الحياة سريعة عند اللحظات السعيدة...
قبل دقائق من السقوط.
سرعة السيارة تخطت المعقول، تجعل من الرياح تتصارع معها تحت ضوء القمر، وعلى الطريق الوعر بالقرب من البحر...
كانت لينا تقود، والابتسامة لا تفارق مبسمها، تستمع إلى صوت غناء ألكسندرا الشجي:
^أيامنا في الهوى محسوبة^
^وشقهو في الأحلام محرومة^
فتحت ألكسندرا النافذة وهي تستنشق الهواء البارد بقوة، ما جعل لينا تضغط على زر إزالة السقف...
– "هل تعلمين؟ لم أفهم يومًا مقصد كلماتها، وحتى الآن أغنيها ولا أدرك معناها، حقًا.
أحاول الفهم، هل تعلمين؟ ذلك اليوم أراجعه بكل حذافيره في كل ليلة أنامها وحدي من بعدها.
سؤالها لا زال يتشبث بعقلي، يضربه بقوة، يريد إجابة.
لماذا الحياة ليست عادلة؟ لماذا تأخذ منا أعز ما نملك؟
ماذا كان سيحدث لو بقيت معي؟ تنفست مثلي؟ ضحكت مثلي؟ غنت كالآن مثلي؟
لماذا ماتت هي وبقيت أنا؟
ماذا كان سيحدث لو متنا كلتينا معًا؟ ألم نولد معًا؟
ما هذا التفارق؟ لماذا؟"
لينا استمعت لها، ولم تحاول أبدًا مقاطعتها، رغم ثقل المشاعر المتسربة منها، والذكريات التي هاجمتها بسببها. هي لم تكن ضمنها، فلِمَ تشاهدها؟
– "سيارة غبية مسرعة أخذتها مني دون أن أشعر.
بلمح البصر، صدمتها ثم هربت، وكأنها صدمت قطة مشردة، لا إنسانًا!
تركتها هكذا مرمية على الرصيف البارد، ماذا كان سيخسر لو أنقذها؟ قولي، ماذا كان سيخسر؟!"
التفتت إلى لينا بعينين دامعتين، تنتظر الإجابة، إلى أن لينا صمتت ولم تجب.
بل لم تستطع الإجابة، لا زالت حبيسة ذكريات ألكسندرا، حبيسة ذلك اليوم، ذلك المشهد...
نظرات ألكسندرا المذعورة، الجسد الملقى، السيارة المسرعة، رقم السيارة، أعين السائق...
تغير المشهد أمامها، وكأن روحها تجسدت في جسد آخر غير ألكسندرا...
كانت تقود بسرعة، وهي تصرخ بأحدهم عبر الهاتف:
– "أرجوك، أنقذه، لا تدعه يفعلها... أنا آتًا، فقط اجعله ينتظر قليلًا، سأصل، فقط ينتظر، هو من تبقى لي، أنقذه أرجوك..."
لم تكن كلماتها، ولم تفهم ماذا يُقال ولماذا، كانت مقيدة في الجسد، دون أن تفعل شيئًا، فقط تشاهد بصمت...
سمعت صوتًا من الهاتف يقول:
– "أسرع إذًا."
أُغلق الخط، شعرت بيد الجسد ترتعش، وسقط الهاتف منها دون سيطرة.
كانت مشاعر مألوفة، توضح أن هذا الجسد سيفقد أحدهم عزيزًا إن لم يسرع الآن.
ولأنه أسرع، لم ينتبه إلى الطفلة التي كانت تقطع الطريق راكضة...
وهي توقفت، التفتت إلى شخص ما خلفها تحادثه، وبسبب هذا لم تنتبه هي الأخرى إلى السيارة المسرعة...
استيقظت لينا على لحظة تصادم، تتنفس بسرعة...
– "لينا، ما بكِ؟ أنتِ تتعرقين."
نظرت إلى ألكسندرا بتشوش، تحاول القيادة بهدوء، وهي تمسح عرقها.
– "لا شيء."
╔════ ❀ ༺❀༻ ❀ ════╗
في نَفْسِ الوَقت
╚════ ❀ ༺❀༻ ❀ ════╝
╔════ ❀ ༺❀༻ ❀ ════╗
وعلى نَفْسِ الطَّريق
╚════ ❀ ༺❀༻ ❀ ════╝
╔════ ❀ ༺❀༻ ❀ ════╗
وخَلْفَهُما مُبَاشَرةً
╚════ ❀ ༺❀༻ ❀ ════╝
كان كاسيان يقود خلفها، يواكب سرعتها.
يلاحظ كل شيء في محيطه.
ليسأله رونان الجالس بجانبه:
– "لماذا تريدها أن تسقط في البحر؟ هناك طرق أخرى لتذكر."
قلب عينيه وهو لا يزال يقود، وأجابه بأقل قدر من الكلمات:
– "الطرق الأخرى ستجعلها تفقد ذكرياتها الحالية."
لم تعجبه الإجابة، فتمتم ساخرًا:
– "ربما تريد نسيانها. أنت تعلم... الذكريات السعيدة تجلب البؤس الشديد."
لم يرد عليه كاسيان، بل نظر في المرآة نحو الشخص الجالس خلفه، يستمع إلى الموسيقى الصاخبة...
وكأنه يعزل نفسه عنهما بذلك الصخب الذي يغرق به عقله حاليًا.
التفت رونان إلى الخلف، ينظر إلى أسو أيضًا، كيف أنه مغمض العينين، ويبدو وكأنه نائم... بل وكأنه في مكان آخر تمامًا.
ولأنه رونان، مفسد الحفلات الشهير...
انتقل بسرعة إلى الخلف، وجلس بجانب أسو، يبتسم له بمكر، جعله يفتح إحدى عينيه بريبة، وأثار ابتسامة على وجه كاسيان من شقاوته التي ستبدأ الآن.
تنهد أسو، وأزال سماعته من أذنه، وضعها في يد رونان وهو يقول بهدوء:
– "هي لك، فقط اتركني وشأني لوحدي."
– "أووو، شكرًا يا صاح، ولكن لم يكن هذا ما أريده..."
تنهد أسو بعمق، ونظر إلى المرآة العاكسة، يخاطب كاسيان من خلالها:
– "أرجوك، قل لي أنه لم يتبق الكثير."
تجاهل كاسيان سؤاله، وبدأ يسرع أكثر كي يسبقها، ليسمع صوت رونان ينبس بسخرية:
– "لا تتحمس كثيرًا، هي فرصة واحدة، إن فقدتها... سينتهي كل شيء."
صرخت السيارة من مكانٍ ما، وكأن الأمر لم يعجبها:
– "هو يدرك ذلك، لا تذكره."
ضحك أسو عليهما وقال:
– "انظر، حتى السيارة استفزّتها... متى ستنضج؟"
نظر إليه رونان باشمئزاز، وكأنه سيتقيأ من صوته...
– "رونان، استعد."
قالها كاسيان، مما جعل الآخر يتذمر بصوتٍ عالٍ:
– "لمَ عليَّ القيام بالأعمال الشاقة دائمًا؟"
– "اخرس، وهيّا أسرع."
رفع طرف شفته بسخرية، وخرج من السيارة بعد أن توقف كاسيان، مغلقًا الباب خلفه بقوة...
فنطقت السيارة بصوتٍ صاخب:
– "كدت أن تكسرني!"
فرد عليها رونان بنفس الكلمة التي يقولها كاسيان دائمًا:
– "اخرسي، موديا، فليس وقتك الآن."
داخل السيارة:
– "أسو، عليك إنهاء الأمر الليلة."
تنهد أسو، ورفع يده إلى شعره، يدفع غرته عن عينيه، وأجاب كاسيان:
– "أعلم... ولكن، هل ستتذكرني يومًا ما؟"
نظر كاسيان إليه في المرآة، ليجده ينظر إليه منتظرًا الإجابة.
تنفّس بقوة، ثم قال:
– "انظر... أنت ستتلاعب بعقلها فقط، ستجعل نفسك ذكرى مشوشة.
إن كان لك مكان في قلبها... فستحارب لتتذكرك.
دعها تتذكرك وحدها، وستتذكرك."
ارتفعت شفتا أسو بسخرية، وقال بصوتٍ هادئ، عكس ما يحدث خارجه:
– "لكنك تريدها أن تتذكّر... أن تتذكر عطشها للدماء، وأشياء أخرى سيئة..."
– "هناك فرق، اريد لرينا ان تذكر اصلها فقط، بينما انت ستشوش عقل حبيبتك وتنسيها من تكون انت لها، ولآن اخرج، قبل أن أطردك من سيارتي."
– "نعم نعم، أنا خارج.
ولكن اعلم... أن السيارة التي خرّبتها لي، تسقط الآن أمامك من على الجرف،
وأن الفتاة التي تقودها... هي ابنة عمك.
والأخرى... حبيبتي.
فإن حصل لها شيء، صدّقني، سأقتلك قبل أن يقتلك عمك."
اختفى صوت أسو، ليحلّ محله صوت إغلاق الباب.
أما عن كاسيان، فكان ينظر بملامح فارغة نحو الجرف...
فضة