صراع الأخوين

صراع الأخوين

98 0

"ما الذي نفعله هنا يا أزاد؟"

سأله مرتابا، قابضا يديه من البرودة الموحشة المحاطة به، بشك وعيناه تدوران حول المكان، سأل للمرة الثانية ودقات قلبه بدأت في الإرتفاع "ما الذي نفعله في الغابة السوداء يا أزاد؟"

التفت إليه أخيرا باسما، كان يبتسم، وحين يبتسم أزاد، هناك دائما شيء خاطئ سيحدث، مصيبة، كارثة، شيء ليس جيدا "أريد فقط أن أريك شيئا"

"هناك شيء واحد فقط يا أزاد هنا، وكلانا يعلم ذلك الشيء"

"فقط اصمت واتبعني" وتابع المسير، فتبعه حائرا.

عم صمت لبعض الوقت بينهما، ولم يكن يُسْمع سوى أصوات طيور الليل، وأصوات تكسير أقدامهم لأغصان الأشجار الهاربة، والأوراق الميتة، بعدها نطق أزاد بنبرة باردة وهو يتابع المسير "أتعلم، يسمي الأشخاص الهاوية حيث يتخلص الخلق من أحقادهم، لكنني لا أراها هكذا"

يعرف أن الإجابة لن تعجبه، لكنه سأل على كل حال مضيقا عينيه "وكيف تراها يا أزاد؟"

لم يجبه حتى وصلا إلى حافة الهاوية، حيث وضعت شرائط تحذير عدم الإقتراب في كل مكان، دقق النظر في المحيط حوله ووصلت دقات قلبه إلى أقصى درجاتها "أين الحارس؟"

"صامتة وهادئة، مكان مثالي لإلقاء قمامة لم يكن لها داع من البداية"

انفعلت نبرة صوته في الجملة الأخيرة، حينها سأله أخوه الذي وقف إلى جانبه حائرا رغم ارتيابه ورهبته "ماذا؟"

أدار رأسه نحوه وعيناه قد لمعتا. في تلك اللحظة أدرك إياد أن عليه أن يبتعد عنه، أن تلك الإبتسامة سابقا تعني نهايته هو، أنه سيلقي به هذه المرة، فلا أحد غيرهما هنا.

لكن الأوان قد فات، فقد أمسكه من ياقته، ناظرا إلى عينيه، وكل ما أراد رؤيته هو انعكاسه في عينيه وهو يبتسم " ها أنا ذا يا ظلي أرسلك إلى مثواك الأخير"

حاول مقاومته، لكن -ورغم أنهما توأمان- كان أقوى منه بدنيا، وارثا القوة البدنية لعشرة رجال من أبيهما، فالطريقة الوحيدة التي تستطيع العيش فيها في الجنوب كبشري هي أن تمتلك قدرة خارقة.

"ألقيك كما تلقى القمامة ولست حقدا، فأنت لم ترتق إلى قائمة أحقادي؛ لأنك لا شيء"

وألقى به إلى الهاوية، إلى حفرة مظلمة، ليندمج بها، مع الظلام الذي كانه طيلة حياته: كظل منسي، وهكذا وقف أمام الهاوية، ضاحكا وقد برز ثغره شامتا على أخ لم يعتبره يوما أخا.

.

.

.

"لم تظن يوما أنك ستلقاني مجددا أليس كذلك؟ أيها الأخ العزيز"

"كيف أنت على قيد الحياة؟"

تجاهل سؤاله بسؤال آخر "كيف هي أمنا؟ من يعتني بها إن كنت ألقيتني هنا؟ أعلم أنك أناني ولا تهتم لها، رغم.."

ابتسم الآخر بازدراء مكملا جملته بمقولة لن يقولها الآخر

"رغم أنها أحبتني، في حين لم تشفق عليك بتظاهر حتى. أليس هذا ما تحاول قوله؟"

فقاطعه بسرعة "لقد ضحت بالكثير لأجلك"

"إنها أمي، بالطبع يجب عليها فعل ذلك"

"لقد تجاهلتها وهي تحتاج إليك"

"أعطيتك لها، لكنك بدأت تتمرد: تقول أن لديك أصدقاء، وأنك تريد تكوين عائلة"

هز رأسه بلا تصديق من الكلمات التي خرجت من فم أخيه

"ماذا؟ هذا حقي كإنسان مستقل، ستكون لي حياتي، وبالطبع لن أترك أمي.."

صرخ مقاطعا صرخة هزت أرجاء المكان "كيف تجرؤ على قول ذلك في وجهي؟ أنا لم أسمح لك بذلك. فرِحٌ بتمردك عليّ؟"

"حياتي ليست شأنك"

"بلى إنها كذلك، لم تكن لتكون هنا لولاي؛ لذلك كل ما يحدث الآن لأمي أنت سببه"

شخر إياد بلا تصديق

"هل تسمع نفسك؟ أنا أخوك ولست عبدك"

"لطالما كنت كذلك، الجميع يعرف ذلك: تسليتي، خادمي، ظلي، أنا الآمر والناهي على حياتك"

خرس إياد، لم يستطع أن ينطق، كيف تستطيع أن تحاور شخصا يلومك رغم أنه المخطئ.؟ شخص ينسب الفضل بوجودك في الحياة لنفسه وكأنه الإله؟ شخص يقول أنه يمتلك حياتك؟ الجواب: لا فائدة، فقط اصمت، لا تجادل وابتعد عنه.

رفع سبابته في وجهه "قبل أن أرحل أخبرتك بوضوح أن تعتني بأمي وأن لا تفعل شيئا آخر وإلا ستندم، وانظر إلى ما فعلته، انظر إلى أين أوصلتنا"

"لقد وصلنا إلى هنا لأنك ألقيتني"

"لأنك طلبت ذلك"

التفت إياد إلى القاضي "أسمعت الكلمات التي خرجت من فم هذا الرجل أيها القاضي؟"

وضع القاضي كفه على خده في عجبٍ

"مثله لا يجب أن يمشي بين العقلاء"

.

.

"ياله من مصير أن يصارع الأخ أخيه" قالها الرجل معلقا على ما شهده وهو يحدق في أزاد.

"كيف عاش مع أخ كهذا؟ ألقى أخيه إلى الهاوية لأنه تجرأ على تكوين حياة؟ الحياة في الخارج جنون. وبالطبع لم أقابل أحدا بهذا الجنون والجرأة في حياتي"

"حين يطغى أخ على أخيه هكذا، فاعلم أن للوالدين نصيبا في ذلك، هما من شجعاه بالصمت والتجاهل، وإلا لم يكن ليتمادى لو أوقفوه عند حده، لقد كانا راضيين ومتفرجين"

صمت زهير وعاد ناظرا إلى الحلبة

"لكن لِمَ لَم تقتلوا إياد؟ لم أظن قبل اليوم أن المقذوفين ينجون"

"لأنه مثلنا، قذف ليُنسى"

"كيف عرفت القصة قبل اليوم؟"

"لأننا تحققنا"

"كما فعلتم مع الناجي الوحيد"

اتسعت حدقتا الرجل وحدق فيه بابتسامة جانبية، ولو كان هناك شعر حواجب لكان ارتفع، كمن هو مدهوش لأن أحدهم استنتج "وكيف؟"

"كان نطق الرجل سليما -كما ذكر في التاريخ، وتأكدت منه- لكنه لم ينطق أبدا بكلمة بعد جملته الشهيرة. لقد كنتم تراقبونه أليس كذلك؟"

"نعم" هز رأسه بخفة مؤكدا.

"لماذا؟"

"حتى لا ينطق ما لا يجب عليه نطقه"

"لقد عرف من أنتم، وحقيقة الهاوية. أليس كذلك؟"

لان بجذعه العلوي إلى الأمام هامسا بابتسامة "من الوهلة الأولى"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صراع الهاوية

المؤلف A.Th
2025/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (28)
الفصل 0: ملاحظة
2025/07/11
الفصل 8: "مالذي فعلتِه لتستحقي التواجد هنا؟"
2025/07/19
الفصل 7: حقد الملك
2025/07/18
الفصل 6: "ليبدأ الصراع"
2025/07/16
الفصل 5: "تسعة مداخل.... نهاية واحدة"
2025/07/15
الفصل 4: الظل
2025/07/15
الفصل 3: ظلال حمراء العينين
2025/07/13
الفصل 2: أربعة نصوص من أربعة قرون مختلفة
2025/07/12
الفصل 1: الناجي الوحيد
2025/07/11
الفصل 9: أرهسين الأخرى
2025/07/22
الفصل 10: قاضي الهاوية
2025/07/25
الفصل 11: 'الذين تُرِكُوا لِيُنْسَوا'
2025/07/29
الفصل 12: صراع الأخوين
2025/08/01
الفصل 13: المحقق هولت
2025/08/18
الفصل 14: "لقد صنعت وحشا"
2025/08/28
الفصل 15: حديقة العجائب
2025/09/06
الفصل 16: "...، قادم لأحكيه لك"
2025/09/14
الفصل 17: مبارك
2025/09/30
الفصل 18: "حكاية طويلة عجيبة"
2025/10/15
الفصل 19: حارس الهاوية
2025/10/23
الفصل 20: حيث اجتمعت قمامة العالم
2025/11/05
الفصل 21: ألفية عدوها قرن
2025/11/19
الفصل 22: "أحل لغزه؟"
2025/11/20
الفصل 23: حين تزوج رجل قوي بامرأة قوية
2025/11/22
الفصل 24: الشيطان والمحارب القديم
2025/11/22
الفصل 25: شيرانيميا
2025/11/25
الفصل 26: خاتمته
2025/12/24
الفصل 27: بطل الحرب الوحيد
2026/04/27

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة