الإرادة لوحدها لن تنفع...
"لا تُريدين رؤيته..."
همس مبتسمًا بسخرية لا يُخفيها:
— جميل.
هذا نوع من العقوق لم يتعرّف عليه بعد.
صحيح أنه فعل الكثير لوالده، كإحباط مخططاته، لكنه لا يزال لم يتعدَّ مستوى "الملائم" ليصبح منهم...
رونان، الهارب من عائلته...
آسو، المتسبّب في موت والده...
وهي، الآن، التي لا تريد رؤية والدها...
مجموعة داعية لعقوق الوالدين...
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هو بينهم؟
وقف أمامها، يلاحظ يدها الساكنة على معدتها، ليدرك أنها لا تثق به.
والأمر هذا تحديدًا جعله يبتسم، ويحدّق في عينيها.
رائحة دمها لا زالت تفوح في الأرجاء، بل اختلطت برائحة البحر خلفه.
الرائحة تستفزّه ليقترب، ولكن عيناها تدعوانه للابتعاد...
كيف ذلك؟ هو لا يعلم!
هو لم يقرأ أعين امرئ من قبل، فكيف بأعينها؟
تنهد باستسلام، ليجلس بقربها على الشاطئ:
— هل تريدين سماع قصة مثيرة؟
جابه سؤاله صمتٌ مقيت.
— صمتٌ يدل على الموافقة.
التفت لها من فوق كتفه، يرفع حاجبيه مع رفع طرف شفته العلوية...
ليجدها تنظر إليه بعينين كاشفتين، وكأن مخلوقًا غريبًا جلس أمامها.
أعاد أنظاره إلى الأمام، ينظر إلى البحر.
— يُروى عن "حوارص" الكثير من الروايات المثيرة.
من تلك الروايات، هناك واحدة حقيقية، لكنهم وضعوها ضمن الأساطير، خوفًا من وقوع المحظور.
ولكن... المحظور حدث.
حين قررت حورية من البحر الهروب من مملكة والدها الظالمة – بنظرها – والمكوث في "حوارص".
لكنها لم تستطع ذلك.
لم تستطع العيش بعيدًا عن الماء...
لذلك قررت العيش على السطح، وألا تعود مرة أخرى إلى أعماق البحر.
تعرّفت على النوارس، وعلى الدلافين، وعلى الطيور.
لم تترك كائنًا لم تتعرّف عليه.
ومع هذا... لم ترضَ بهذا.
أرادت بشدة أن تتعرّف على أناس مثلها، يحبون الاستكشاف مثلها...
فكّرت بطريقة تساعدها على ذلك...
تساعدها على التغيير، وفعل الكثير من أحلامها...
فكّرت في الاقتراب أكثر من الشاطئ، واكتشاف عالم "حوارص"، حتى ولو لم تطأ أرضه...
فكرت في ذلك، وفعلت.
اقتربت من الشاطئ في ليلة تُشبه هذه الليلة؛ قمر مكتمل، هواء بارد، وبحر هائج.
وأثناء استكشافها للشاطئ بهدوء، رأت شخصًا يرتدي بدلة، يدخل البحر ويتعمّق فيه...
الفضول جعلها تلحق به، وبدون شعور منها اقتربت منه أكثر فأكثر...
حتى لاحظها هذا الشخص.
حين وقعت عيناه على عينيها... توقّفت.
لم تشعر بالخوف الذي يجعلها تهرب.
لم تُمسك معدتها مثلكِ.
(ابتسم وهو يقول جملته، يلتفت بكامل جسده لها ويتربّع أمامها، يلاحظ كيف ارتخت في حديثه، وأزالت يدها حين قال هذا...)
وأكمل:
— هل تعلمين ماذا فعلت؟
ابتسمت... لأنها أدركت أن الشخص الذي أمامها يحب البحر أكثر من سكّانه.
لأنه ببساطة، ما كان يقوم به لم يفعله أحد من قبل...
تنظيف قذارة غيره، شيء في قمّة النبل...
أنا نفسي لن أفعله.
الشخص حين رآها، لم يقترب... لأنه خاف من هروبها.
لكنها اقتربت.
لماذا ستهرب، والحُلم أمامها يتجلّى؟
أليس من الجُبن الهروب حين لحظة تحقيق الحلم؟
هي... ليست جبانة.
ومن بعد ذلك اليوم...
تحققت المعجزة.
وأصبحت الحورية شخصًا عاديًا من "حوارص".
(رمش لها وهو مبتسم)
— ما رأيكِ في القصة؟ أليست مثيرة؟
أرادت بشدة أن تقلب عينيها، لكنها لم تستطع.
القصة أعجبتها... لا، صوته الهادئ والبطيء أثناء سردها هو من أعجبها.
لم تستهويها يومًا الإذاعات والموسيقى، لأنها تكره الصخب والضوضاء...
لكن صوته...
(التفتت تنظر نحو ألكسندرا، لتجدها غير موجودة.
ولا آسو، ولا رونان...
وقفت، تبحث عنهم يمينًا ويسارًا، وهي تسأله):
— أين هي؟
(لم تجدها في أي مكان، ومع ارتفاع الغضب في أوردتها، اقتربت منه، ورغم فارق الطول بينهما، أمسكت بياقته، تجذبه لها وهي تسأله بأكثر نبرة هادئة تمتلكها):
— قلت: أين ألكسندرا؟
لم يُجب، بل نظر عميقًا داخل عينيها وهو يبتسم بسخرية...
شعرت بأوردتها تنفجر تحت جلدها غضبًا، لكنها هدأت بسرعة، حين أمسك قبضتيها وأنزلهما بهدوء، ولم يتركهما حتى قال:
— ستكون بخير... اهدئي.
(هي نفضت يدها عنه، تنظر إليه كيف يرتّب هندامه، وكأن جماله سيتأثر من بعض البعثرة...)
— الآن، ستعودين معي إلى "حوارص".
— لا أريد.
— تُريدين أو لا تُريدين، الأمر يخصّك.
لكن ما يخصّني، هو أنك ستعودين معي... الآن.
(نظرت له بخوف وهي تبتعد عنه.
لا تُريد... ليس لأنها لا تُريد رؤيته، بل تخاف أن تراه بهيئة لم تعتدها عليه.)
الصحيح أنه تذكّر صورًا مشوشة منه، لكنه بالتأكيد أفضل من ما ستراه الآن...
آرثر، الأب الذي يسود أحلامها أغلب الأوقات...
آرثر، المرادف الجميل لكلمة "أب"...
بل التجسيد الحقيقي لكلمة: هو آرثر.
حتى وإن كانت ذكرياتها مشوشة عنه...
الأفضل لها هو ألّا تراه مرة أخرى...
فالوقت الذي مضى يجعل أي شيء يتغير.
— قلت إنك ستذهبين، فلا تُفكّري كثيرًا.
انتَبها إلى صوت محرّك السيارة آتيًا، فالتفتا سويًا حيث توقّفت السيارة.
أعادا أنظارهما إلى بعضهما.
"هيا."
نظرتْ له من أعلى إلى أسفل وهي تبتسم بسخرية.
"وإن لم أفعل؟"
قلَب عينيه كما يفعل رونان لها طوال الوقت.
"ستذهبين قسرًا، فاختاري: إمّا تذهبين بحريتك، أو ستذهبين مقيّدة بالأصفاد. الخيار لكِ، يا ابنة العم."
الأمر مُقيت حين تجد نفسك محاصرًا بين خيارين أفضلُهما أسوأُهما لك، هذا عدا عن معرفتك أنّ لديك ابن عم وعائلة أخرى لا تذكر منها سوى ذكريات مشوّهة.
تجاهلته، ثم اقتربت من السيارة وفتحت بابها الخلفي، وجلست بالقرب من رونان، تاركةً لكسيان خلفها ينظر باستغراب من تصرّفها.
لم يتوقّع أنّها ستقتنع بهذه السرعة.
لحقها وجلس في المقعد المجاور للسائق، أمام رونان تحديدًا، بينما أسو يقود السيارة...
بعد مرور ساعتين...
يتبع...
فضة