أصوات لا تنتمي لي

أصوات لا تنتمي لي

25 0

ريلا كانت تظنّ أنّها عرفت الخوف…

إلى أن سمعت صوتها يناديها من داخلها.

كان الليل قد أسدل عباءته السوداء فوق الأرض، لكن ريلا لم تكن تراه كأيّ ليلٍ عادي…

كان هذا الليل مختلفًا.

هواؤه خانق، وصمته لا يُشبه الصمت… بل يُشبه تهديدًا.

وهي لا تزال عالقة بذلك الكابوس اللعين…

كانت تسير وحدها في أرضٍ ميّتة، لا معالم فيها، كأنّها خارجة من حلمٍ غامض…

لا شجر، لا حجر، لا طريق.

فقط شيء رمادي يتحرّك ببطء، لا يشبه البشر ولا الكائنات، أشبه ببقايا أرواح متحلّلة، تتنفّس من الفراغ وتتلصّص من بين الضباب…

كانت خطواتها تترك آثارًا في الأرض…

لكنها لم تكن آثار أقدامها وحدها.

شيءٌ ما كان يمشي معها، لكن ليس إلى جوارها.

كان خلفها.

دائمًا خلفها.

وحين التفتت، لم ترَ شيئًا سوى سوادٍ يتكثّف.

رغبت في الصراخ، لكن صوتها اختنق.

ثم بدأت تسمعه…

أنينًا.

من الأرض.

لم يكن أنينًا بشريًا، بل كأنّ الأرض نفسها تتألّم تحت وطأة شيءٍ لا يُرى…

بدأت ترتجف، وتحركت الأرض كأنّ شيئًا بداخلها يريد الخروج.

انشقّت فتحة صغيرة تحت قدميها، ينبعث منها بخار بارد… لكنه يحمل رائحة لحمٍ محترق.

تراجعت ريلا ببطء، وظهر فجأة كائنٌ يزحف من الفتحة…

كان بلا وجه.

جسده مكوّن من أذرع كثيرة، كل يدٍ تمسك يدًا أخرى، وكأنّ جسده عقدة بشرية محرّفة.

لكنه لم يهاجم.

بل همس…

همس باسمها:

«ريلا… تعالي…»

كان صوته كأنّه آلاف الأصوات تتكلّم في وقتٍ واحد.

أرادت الهرب، لكن قدميها التصقتا بالأرض.

لم تكن تستطيع الحركة.

عيناها فقط تتحرّكان، ويدها ترتجف بجانبها، كأنها ليست لها.

صرخت داخليًا، لكنها لم تسمع نفسها.

وما إن رفعت رأسها… حتى اختفى كل شيء.

الضباب.

الأرض.

الظل.

الكائن.

وجدت نفسها في غرفة.

غرفة صغيرة… جدرانها مكوّنة من مرايا…

لكن لا شيء يعكس صورتها.

كل مرآة تظهر فيها ريلا بنسخة مختلفة…

مبتسمة، تبكي، تنزف من عينيها، تضحك بشكل هستيري، وتتحدّث رغم أنّ فمها لا يتحرّك.

اقتربت من إحدى المرايا، وهمست نسختها قائلة:

«أنتِ لستِ هنا… أنتِ لستِ أنتِ…»

ثم خرجت من الجدار يد!

يد بشرية نحيلة وسوداء، أمسكت برقبتها بشدّة.

كانت تخنقها، وريلا تصارع التنفّس، والهواء يتحوّل إلى رماد داخل صدرها.

وفجأة، صرخة في الظلام…

صرخة ليست لها.

كانت صرخة ميسا.

أفلتت اليد، وسقطت ريلا على الأرض تتنفّس بصعوبة.

نظرت حولها، فوجدت الباب قد فُتح، لكن خلفه… لم يكن هناك ممر.

كان هناك درج خشبي يتّجه إلى الأسفل، مظلم تمامًا، كأنّ من ينزل إليه لا يعود.

وصوت ظلّ يهمس، لكنه بعيد… بعيد جدًا:

«لا تنزلي…»

لكن ريلا نزلت، بسبب الفضول الذي احتلّها فجأة.

ومع أوّل خطوة، انغلق الباب خلفها بقوّة، وكأنّ المكان ابتلعها.

وفي الأسفل… لم يكن هناك شيء سوى صوت أنفاس تُسمع من الجدران.

وكلّما مشت، كانت تلك الأنفاس تقترب…

وتتغيّر…

حتى أصبحت صدى لاسمها:

«ريلا… ريلا… ريلا…»

ثم توقّفت…

شخصٌ يشبهها تمامًا كان ينتظرها في نهاية الممر، ظهره لها.

وعندما التفت، لم يكن له وجه.

بل كان وجه ضِل…

بعينين دامعتين، وبهمسٍ مكسور قال:

«لم يكن من المفترض أن تأتي إلى هنا…

لن أستطيع حمايتك بعد الآن…»

واختفى في الظلام.

وتُركت ريلا وحدها، تدرك أنّ القادم…

ليس كابوسًا، بل بداية النهاية.

كانت قد وصلت إلى غابة…

خرجت ريلا من بين الأشجار، أنفاسها متقطّعة، يداها ترتجفان، والبرد تسلّل إلى عظامها.

لكن ما أرعبها لم يكن الجو… بل الصمت.

لم تكن الغابة صامتة فقط، بل كأنها خالية من الحياة.

لا طائر، لا صوت ريح، لا حفيف أوراق.

كأنّ العالم أُغلق عليها.

لكنها كانت تسمع نفسها…

أنفاسها، تتردّد بصدى غريب… وكأنها لا تخصّها.

همست بخوف:

«هذا غير طبيعي… هناك شيء خاطئ… أنا لا أتنفّس هكذا…»

رفعت رأسها، ورأت كوخًا خشبيًا صغيرًا يختبئ بين الأشجار، كأنه لم يكن هناك قبل لحظات.

شعور حادّ في صدرها قال: لا تذهبي.

لكن قدميها تحرّكتا بلا إذن.

وصلت إلى الباب، مدّت يدها لتفتحه…

لكن قبل أن تلمس المقبض، انفتح وحده، بصرير بطيء يجرح الأذن.

دخلت…

كانت الغرفة مظلمة، إلا من ضوء خافت يأتي من فانوس معلّق بالسقف، يتمايل وحده وكأنه يتنفّس أيضًا.

في الزاوية…

كان هناك كرسي.

وعليه… دمية.

لكن الدمية لم تكن تواجه الباب، بل كانت تنظر إلى الحائط.

اقتربت ريلا بخطى متردّدة…

كل نفس تأخذه كأنّها تختنق.

وعندما وصلت، التفتت الدمية وحدها ببطء شديد، رأسها يدور بطريقة غير بشرية، حتى واجهت ريلا.

كان وجهها يشبهها…

لكن بعينين زجاجيتين مشقوقتين، وابتسامة معلّقة بخيوط سوداء.

سمعت همسة خلفها:

«عدتِ باكرًا…»

استدارت بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.

فجأة، سقطت كل النوافذ من جدران الكوخ، وكأنّ شيئًا اقتلعها.

رياح باردة اندفعت إلى الداخل، ومعها أوراق تحمل كلمات مكتوبة بخطها:

«انسِي من أنتِ.»

«لا يوجد طريق للرجوع.»

«الكوابيس هي بيتك الآن.»

أغمضت عينيها وضربت صدرها بيديها، تحاول الاستيقاظ من الكابوس…

لكن حين فتحتهما…

لم تكن في الكوخ.

كانت في غرفة بيضاء تمامًا…

بيضاء بشكل مزعج.

في منتصف الغرفة، وقفت نسخة منها… تبتسم وتبكي.

همست ريلا:

«من…؟»

قالت النسخة:

«أنا الحقيقة. وأنتِ الوهم.»

انشقّ السقف فجأة، وسقطت منه سلاسل حديدية نزلت بسرعة، وأمسكت أطراف ريلا ورفعتها في الهواء.

بدأت تسمع أصوات بشر يصرخون…

أصوات أناسٍ ماتوا.

كانت تتذكّرهم… لكنها لا تعرف من هم.

اقتربت النسخة منها وقالت:

«هنا… لا أحد ينقذك.

لا ضِل… ولا أيّ أحد.

أنتِ وحدكِ، كما كنتِ دائمًا.»

وابتسمت.

ثم بدأت الغرفة تتكسّر حولها، كأنّ العالم ينهار.

كل شيء ينهار… إلا هي.

وبين الانهيار، سمعت صوتًا خافتًا جدًا…

همسة مألوفة:

«تمسّكي… أنا قادم.»

وانطفأ كل شيء…

بدأت ريلا تصرخ في وجه النسخة التي تقف أمامها:

«أنا لستُ نسخة!

أنتِ النسخة!

أنا البشرية!

أنا الوحيدة من بين كلّ الشخصيات التي تملك الفضول!

والبشر معروفون بفضولهم القاتل…

الفضول أكثر ما يزعج، ولا يوجد أحد بلا فضول، ومن يدّعي ذلك… أقسم أنّه يملكه!»

خفّفت النسخة شدّ يدها عن عنق ريلا.

«لا… هذا غير صحيح… أنا الحقيقة.»

وحين شعرت ريلا بضعفها، بدأت تضربها وهي تلهث:

«والبشر أيضًا… أكثر المخلوقات قرفًا وحقدًا في هذا العالم!»

كان الظلام كثيفًا، كأنّ الهواء نفسه صار أثقل.

ركضت ريلا، لا تعرف إن كانت تدوس أرضًا أم وهمًا، تتنفّس بصعوبة، صدرها يرتفع ويهبط بجنون، والعالم حولها كأنه يذوب.

أصوات عصافير مقلوبة، أبواب تُفتح بلا جدران، وهمسات تنادي اسمها من تحت الأرض…

كلّها كانت تتكرّر.

تعثّرت بشيء…

جثّة؟

لا…

كانت دمية بحجم إنسان، لكن وجهها وجهها!

وجه ريلا، بعين واحدة وفمٍ مخيط.

شهقت، صرخت، وركضت.

تحت قدميها، تشقّقت الأرض، وخرجت همسات:

«عدتِ… عدتِ متأخّرة…»

سمعت صوت خطوات خلفها.

التفتت…

لا أحد، لكن الظلال كانت تتحرّك على الجدران، كأنّ أحدهم يركض معها في العتمة… يلعب معها.

وصلت إلى بابٍ صدئ.

فتحته بقوّة.

كانت الغرفة بيضاء… خالية…

إلا من مرآة واحدة كبيرة.

تراجعت:

«لا… ليست مرآة أخرى…»

لكن لم يكن لديها خيار.

اقتربت…

نظرت…

الانعكاس لم يتحرّك معها.

كان يبتسم فقط.

ثم سمعته يقول بصوتها:

«ضِل… لن يأتي.

نسيتِ؟

أنتِ من تركته.»

صرخت:

«لا!!»

بدأت المرآة تتشقّق…

لكن بدل أن تنكسر، بدأت تنزف.

دم أسود يقطر منها، ثم ينساب ظلّ طويل ملتوي.

خرج شيء من داخل الزجاج.

ليس ضِل… ولا حتى شيئًا له شكل واضح.

مجرد فمٍ كبير مليء بأسنان من عظام بشرية، وعين واحدة تنظر إليها… وتضحك.

تراجعت ريلا، تحاول الصراخ، لكن صوتها اختفى.

حاولت الهرب…

لكن الباب اختفى.

أُغلقت الغرفة عليها، واقترب الكائن وهو يهمس:

«ضِل اختاركِ…

لكنّكِ أنتِ من خذلته…»

ثم سكت الصوت…

وظهر شيء جديد.

يد مألوفة أمسكت يدها من الخلف.

«أنا لم أخذلكِ أبدًا…»

كان صوت ضِل.

التفتت إليه، ودموعها تغرق عينيها.

كان واقفًا أمامها… حقيقيًا، ملموسًا.

قال بصوته الهادئ:

«لن أترككِ، حتى لو كان كلّ شيء هنا ضدّنا…»

وبلمسة واحدة منه…

انفجر الضوء.

صرخ الكائن واختفى، كأنّه لم يكن موجودًا.

استيقظت ريلا وسقطت على ركبتيها، تبكي…

لكن قلبها كان ينبض.

كانت تشعر به.

جلس ضِل بجانبها وهمس:

«نهاية؟

لا… هذا كان مجرد البداية.»

وقبل أن يقول شيئًا آخر، احتضنته…

بادلها العناق.

كانت ميسا تنظر إليهما وتبكي خوفًا، فقد رأت كلّ ما حدث.

نظرت ريلا إليها، أمسكت بذراعها وابتسمت:

«أنا الحقيقية.»

ابتسمت ميسا واحتضنتها بقوّة.

بعد ساعات، ذهبت ريلا إلى ضِل:

«ضِل… أريد أن أطلب منك طلبًا صغيرًا.»

«ما هو؟»

«أريد إحضار بعض الروايات من غرفتي في بيتي.»

«حسنًا.»

وقفت ريلا بسرعة، وبدأت تدور بسعادة في القصر لتخبر ميسا أن تستعدّ.

فتحت الخزانة، رأت فستانين متشابهين، أعطت أحدهما لميسا وارتدت الآخر، ليبدوا متشابهتين.

ركبوا جميعًا سيارة ضِل.

وبعد دقائق وصلوا.

دخلت ريلا بحماس… لكنها تذكّرت أمها، فحزنت.

ذهبت إلى غرفتها مع ميسا، واختارتا الروايات لقراءتها…

لكن ريلا لاحظت هاتفها، فأخذته خفية دون أن يشعر أحد.

بدأت ميسا تقفز من الفرح:

«ريلا! لقد قرأتُ رواية “اكتب حتى لا يأكلك الشيطان”، و“خوف”، و…»

ضحكت ريلا بخفّة:

«لديّ كلّ روايات الرعب التي تريدينها…»

بعد أن انتهوا، عادوا إلى القصر.

دخلت ريلا غرفة دون أن يلاحظها أحد، فتحت هاتفها وتفقّدت الصور.

آخر الصور كانت لرحلة مدرسية.

قلبت بينها، ورأت صورتها مع ميسا، وابتسمت…

كانتا أفضل صديقتين في المدرسة.

أكملت التصفّح…

ثم توقّفت.

كانت صورة لها مع ضِل.

ثم قلبت أكثر…

رأت صورة تجمعهم الأربعة:

ضِل، ميسا، آيدن، وهي.

ارتجفت.

تذكّرت أشياء.

ضِل إنسان.

وآيدن إنسان.

وكانوا جميعًا أصدقاء.

أغلقت الهاتف بسرعة وخرجت إلى الصالة، حيث كان ضِل وميسا وآيدن.

لكن قبل أن يلاحظوها…

سحبتها يد إلى داخل الجدار.

انتهى

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ضوء من حيث لا يفترض ان يكون

المؤلف larse★
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة