"أخبريني ماذا أفعل، لا أستطيع النوم وأنا أعلم أن وحشا صنعته يمشي في الأرض"
وضعت أمامها مشروبا ساخنا، لكنها لم تقترب منه، كحال بقية الصحون والأكواب الممتلئة الباردة الموضوعة أمامها، لم يكن بوسعها وضع أي شيء في فمها. صديقتها تعلم أيضا أن هذه الكرة لن تكون مختلفة، لكنها -ومع ذلك- وعلى أمل أن تضع لقمة أو رشفة تضع شيئا أمامها بين الحين والآخر.
"تجاهليه، لا تستطيعين أن تعاقبيه، إنه الوحيد المتبقي لك"
"يجب علي ذلك، لأجل إياد، لأجل كل ضحاياه، إنه غلطتي"
.
.
.
بالنسبة لأزاد إنها أفضل الأيام، انتهى موضوع ذلك النكرة -كما يصفه- بالنسبة له، وعقبة "الآن ستعود المياه لمجاريها" قالها متكئا على كرسي مكتبه محتسيا أفضل مشروب له حين ينهي مهمة، المشروب الذي يسميه بالمكافأة.
لكن هذه المرة بالتأكيد كانت مختلفة، كان هولت شخصا كرهه بالفعل، لقد كان يجعل من نفسه شخصا يفهمه، يفهم ما يجري داخل عقله، لقد كان الأحمق مخطئا، لا أحد يستطيع يوما أن يفهم ما يجري داخل عقله، إنه معجزة كما قال معلموه، داهية ذو تفكير،ـ من هو ليقول عنه ذلك أقل من ذلك، من هو ليقول أنه يستطيع قراءة داهية.
ألقى نظرة حول محيطه، حتى مكتبه كان هادئا ساكنا لكن مضائا بوهج مبتهج، يعرف أن صاحبه الآن في قمة رضاه، سعيدا وفخورا، وفي تلك اللحظة شعر أزاد بأنه مبارك، بأن العالم كله ميسر له.
وأثناء لحظته الثمينة تذكر، تذكر أمه العجوز، لكنه سرعان ما نفض تلك الفكرة، إنه ابنها المثالي وليس ذلك الحثالة البائس، ليست مهمة، ستحزن لفترة -بما أنها الآن تعرف مصيره- ثم ستعود لتكون أمه التي يعرفها، تلك الأم التي أظهرت له أنه أهم شخص، أنه ليس أي شخص، بل وريث إرث العائلة، المولود الأول.
وقد كان على صواب، رغم أنها استغرقت شهرا إلا أنها اتصلت به، تدعوه إلى العشاء، كان صوتها قويا وثابتا، مليئا بالإعتزاز، صوت المرأة التي عرفها دائما، الصوت الذي رباه وكون شخصيته.
حين دخل إلى المنزل أول شيء التقطه كان تلك الرائحة الزكية: رائحة وجبته المفضلة.
"لم أظن أنك ستتركين فراشك أبدا"
كانت تلك أول جملة نطقها بعد أن رأى أمه قد عادت فعلا، حتى جسدها قد استرجع حيويته، بنشاط تضع صينية تحتوي على يخنة الدجاج التي يحبها.
تجاهلت سؤاله بينما ابتستم له
"بالطريقة التي تحبها، بزيت الزيتون"
حدق بها مطولا، أراد أن يسمع جوابها، من فمه، أنها تخطت
"لا فائدة على حزن من لم يكن يجب أن يولد"
ابتسامة واسعة شقت وجهه "هذه أمي التي أعرفها"
وجلس في حين أخرجت طبقا من أحد الأدراج وغرفت له، مادة نحوه "تفضل"
أخذ الطبق من يدها وبدأ بالأكل غير آبه بنظراتها له، كانت تبتسم وعيناها قد اكتسبتا لمعانا، بدأت بعدها تمسد على شعره برقة، ثم انتقلت عيناها إلى يديه وهي ترى شغفه في أكل اليخنة
"لم أعرف يوما ماهي أكلة إياد المفضلة"
وضع لقمة في فمه قبل أن يجيبها
"لم تهتمي يوما بالمعرفة"
"أعرف"
ثم نهضت من على جانبه متجهة أمام المغسلة "حين أراك أراه، ما تبقى منه أراه فيك، ومع ذلك يؤسفني أنني يجب أن أتركك ترحل لتعتذر إليه"
ضيق حاجبيه في ضيق
"ما الذي تهذين به أيتها .."
لم يستطع أن يكمل سؤاله، أحس بخدر، جسده غدا ثقيلا، ورؤيته بدأت تصبح ضبابية، حتى سقط مغشيا عليه على طاولة السيراميك الباردة.
أيقظه ماء بارد على وجهه، كان من رشه هي أمه، أخذ أنفاسا سريعة متقطعة، نظر حوله، لقد كان في أكثر يعرفه جيدا، ولقد استنتج من تواجده هنا، وكون رجلين ذو بأس ممسكين به بقوة أنها تنوي أن تقذف به، في الهاوية.
"لقد فقدت عقلكِ أيتها العجوز"
"أنت شر على العالم"
"لقد خنتني، لقد كنت الوحيدة.."
قاطعته "ألا تشعر أبدا بالندم على أي من ضحاياك؟ على أخيك؟"
ابتسم في مرارة حسرة "أتعلمين ما أول شيء يعلموه لنا في التدريب؟ ادفن أحبابك أولا، هم نقطة الضعف التي ستؤدي لهلاكك"
ابتسمت "أنت نادم لأنك لم تقتلني أولا"
بانت أسنانه العلوية خلف ابتسامته "إنها قاعدة عظيمة، ياليتني عملت بها"
تعابيرها ومشاعرها المترددة التي كانت تخفيها عبر التماسك قد اختفت، وحل محلها تعبير حازم "الآن لم تترك للندم مجالا"
ابتعدت خطوتين إلى الخلف "إذا رأيت إياد، هلا سألته عن وجبته المفضلة"؟
ثم أمرت الرجلين "ارموه"
A.Th