البداية

البداية

99 0

تغيّر كل شيء ذلك اليوم، ما زلتُ أتذكره بكل تفاصيله.

كان مساء الجمعة، حين اجتمع كل أفراد العائلة في صالة المنزل: عمتي، عمي، جدتي، وجدي. كانوا يتحدثون عن محصول الأرض والخسائر التي لحقت به. كنتُ أنا وإيناس ننظف الأواني، بينما ذهب عمر ليحضر الماء من البئر.

بعد أن انتهينا أنا وإيناس من تنظيف الأواني، هممنا بالالتحاق ببقية العائلة لننصت إلى أحاديثهم. لكن إيناس ذهبت أولًا إلى المرحاض. فجأة، سمعنا صوتها يصرخ من الداخل وهي تنادي:

«ماما... ماما... ماما!»

كانت تلك الكلمة التي طالما تمنيتُ أن أنطقها أنا يومًا. هرعت عمتي إليها، ولم تذهب وحدها، بل تحرك الجميع، حتى أنا. دخلت عمتي المرحاض وبقيت فيه بعض الوقت، بينما عاد جدي وعمي إلى الصالة. كنت واقفة أمام الباب مع جدتي، لا أعلم لماذا لم أتحرك أو أبتعد.

خرجت عمتي أخيرًا، بوجه مسودٍّ، تغطيه ملامح الصدمة. أما إيناس فكان الخوف بادياً على ملامحها. ما إن رأتني عمتي حتى أمسكت بكتفي بعنف، وبدأت تصرخ وتتمتم بكلمات لم أفهمها من شدّة خوفي. كانت تلك أول مرة أراها على هذه الحال. أبعدها عمي عني بعد أن سمع صراخها الممتزج بنداء جدتي، بينما ركضتُ أنا إلى أبعد نقطة، أُخفي وجهي بكفي المرتجفتين.

حاول جدي وجدتي تهدئتها، فيما التفت عمي نحوي يسألني بحدة:

– "هل آذيتِ إيناس؟"

لم يهتم بخوفي، ولم يفكر في مشاعري. وبعد أن هدأت الأجواء قليلًا، عدتُ إلى الصالة وأنا أشعر وكأني مجرم يبحث عن براءته من جريمة يجهلها.

هناك أخبرتنا عمتي أن إيناس حصلت على دورتها الشهرية لأول مرة. لم أفهم سبب حزنها، ولا الخوف المرسوم على وجهها. حاولت أن أجد تفسيرًا في وجوه البقية، لكن الصدمة كانت قد جمّدت ملامحهم جميعًا. ساد صمت ثقيل، قطعه صوت عمر العائد من البئر وهو يسأل:

3

– "ما الذي يحدث؟"

قالت جدتي بهدوء مشوب بالرهبة:

– "يجب أن نخبرهم بالسر..."

رفعت عمتي نظرها إليها بعينين تملؤهما القسوة، وقالت بصوت مرتفع:

– "إيناس سوف تتحمل... حتى يحين بلوغ تاليا."

1

أجابت جدتي بنبرة مكسورة:

– "ألا ترأفين بابنة أخيكِ يا ابنتي؟ لقد أويناها لسبب، وماتت أمها لسبب، وهرب أخي لسبب... ولا شيء يتغير."

غادرت عمتي المكان وملامح الغضب والحقد تكسو وجهها، ثم اتجهت نحو غرفة نومي أنا وإيناس. تبادلت جدتي النظرات مع جدي وعمي، فأشارت لهما بالانصراف، فخرجا. أما نحن، أنا وعمر، فأمرتْنا بالبقاء، قبل أن تلحق هي بعمتي.

اقترب مني عمر وسألني عمّا حدث، فحكيت له التفاصيل منذ البداية. أصغى إليّ باهتمام، ثم سألني عن شعوري وحزني من تصرف أمه، واعتذر لي عن شيء لم يفعله. كان ذلك أكثر ما أحببته فيه... اعتذاره عن ذنب لم يرتكبه.

3

بعد وقت قصير، عادت جدتي ترافقها إيناس، وأجلستنا أمامها. قالت بصوت ثابت، يملؤه الغموض واليقين:

– "حان الوقت لأخبركم عن لعنة الموروث... أو ما يُسمّى بظلال العائلة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وريثة الغسق

المؤلف lumara
2025/09/11 مكتملة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة