لم تكن تعلم إن الساعة تجاوزت الثالثة فجراً، إلا حين فتحت عينيها على ضوء لا يخص الغرفة.
كانت النافذة مغلقة، والستائر مُسدلة، لكن النور يتسرّب... من تحت الحائط
ليس من تحت الباب، بل من الحائط ذاته.
وُجد هناك صوت. خافت، لا يشبه صوتًا بشريًّا، لكنه ينطق اسمها... بهمسٍ لا يُخطئ.
"ريلا..."
نهضت من السرير دون أن تشعر، كأن أحدًا جرّها من روحها، لا من جسدها.
وعندما وضعت يدها على الحائط... تنفّس.
نعم، الجدار تنفّس. كأن تحته صدرٌ يُعلّق بالحياة، بانتظار لمسة.
"ريلا، لقد تأخرت هذه المره."
فتحت عينيها فجأة، لتجد نفسها ليست في غرفتها.
كانت في غرفة أخرى.
لا جدران لها، ولا نوافذ، فقط ضوءٌ رمادي يغمر المكان، وكرسي خشبي واحد…
يجلس عليه شابٌ مغطّى بالكامل بشراشف سوداء، لا يظهر منه سوى يدٌ بيضاء... ترتجف.
وعند قدميه، كانت مرآة. لا تعكس شيئًا.
فقط كلمة مكتوبة بالدم:
"الحب لا يعيش هنا."
لا تفهم ريلا شيء، لا تعلم اين هيه، كيف وصلت لهذا المكان... اقترب احد منها من الخلف... فجأه استيقظت في سريرها نضرت للجدار لم يكن هناك ضوء، تنفست بسرعه...
"فقت كابوس، مجرد كابوس لعين..."
تحاول استجماع انفاسها ولكن تتشتت بصوت امها...
"ريلا عزيزتي، هيا تعالي لتناول الفطور... وقت المدرسه قريب"
تذهب ريلا لوالدتها تنظر للطعام، لقد كان الطعام المفضل لها، تبتسم وتنسى الكابوس...
"امي انا ذاهبه"
تشعر ان هناك ضل يتبعها، تلتفت مراراً وتكراراً... لا يوجد احد؛ الأرض خاليه من الناس... تكمل طريقها وهيه لا تزال تشعر به، تريد الصراخ... لاكن لا تخرج منها...
واخيرا بعد كل ما مرة تصل للمدرسه
عندما تدخل ريلا المدرسة
الكل في الصف جالس في أماكنه، لكن هناك شيء غريب… لا تلاحظ ذلك فورًا، فقط شعور بعدم الراحة.
المعلمة تدخل، تبدأ الدرس بصوت ثابت... لكن فجأة تلاحظ ريلا إن لا أحد يتحدث. ولا أحد يتحرك.
تركز أكثر… وجوههم غير واضحة. كأن الضباب يغطي ملامحهم أو كأن ملامحهم... غير موجودة أصلًا.
"لحضه... من هؤلاء؟ من يجلس بجانبي بالعاده؟ لما لا اتذكر اسم اي احد؟"
تبدأ تفقد الذاكرة تدريجيًا:
لا تتذكر متى دخلت الصف
لا تتذكر وجه صديقتها
تتذكر فقط "الصوت اللي ناداها في الكابوس" وكلمة "لقد تأخرتِ".
تجد ورقة غريبة داخل دفترها، لم تكتبها:
في منتصف الدفتر، تجد سطرًا واحدًا بخط ليس لها:
" لا تنسي ان هذه ليست اول مره... "
تبدأ تتذكر لمحات مشوشة
يد ترتجف…
كرسي خشبي…
صوت يهمس باسمها…
المرآة…
تدخل الحمام لترش الماء على وجهها، وفجأة… تلاحظ اسمها محفورًا بدم قديم على جدار الحمام:
"ريلا كانت هنا، وماتت هنا..."
وهي تطالع العبارة، يُطفأ الضوء فجأة، وتسمع نفس الصوت من الحلم:
"هذه المره لن تستيقضي..."
تخرج بسرعه وهيه تحاول استرجاع انفاسها، عندما تعود للصف لا يكون هناك احد لكن اصواتهم ما زالت موجوده... تركض بسرعه تركض بكل ما فيها من طاقه...
في الملعب؛ ترى نفسها وترى صديقتها تمسك بيدها وتضحكان سويا...لا تفهم ماذا يحصل هل هي بحلم اخر؟؟ ماذا عليها ان تفعل، تهمس وهيه تحاول التقاط انفاسها... :
"هل هاذا؟ هل هاذا خلاصي!!"
فجأه تشعر بيد تسحبها الى داخل غرفه الأدوات يكون الضوء خافت... لا ترى الذي امامها فقت تشعر بيده على فمها ليسكتها تقول بستغراب:
"من انت؟ وهل... وهل تراني؟؟"
يقول بصوت خافت
"لا وقت الأن للأسإله... لا تقولي شيء،"
المكان مظلم... واليد على فمها لا تتحرك، لكن أنفاس الشخص قريبة، هادئة... ثابتة.
تتراجع قليلاً وهي تهمس من خلف أصابعه:
"أرجوك، فقط قل لي إنني لم اجن"
يده ترتخي قليلاً، ثم يقول بصوتٍ خافت، مشحون بالتوتر:
"أنتِ لم تجني، لكن ان ارتفع صوتك، سوف يعرف إنك هنا..."
تسأله بصوت منخفض، خائف:
"من هو؟ تقصد من؟"
يتردد للحظة، كأنه يخاف من ذكر الاسم:
"اللي نادى اسمك... هو ليس حلم. وهذه ليست أول مرة يدور عليك. انتي عدتي، ولكن المفروض ان لا تعودي."
تنكمش ريلا بجسدها، تشعر أن قلبها سيتوقف.
"أنا ماذا أكون؟ لماذا كل شي يتكرر؟"
الشخص يقترب أكثر، يهمس في أذنها بشيء غريب:
"إنتِ الشي الوحيد الذي يرفض يموت."
تتسع عيناها، تسحبه من يده وتهمس بانفعال:
"أنا أعرفك... صحيح؟ أنا رأيتك... كنت تجلس على الكرسي؟ اليد البيضاء... كانت يدك؟!"
ينظر لها لأول مرة، ويكشف عن جزء من وجهه… عينيه غريبتان، بلون رمادٍ قاتم، فيهما انكسار وكأنهما رأتا مئات الحيوات.
"لم يكن من المفترض ان ترين."
تتراجع خطوة… تصطدم بالمرآة المكسورة في زاوية الغرفة.
تظهر في انعكاسها فتاة تشبهها تمامًا… لكن تبكي دماً.
تلتفت بسرعة للخلف… لا أحد.
ترجع بنظرها إليه وتهمس:
"ماذا"
فيتراجع خطوة، وكأنه يخاف من الكلمة. يقول بنبرة منخفضة ومؤلمة
تنظر ريلا إليه، قلبها ينبض كأنه يريد الهروب من جسدها. ذلك الغريب... يشعرها بأنها تعرفه، رغم أنها لا تتذكر متى، ولا كيف.
همست بصوت يكاد لا يُسمع:
"ما اسمك؟"
يشيح بوجهه عنها، كأنه لا يريد الاعتراف… أو كأنه يخاف من سماع اسمه من شفتيها.
"اسمي ليس مهمًا الآن. المهم أنك ما زلتِ تتذكرين شيئًا… ولو القليل."
صمت ثقيل حلّ بينهما. ريلا تحدّق في وجهه النصف مظلل، في عينيه الرماديتين، وفي صوته المكسور كلما نطق كلمة
"أريد أن أعرف كل شيء... أريد أن أفهم."
اقترب منها، بهدوء، حتى صارت أنفاسه تلامس جبينها.
"إذا فهمتِ... لن تعودي كما كنتِ. أنا هنا لأحميك من الحقيقة، لا لأكشفها."
أمسك بيدها فجأة، كأن الزمن نفسه توقف، وصوته تغيّر:
"لكنك تأخرتِ. الباب فتح، واللعنة بدأت... وذكرياتك ستعود، سواء أردتِ أم لا."
فجأة، يُفتح باب غرفة الأدوات بصوت حاد، يشبه صراخ معدن يُجرّ على أرضٍ مبلّلة. يلتفتان في اللحظة نفسها. لكن لا أحد هناك… سوى ظِلٍّ أسود، يقف خلف العتبة، لا ملامح له… فقط أعين حمراء تتوهج كالجمر.
الشاب يسحب ريلا خلفه بسرعة، يقف أمامها كدرع.
"لا تنظري إليه! مهما حصل، لا تنظري لعينيه!!"
لكنها لا تستجيب فورًا، الفضول يتغلب على خوفها، ترفع عينيها ببطء، تلتقي بنظر الظل، وتشعر بشيء بارد يخترق عقلها... كأن ذكرى كاملة قد انفجرت فجأة في رأسها.
فتاة على الأرض… تصرخ باسمها… ودماء… ويد ممزقة… ووجه الشاب… يبكي فوقها.
ترجع للخلف وتصرخ، ينهار جسدها وتفقد التوازن، يلتقطها الشاب بسرعة قبل أن تسقط.
تتنفس بصعوبة، عيناها تتسعان، تقول وهي تحدق فيه:
"أنت... أنت من قتلتني"
يتجمد في مكانه. الشبح خلف الباب يقترب، الخطى تبدأ تُسمع، الأرض تهتز تحت أقدامه.
يهمس الشاب، عينيه ترتجفان، وصوته لا يشبه ما كان:
"وأنتِ... من طلبتِ مني ذلك."
في اللحظة التي يقترب فيها الشبح من الغرفة، تضيء الأرضية من تحت ريلا، وتبدأ بالاختفاء، كما لو أنها تُسحب من العالم.
الشاب يحاول الإمساك بها، لكن يداه تمرّ من خلالها.
قبل أن تختفي بالكامل، يسمع صوتها وهي تهمس بكلمات غير مسموعه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظلام… لا بداية له ولا نهاية.
ثم فجأة…
صوت أنفاس.
تفتح ريلا عينيها…
ليست في المدرسة… ليست في بيتها… ليست حتى في الغرفة الرمادية.
إنها على أرضٍ مكسورة، سوداء بالكامل، كأنها وُضعت فوق رماد بشر.
السماء سوداء… والنجوم تتحرك كأنها تراقبها.
في المنتصف، باب خشبي قديم يقف وحده، بلا جدران تحيطه.
وعلى الباب، مشنقة تتدلّى… فارغة.
تسمع الصوت من جديد… صوت الشاب.
"كان المفترض ان تموتي معي"
تلتفت بسرعة، تبحث عنه… لا تجده.
لكن هناك مرآة تظهر أمامها فجأة، وكأنها نبتت من الأرض.
تنظر فيها… وترى نفسها ترتدي فستانًا أبيض ممزق، عيناها دامعتان، وفي يدها وردة حمراء ذبلت.
ثم…
صوت بكاء طفل في الخلف.
تلتفت مجددًا… وتجد طفلة صغيرة، ترتجف، تختبئ خلف صخرة سوداء.
"أنتِ… تشبهينني."
تقترب ريلا، بحذر… الطفلة تنظر لها، وفي عينيها دموع كثيرة، تقول بصوت ضعيف:
"لماذا عدتي؟ كلهم سوف يموتون… بسببك."
تتجمد ريلا مكانها… تحاول الكلام، لكن حلقها يجف.
الطفلة تمسك بيدها، وتضع في كفّها ساعة صغيرة مكسورة.
"هذا كان الوقت الذي مات فيه قلبك أول مرة."
وقبل أن تفهم شيئًا… يسقط كل شيء من حولها.
أرض، سماء، صخرة، مرآة، الطفلة…
تبدأ ريلا بالسقوط في فراغ أسود.
وفي منتصف السقوط… تسمع همسًا:
"هذه المرة… أنتِ اللتي سوف تقتلينه."
---
✦
تفتح عينيها… مرة أخرى على سريرها.
الشمس ساطعة، الغرفة هادئة، كل شيء طبيعي.
لكنها لا تنهض.
تنظر إلى يدها… تجد الساعة الصغيرة المكسورة، لا تزال هناك.
وتهمس لنفسها:
"إذا هذا حلم… لماذا الاشياء لا تزال معي؟"
تخرج من سريرها. كل شيء يبدو طبيعيًا، لكنها تلاحظ شيئًا واحدًا مزعجًا جدًا…
في كل صورة معلّقة على الحائط، وجهها ممسوح.
تقترب من صورة لها مع أمها… أمها تبتسم، وهي تقف بجانبها، لكن بدون ملامح.
"من أنا؟"
ثم تسمع صوت طرق خفيف على النافذة…
تفتح الستارة ببطء، فلا تجد شيئًا.
لكن تحت النافذة، هناك وردة حمراء واحدة، وورقة مكتوب عليها:
"عندما تتذكرين لماذا أحببتيني…سوف تعلمين لماذا احببتك."
انتهى...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقييمكم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
larse★