تَكْذِيب

تَكْذِيب

18 0

حيث يتحدث القلب بحروف من دم، ويستمع الجسد لكلمات تلك الأحرف، حيث يرتفع صوت الظلام ويختنق صوت العدل، حوراص أرضٌ للذي لا أرض له، حوراص سُلِبَت من شعبها ونُسِبَت لشعبٍ آخر لا يفقهها... ولا يدرك حبّات رمالها.

لم تتوقع لونا أنها ستعبر بوابة كبيرة وضخمة كالتي عبرتها الآن. الأمر المفاجئ هو: الشخص الذي دفعها، كان ضخم البنية، عريض الكتفين، كثيف الشعر، ولحية سوداء تخفي وجهه بالكامل. قبل أن يدفعها، كان ينظر إلى لوحة السيارة، وكأنه أدرك من فيها، لذلك دفع البوابة دون أن يسأل أو ينتظر.

نظرت إلى محيطها المليء بالضباب، ليجتاحها السؤال عن سببه. التفتت إلى رونان، لتتفاجأ بكونه كان ينظر إليها وكأنها درسٌ عليه فهمه. تبسّم لها وهو يمد يده ليصافحها، ناطقًا بلكنة فوضوية بعض الشيء، اكتسبها من تعلمه عدة لغات في آنٍ واحد:

ـ "رونان لينجو من ولارين."

لم تلحق بمصافحته، لأنه سحب يده بعيدًا عنها مشيرًا إلى أسو:

ـ "هذا أسوأ كئيب في مجموعتنا، أنتِ تعرفينه."

لم تستطع الرد، لأنه كان يتحدث بسرعة بالكاد تستطيع فهمها. اقترب من أذنها وهمس بصوت بالكاد سمعته:

ـ "الشخص الجالس بقربه هو كاسيان، لا يغركِ مظهره البارد، إنه يجيد تصنّع ما لا يمتلكه... أظنكما متشابهان في ذلك."

لكن مشكلتها أنها كانت شاردة في شيء آخر؛ صورة كانت تومض بشدة مكان وجه رونان. لقطة من ذكرياته... ولم تعلم لمَ شعرت أنها أظلم ذكرى امتلكها. لقطة كان فيها شخص معلّق في سقف غرفته...

قطعت تلك الصورة حين جاءها صوت كاسيان:

ـ "سيطري عليها، لا أحد يفضّل رؤيتك لمآسيه."

ثم وجه حديثه إلى رونان، الذي لا زال يبتسم رغم معرفته بما رأته من ذكرياته:

ـ "وأنت، اطمس عقلك وإلا ألقيتُك من السيارة."

ـ "أنا لم أفعل شيئًا، هي من كانت تنبش بي!"

رد رونان، خاتمًا بضحكة مستمتعة، أما كاسيان فتجاهله.

أدركت لونا ما قصده كاسيان... قصد القوة التي تجعلها ترى الذكريات، وكأنه شيء تستطيع فعله. لم تدرك أنها كانت تنبش في ذكرياتهم، حتى قالها رونان.

ـ "لماذا الضباب يكسو المكان؟"

سألت بصوت هادئ نسبيًا وهي تنظر إلى رونان، تنتظر إجابته. لكن كاسيان هو من أجاب:

ـ "السكان الأصليون في حوراص يقولون إنه انتقام من أشباح أجدادهم، لأن الأرض سُرقت منهم."

شارك أسو لأول مرة منذ دخولها السيارة قائلاً:

ـ "هم يصدقون هذه الترهات، وكأنهم لم يشاركوا في سرقتها، وكأنهم أبرياء، ولم يبيعوها بثمن بخس... بدولارين."

نظر لهم رونان وكأنه لم يعجبه ما يقولونه، ثم صفق ليثير انتباههم وهو يشرح:

ـ "هذا يُسمّى جهلًا وغباءً وحمقًا زائدًا. لا أعلم كيف تفكرون، لكن أنتم تبلون جيدًا... تابعوا. أما هي فسأشرح لها كي لا تصبح غبية وتهمل عقلها مثلكم."

التفت إليه كاسيان وأسُو وكأنه شتمهما بطريقة لم يجدا لها ردًّا، فاكتفيا بأن شتمته أعينهما. أما رونان فتجاهلهما، موجهًا نظره إلى لونا:

ـ "هناك جمال طبيعي في حوراص، وهو البلورات الثلجية. بلورات تنتج بسبب بخار الماء المعلّق في الهواء، وبسبب برودة الجو يتجمّد ويصبح ضبابًا بلوريًا معلقًا في الفراغ. انظري... ستلاحظين أنه يبرق ويلمع مع الضوء."

ـ "احفظ المكان، أسو، لتُريها إياه."

قالتها بعد دقائق من مشاهدتها لرقائق الثلج. الأمر الوحيد الذي جعلها تتقبّله الآن هو رؤيتها له حين كان يمسك بيد ألكسندرا على الشاطئ. لم تكن تدرك هذا العمق في علاقتهما، حتى رأت أطرافه ترتعش وهو يلمس وجه ألكسندرا. كانت مشاعره مقيتة جدًا لها... لكنها رائعة ودافئة لأجل ألكسندرا، لأن ألكسندرا تستحق.

♡♡♡

~في زقاق ارنسيس~

الخامسة فجرًا من اول سبتمبر~

كانوا يتشاجرون حول رقعة الشطرنج وكأنها مسألة حياة أو موت. أحدهم بشعر يكسوه الشيب، ولحية طفيفة، ووجه يحمل تعابير الزمان على هيئة تجاعيد:

ـ "لورانس أيها الوغد! لقد غششت! هل تحسبني أعمى أم ماذا؟"

ضحك لورانس وهو ينظر إلى تعابيره المتجهمة والغاضبة قائلاً:

ـ "اخجل من شيبتك... أتغضب من مجرد تغيير قطعة من مكانها؟"

نهض تشارلز وهو يضم شعره الأبيض الكثيف، خوفًا من المعركة التي ستقام الآن. أما لورانس فكان يقف بهدوء شديد، مبتعدًا عن كرسيه محاولًا النجاة بحياته قبل أن يزهقها ذلك الأمير الأحمق.

حتى اقتحم المكان شاب بمقتبل العمر، يقترب منهم بسرعة، يمسك الرقعة ويغلقها وهو يصرخ:

ـ "قلت لكم ابتعدوا عن ممتلكاتي!"

تجاهله تشارلز، واستمر يشكو:

ـ "الوغد غشني! غيّر حصاني من مكانه ووضعه في مرمى ملكه! لن أغفر له!"

قال لورانس مدافعًا:

ـ "أنت الأخرق الذي لا يجيد الاعتناء بقطعه!"

أما روبن فتجاهلهم كأنهم حشرات طائرة، أخذ الرقعة، وضعها على طاولة أخرى، وبدأ يعيد ترتيب القطع كما تركها قبل لعبهم.

دخل يوجين المكان وهو يتثاءب من النعاس، ليأخذ أقرب مكان وينعم بنومة هانئة.

نظر تشارلز إلى الحاضرين واحدًا واحدًا، ثم تنهد واقترب من لورانس قائلاً بصوت عالٍ مزعج:

ـ "حفيدتك قد وصلت، انهض واستقبلها."

انكمشت ملامح لورانس وهو ينظر بتقزّز نحو تشارلز:

ـ "أنت من أمر بجلبها... وأنت من سيستقبلها."

حدق به تشارلز بتمعّن حتى استسلم لورانس ووقف ليستقبلهم، وهو يثرثر بينه وبين نفسه:

(لم أرَ مثله في حياتي... وغد متحذلق! كأنها حفيدتي أنا... كأني أنا جدها! أحمق متغابي! وغد حقير!)

ـ "سمعتك!"

صاح بها لورانس عاليًا، فأزعج روبن الذي رمقه بنظرات مشتعلة. أما يوجين فقد اكتفى بتغيير نومته إلى الجانب الآخر.

الخامسة وربع فجرًا من أول سبتمبر.

نفس وقع الخطوات، نفس المباني، نفس الزقاق... كانت به لونا من قبل، في ذكرى والدتها. نفس الوقفة التي وقفتها أمام الباب. لكن على العكس منها... هي لم تكن وحيدة.

لكن... هل سيخرج نفس الشخص؟

همس كاسيان في أذن لونا، وهو يمد يده يجذب قلنصوتها إلى الأمام ليخفي ملامحها أكثر:

ـ "اسمكِ رينا... وابقَي في المنتصف كي لا تظهر رائحتك."

شدّت كم معطفه حين حاول الابتعاد عنها لتسأله:

ـ "لماذا نحن هنا؟"

ابتسم وهو يزيل يدها من على معطفه ويضعها في جيبه، ممسكًا بها حين شعر ببرودتها:

ـ "هل تذكرين قصة الحورية؟"

هزّت رأسها وهي تخفي خجلها منه بسبب إمساكه ليدها داخل جيبه.

ـ "سأريكِ بطلها."

هل للنبضات سرعة أكثر من هذه؟

أم للخوف سيطرة عليها؟

لقد أدركت من ابتسامته أن المشهد يتكرّر... لكنه سبق أوانه. والدتها نبض قلبها مثلها الآن حين رأت ابتسامة آرثر... أما هي، فقد وقع قلبها في مصيدة كاسيان.

ولا تظن أنها ستكذب الأمر كما كذبته والدتها من قبل.

... يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

دماء على العروش

المؤلف فضة
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة