الفصل الخامس: ظلّ الماضي
مرّت أيام قليلة بعد تلك الليلة الغامضة.
كان ريلاف يواصل تدريبه كعادته مع شروق الشمس.
كل صباح كان يستيقظ قبل المعلم، يخرج إلى الساحة الصغيرة أمام الكوخ، ويحمل سيفه رغم التعب الذي كان يشعر به في جسده.
لم يعد التدريب مجرد رغبة في القوة...
بل أصبح وعدًا.
وعدًا قطعه لنفسه أن يجد والده يومًا، وأن يعرف الحقيقة التي أخفيت عنه طوال تلك السنوات.
في ذلك اليوم، وقف المعلم أمامه وهو يحمل سيفه.
قال بهدوء:
"اليوم لن نتدرب على السرعة ولا على القوة."
نظر ريلاف باستغراب.
"إذن ماذا سأتعلم؟"
اقترب المعلم ووضع سيفه على الأرض.
"ستتعلم كيف تعرف متى تستخدم سيفك... ومتى تتركه."
عقد ريلاف حاجبيه.
"لكن السيف هو ما يجعل المحارب قويًا."
ابتسم المعلم ابتسامة خفيفة.
"لا يا ريلاف... السيف مجرد أداة. القوة الحقيقية هنا."
وأشار إلى قلبه.
"المحارب الذي يقاتل بالغضب يخسر قبل أن تبدأ المعركة."
بقي ريلاف صامتًا.
كان يعلم أن كلمات المعلم تحمل معنى أعمق مما تبدو عليه.
وفجأة...
توقف المعلم عن الكلام.
رفع رأسه نحو الغابة.
شعر ريلاف بالتغير في ملامحه.
"ما الأمر؟"
لم يجب المعلم مباشرة.
أمسك سيفه ببطء وقال:
"ابقَ هنا."
نظر ريلاف نحوه.
"هل هناك خطر؟"
أجاب المعلم بصوت منخفض:
"لا أعرف... لكن هناك شيء ليس في مكانه."
دخل المعلم بين الأشجار واختفى عن نظر ريلاف.
مرت دقائق طويلة.
كان الصمت مخيفًا.
حتى إن أصوات الطيور اختفت.
شد ريلاف قبضته على سيفه.
كان يعلم أن عليه طاعة أوامر معلمه...
لكن قلبه كان يخبره أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث.
ثم سمع صوتًا.
صوت غصن ينكسر خلفه.
استدار بسرعة.
لم يكن المعلم.
كان رجلًا غريبًا يقف بين الأشجار.
يرتدي ملابس سفر قديمة، وعلى كتفه حقيبة صغيرة.
نظر إلى ريلاف للحظات.
ثم قال:
"إذن أنت ابن إلدريك..."
تجمد ريلاف في مكانه.
اتسعت عيناه.
"كيف تعرف اسم أبي؟"
لم يجب الرجل.
بل نظر إلى السيف الذي يحمله ريلاف.
ثم قال:
"كنت أعلم أن اليوم سيأتي..."
اقترب خطوة.
"أبوك ترك خلفه شيئًا... شيئًا سيغير كل ما تعرفه عن الماضي."
أمسك ريلاف سيفه بقوة.
"من أنت؟"
وقبل أن يجيب الرجل...
ظهر المعلم من خلف الأشجار.
كان وجهه مختلفًا هذه المرة.
لم يكن هادئًا كما اعتاد ريلاف أن يراه.
بل كان يحمل نظرة حذر وغضب.
قال المعلم:
"ابتعد عنه."
ابتسم الرجل الغريب.
"مرت سنوات طويلة يا كايدن..."
توقف ريلاف عند سماع الاسم.
كان أول مرة يسمع أحدًا ينادي معلمه باسمه.
نظر بين الاثنين بدهشة.
"أنتم تعرفون بعضكم؟"
ساد صمت ثقيل.
ثم قال الرجل:
"نعرف بعضنا أكثر مما تتخيل."
أخفض المعلم نظره قليلًا.
وكأن ذكرى قديمة عادت إليه.
ثم قال:
"ريلاف... ادخل إلى الكوخ."
لكن ريلاف لم يتحرك.
لأول مرة شعر أن معلمه يخفي عنه شيئًا كبيرًا.
شيئًا له علاقة بوالده.
قال بهدوء:
"لا... أريد أن أعرف الحقيقة."
نظر المعلم إليه.
وكان يعلم أن اليوم الذي حاول تأجيله قد وصل.
اليوم الذي سيعرف فيه ريلاف أن قصة والده لم تكن كما ظن طوال هذه السنوات...
نهاية الفصل الخامس.