**قبل ألف عام**
"أيها الملك، أظننا في الأرض تائهون، وعن وجهتنا مبعدون"
نطق بها وزير الملك الواقف بجانبه وخلفهم قافلة كانت تجوب بقاع الأرض منذ مائة عام، أردف الوزير متابعا "أيها الملك، لقد سرنا في هذه الأرض مع شعبنا نبحث عن أرضنا المثالية، البعيدة عن البشر وما سواهم، لكن -وكما ذكر في السجلات- أرض سامرانيا محاطة بصحراء، وليس بغابة سوداء ميتة"
استمع الملك بصمت لكلام وزيره، ورأسه يحلل كلام وزيره.
سامرانيا، أرض السامرانين منذ وعوا، أرض الخير والجمال، حيث عاش السامرانيون بعيدا وفي عزلة عن جميع المخلوقات الأخرى.
لكن وبسبب كارثة بيئية أصابت الأرض، تفرق السامرانيون حول بقاع الأرض ليعودوا لها بعد ألف عام حيث تعيد الأرض -وحسب اعتقادهم- بناء نفسها.
كان الجيل الذي رحل عن الأرض قد انقرض (لم يكن العالم خارج الأرض مثاليا لمخلوقات حمراء البشرة وصلعاء) وحل محله جيل لم ير الأرض في حياته، ودليلهم الوحيد هي سجلات غير مكتملة تركها الملك الذي قبله.
"الأرض محاطة بصحراء عظيمة، تهبها الريح من جميع الجهات، حصن منيع مثالي لإثباط عزيمة المتطفلين والفضوليين، حين تعبرها ستجد الطريق الأسود، لا ترتع من ظلمته ففي نهايته تقع أرضنا الجميلة: سامرانيا"
لكن الملك فكر ناظرا خلفه، حيث الإجهاد واضح في تحركات الجميع، الخيول والأشخاص. دعا بالراحة والإستقرار ليلتها، ففتحت الخيام، وشبت النيران، وتجمعت كل عائلة حول نارها.
أرسل الملك مجموعة من عشرة أشخاص، أفضل كشافيه، رجال ذو بأس وسرعة، أخبرهم أن يجوبوا الأرض حولهم في ليلة واحدة، فقالوا "سمعا أيها الملك" وغادروا.
في صباح تلك الليلة عاد الكشافة، وكانوا يحملون تقريرا واحدا، معلومة واحدة: هناك حفرة في مسافة ليست بالبعيدة، حفرة كلمة قليلة عليها، كانت ضخمة وعميقة، والأهم: مظلمة.
استمع الملك لكلام كشافته ودعا لاجتماع مع وزراءه؛ ليشاورهم، كان السؤال المطروح هو: هل تلك الهاوية هي الطريق المظلم المذكور في السجلات؟
انقسم الوزراء إلى قسمين: الأولون قالوا بأنها هي؛ مستدلين بالطريق المظلم. أما الآخرون فقالوا ليست؛ مستدلين أن الطريق يعني طريق على الأرض وليس هاوية سحيقة، ثم ذكروا اللافتة المجهولة "هنا يرمي الخلق أحقادهم؛ لأنها لن تخرج أبدا"
لافتة لا أحد يعرف من كتبها سوى أنها وجدت مهترئة مما يدل أنها كانت هناك منذ أمد بعيد، فاستدلوا بذلك أنها مجرد حفرة وإلا لذكرتها اللافتة.
في الأخير اقتنع الملك بكلام الفريق الأول لثلاثة أسباب: أولها أنها طريق مظلم -كما ذكر في السجلات- والثاني لأنهم بالفعل في الإتجاه الصحيح الذي كانت الأساطير والحكايات تتناولها: الجنوب الشرقي، والأخير؛ لأن المملكة معروفة بإبعادها غير السامرانين، فربما وضعوا اللافتة لإبعاد المتطفلين.
فأرسل الملك فرقة استطلاعية أخرى تلك الليلة، من أفضل وأقوى فرسانه وكشافته؛ ليستطلعوا الهاوية، ليروا نهايتها، هل هي مجرد حفرة؟ أم طريق يفضي إلى سامرانيا؟
غاب الفرسان عشرة ليال بنهارها، كان الجميع قلقا، وكان الوقع على الملك أشد، فرسانه جزء من شعبه، ماذا لو أرسلهم لهلاكهم؟
ثم في اليوم الحادي عشر ظهر زاحفا ، شبح ذو لون باهت، وكأن الهول الذي رآه قد خطف اللون منه. أفزع الجميع قبل أن يتذكروا أنه واحد منهم، واحد من الفرسان الذين أرسلوا، خارجا يجر نفسه بيديه.
نظر إليهم بعينين زائغتين محدقا في الجمع الذي لم يتعرف عليه، رافعا رأسه في هزالة وتعب "مالذي حدث لك؟ أين البقية" سأله الملك الذي كان أول من تعرف عليه وأمسكه
وحينها نطق الناجي الوحيد
"الجحيم على الأرض"
ثم لم ينطق بعدها أبدا…
لم يجدوا بعدها تلك الارض، لكنهم عرفوا الهاوية، توقفوا عن البحث واستقرت القافلة في أرض أخرى أسموها: سامرانيا الجديدة.
(كما ذكر في سجلات التاريخ، عن الناجي الوحيد)
A.Th