويل، كأن شيئًا ما يمرر أظافره على الخشب من الخارج. ارتجف عمر وهو يلتفت. أنا جمدت في مكاني. أما إيناس... فقد ابتسمت.
ابتسامة لم أرَ مثلها في حياتي.
lumara