عَزَاء

عَزَاء

14 0

فتح الباب مصدرَ صوتِ صريرٍ مزعجٍ يدل على دهرٍ من الإهمال. خرج منه تشارلز ينظر إليهم من فوق إلى أسفل كأنهم بضاعة رثّة تحتاج إلى الرمي.

تجاهل الجميع وحدّق بكاسيان وكأنه سبب عزائه، ولا أحد غيره.

قال ببرود:

ـ "لماذا احتجت كل هذا الوقت لجلبها؟"

تنهد كاسيان بملل وهو يقترب ليدفعها من الباب:

ـ "تنحَّ جانبًا، أنت تعيق طريقي."

لحقه أسو ورونان، تاركَين لونا ـ أو رينا ـ وحدها في مواجهة الضخم تشارلز. كانت متجهمة وعابسة، إذ إن شعور فقدان الدفء مقيت. يدها التي كانت قبل قليل مبتلعة في جيب كاسيان، أصبحت الآن ملقاة خارجًا في برودة الجو القاسية.

قال تشارلز بنبرة ساخرة:

ـ "إن رآكِ جدك سيقتلكِ... أنتِ تجسيد لكوابيسه."

انتشلها من بقعتها الباردة بهذا الحديث، فجعلها تنظر إليه بعدم استيعاب لما يقصده. فأوضح لها مشيرًا إلى وقفتها:

ـ "ملامحكِ تشبه والدتك سايا، لكن وقفتك ودماؤك هي لآرثر. أظن أني سأستمتع برؤية جدك وهو يكظم أظافره غيظًا... ما رأيك أن تصبحي شريكتي في ذلك؟"

أرادت إخباره بأنه معتوه ويحتاج إلى مصحّة تضم أمثاله، لكنها كتمت الأمر. ربما لو كانت ألكسندرا مكانها لأخبرته بذلك، ولما خجلت بحجة أنها صريحة ولا تجيد الكذب.

قالت ببرود:

ـ "أفسح لي... أريد العبور."

كان ينظر إليها وكأنها حلم من أحلامه يتحقق.

ـ "أنا أقسم أن آرثر هو من يقف أمامي، لا سايا ولا لورنز أنا متحمس... ادخلي، ادخلي!"

أفسح لها المجال وهو يبتسم بحماس وكأنه سيشاهد فيلمه المفضل الآن، وللأسف لن يمتلك الوقت لصنع الفشار.

كانت تعلم أين يتواجدون، فانطلقت دون أن تنتظر تشارلز ليرشدها، تحدّق في كل شيء في طريقها: الجدران الإسمنتية، الأبواب القديمة، النوافذ المغلقة، وحتى السقف. إلى أن وصلت إلى الباب المؤدي إلى القبو، فابتسمت لوجود تلك الرسوم على الحائط.

لمعت في ذهنها صورة نابٍ مرسوم على الحائط، ذكرى من سايا، وربما رغبة قديمة في لمس ذلك الناب الممنوع...

لكنها وجدته مخدوشًا بالكاد يظهر. وحين مدّت أصابعها لتلمسه جاءها صوت تشارلز الساخر:

ـ "فضولية كوالدتك. الأفضل ألا تلمسيه، فهو يحمل من الظلام ما يجعلك تحاربين لتري النور."

ـ "ماذا تقصد؟"

ـ "المسيه حين تتقنين قواك. حينها ستدركين لماذا منعتكِ... ولماذا منعتُ والدتك من قبل. هيا، فجدكِ ينتظرك."

ابتسم بحماس وهو يسبقها ليفتح باب القبو، يناديها وهو يكتم ضحكته من خيالاته:

ـ "هيا يا حفيدة روميو... روميو بذاته ينتظرك."

لكن ما إن قالها حتى جاءت ضربة من حيث لا يحتسب، جعلته يختنق بضحكته. أما الضارب فقد أنبَسَّ بصوت مكتوم، وكأنه محبوس في زجاجة من الغضب.

ـ "قلت لك إنه لا يشبهني! روميو غبي ووغد قتل نفسه لأنه لم يستطع الحياة بدونها! أنا ما زلت حيًّا أرزق، فلماذا تقتلني؟ ثم روميو لا أحفاد له أيها..."

دخلت رينا من الباب لتستمع إلى شتيمته وتنظر إلى ملامح وجهه المتقززة وهو يقول:

ـ "لماذا دمائي مختلطة بجسدها؟ أكاد أتقيأ من رائحتها... الوغد الأحمق! أشعر بأن رائحتي تتصارع مع رائحته في المكان... بل حتى دمائي تتصارع مع دمائها."

وحين نظر إلى وجوه الجميع رآهم يكتمون ضحكة شامتة، لأنهم جميعًا يدركون كرهه لآرثر، خاصة بعد هروبه مع ابنته الوحيدة سايا. هم لا زالوا يذكرون يوم هروبهم وكأنه كان بالأمس.

جاءته صفعة على ظهره من تشارلز، ردًّا على ضرباته السابقة، وهو يقول:

ـ "هون عليك. رينا هنا لتنقذ والدها... وستذهب. أم نسيت أن حفيدك عندهم محتجز؟"

رمقه بنظراته، ولو كانت النظرات تقتل لكان الآن طريح قبره.

ـ "اخرس أرجوك. أنت من شجّعها على الهرب مع آرثر، وأنت من سيتحمل نتائج ذلك. أنا لا دخل لي... ولا يهمني."

بعدها رمقها بتقزّزٍ مقصود، وغادر صافعًا الباب خلفه بقوة متعمدة.

أما رينا فشعرت بسببه وكأنها آفة مضرة بالصحة يجب تجنّبها.

قال تشارلز:

ـ "كاسيان اعتني بها، فهي الأقرب لك مني. فهي تكون ابنة عمك، أما أنا فحفيدة صديقي."

ثم التفت إليها وسألها:

ـ "أنت تعرفين الموجودين مسبقًا، أليس كذلك؟"

هزّت رأسها إيجابًا، بينما تحركت أنظارها لترتكز على كاسيان الواقف في مكان والدها سابقًا، ينظر إليها مبتسمًا.

ترى... هل يدرك ماذا بماذا تفكر؟ أم أنه فقط جاهل بما يفعله؟

♧♧♧♧

~ العاصمة دولارين ~

الواحدة ظهرًا، الأول من سبتمبر.

قصر شاهق، ومال وفير، وخدم منصاعون، وجيش غفير... لملكٍ ظالم، خائب وحزين.

عميقًا تحت القصر، كانت زنزانة موحشة ومظلمة للغاية. وإن كان البرد شريكًا في بنائها، فهي نعيم. لكن للأسف الزنزانة كانت تحترق بحرارة قاتلة لأي إنسيّ طبيعي.

أما لمصاص دماء بدماء نبيلة، فهي فقط مُثبِّطة لقواه، وليست قاتلة.

العرق كان ينساب منه بغزارة، حتى كفّيه ـ اللذين لم يعتد يومًا رؤيتهما يتعرقان ـ كانا اليوم يقطران عرقًا. حتى أنفاسه أصبحت صعبة. لكن الأمر لم يكن بسبب الحرارة... بل بسبب القلق.

شعوره بأن ابنته قد وطأت أرض حوراص جعله قلقًا لدرجة لا يمكن السيطرة عليها. يكفيه أنه لا يعرف مصير ابنه تيودور... أهو حيّ أم ميت؟

فُتح باب زنزانته بصوتٍ صفق الحديد بالحديد. دخل منه شخص كره صلته به، بل كره الدماء التي تجمعهما.

قال ساخرًا:

ـ "لا أعلم لمَ أغلقوا عليك الزنزانة... أنت بالفعل لن تهرب."

كانت السخرية في صوته قادرة على جعل الصخر يبكي من الإذلال، لكن آرثر كان يمتلك من الشموخ ما يجعله يضحك ويقتل السخرية في مهدها.

ـ "أنا لا أستطيع الهروب، صحيح... لكن اعلم أن ابني لو كان بخير لأنقذني. اسأل نفسك: هل سينقذك كاسيان إن أوقعتَ نفسك في مصيبة؟"

ـ "ربما سيفعل."

ابتسم آرثر بسخرية وهو يقول:

ـ "دعك من الترهات. الجميع يدرك أن كاسيان يفضّل أن يرميك في النار على أن ينقذك منها."

رمقه فلديمير بغضب، إذ شعر أنه حُشر في الزاوية. فقال بصوت ساخط تمتلئ بالضحكات:

ـ "أنت من في النار الآن... لنرَ من سينقذك."

ثم التفت ليصرخ بالحارس:

ـ "دعها مفتوحة... أشك في أنه سيهرب."

نظر الحارس بتردد بينهما، ثم انحنى برأسه قليلًا وأجاب:

ـ "أمرك مولاي."

خرج فلديمير من الزنزانة بابتسامة انتصار مؤقتة تملأ وجهه، وهو لا يدرك بعد أن نهايته قريبة... الصبر وحده من يجعلها حتمية.

ابتسم آرثر للحارس قائلاً:

ـ "لا عليك... إنه خائف فقط، لأن النهاية اقتربت."

همهم الحارس بحزن، إذ إن رؤية الأمير بهذا الحال توجع قلبه وتعتصره.

ـ "هل أستطيع مساعدتك بشيء، مولاي؟"

ـ "لا... شكرًا لك يا إبراهيم، على وجودك، وولاك، وحديثك، وابتسامتك."

أحيانًا، حين الوحدة، نشكر حتى الجدار على وجوده... فكيف بمن فقد حياته أمام عينيه، وهو الآن خائف من موتها؟

فقدان الحياة شيء... وموتها شيء آخر. والجميع يدرك الفرق بينهما. وهذا الحارس كان يدرك أفكار آرثر جيدًا، لذلك وقف معه، لأنه كان يستطيع قراءة أفكاره.

... يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

دماء على العروش

المؤلف فضة
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة