الرجل الذي خرج من الظلام

الرجل الذي خرج من الظلام

6 0

الفصل الثاني: الرجل الذي خرج من الظلال

لم يكن الظلام وحده ما أحاط بريلاف...

كان الخوف أيضًا.

فتح عينيه ببطء، لكنه لم يرَ سوى سقف خشبي قديم تتدلى منه حبال جافة وأعشاب معلقة. كان رأسه يؤلمه بشدة، وجسده ثقيلًا كأنه لم يتحرك منذ أيام.

حاول النهوض، لكن الألم في كتفه أجبره على العودة إلى الفراش.

تجول بنظره في المكان.

كوخ صغير، بسيط، تتوسطه مدفأة حجرية ما زالت جمراتها مشتعلة. بجانبها قدر يغلي بهدوء، ورائحة الأعشاب تملأ المكان.

"أخيرًا استيقظت."

جاء الصوت هادئًا من خلفه.

التفت ريلاف بسرعة، فرأى رجلًا مسنًا يدخل الكوخ وهو يحمل حزمة من الحطب على كتفه.

كان طويل القامة، ذا شعر أبيض طويل مربوط إلى الخلف، ولحية خفيفة زادها الشيب وقارًا. لم تكن ملامحه قاسية، لكنها كانت تحمل شيئًا يجعل من يراه يشعر بالرهبة.

اقترب الرجل ووضع الحطب قرب المدفأة، ثم جلس على مقعد خشبي دون أن ينطق بكلمة.

أما ريلاف...

فلم يتمالك نفسه.

"أين أبي؟!"

ساد الصمت.

كررها بصوت أعلى، وقد بدأت دموعه تتجمع في عينيه.

"أين أبي؟! أريد العودة إليه!"

تنهد الرجل ببطء، ثم نظر إليه بعينين يملؤهما الأسف.

"لا أستطيع إعادتك الآن."

اتسعت عينا ريلاف.

"لماذا؟!"

"لأن الطريق لم يعد آمنًا."

لم يقتنع.

حاول النهوض مرة أخرى، لكنه سقط على ركبتيه قبل أن يصل إلى الباب.

أسرع الرجل وأمسك به قبل أن يرتطم بالأرض.

بدأ ريلاف يضرب صدر الرجل بقبضتيه الصغيرتين وهو يبكي.

"أريد أبي... أرجوك... أعدني إليه..."

لم يرد الرجل.

ترك الطفل يبكي حتى هدأ قليلًا.

ثم قال بصوت خافت:

"أقسم لك... عندما يحين الوقت، سأفعل كل ما أستطيع لتعود إليه."

لم يكن ذلك كافيًا.

لكن ريلاف كان متعبًا أكثر من أن يقاوم.

جلس بصمت، والدموع لا تزال تنزل على خديه.

في تلك الليلة...

لم ينم أحد منهما بسهولة.

كان أحدهما طفلًا فقد عالمه كله في ليلة واحدة...

والآخر رجلًا يعرف أن الطريق الذي ينتظرهما سيكون أقسى مما يتخيل أي إنسان.

ظل المطر يهطل طوال الليل.

كانت قطراته ترتطم بسقف الكوخ الخشبي بإيقاع هادئ، بينما بقي ريلاف مستيقظًا يحدق في ألسنة النار داخل المدفأة.

كلما أغلق عينيه، عاد إليه المشهد من جديد...

الورشة.

صرخة والده.

الرجال ذوو الملابس السوداء.

ثم الظلام.

شد الغطاء حول جسده، محاولًا طرد تلك الصور، لكن دون جدوى.

...

مع بزوغ الفجر، استيقظ على صوت فأس يشق الخشب.

خرج من الكوخ ببطء، فوجد الرجل العجوز يقطع الحطب وكأن عمره لم يتجاوز الثلاثين.

كان يحمل جذعًا ضخمًا، ثم يهوي عليه بالفأس فينقسم إلى نصفين بضربة واحدة.

وقف ريلاف يراقبه في صمت.

لاحظ الرجل وجوده، لكنه لم يلتفت إليه.

بل قال وهو يواصل عمله:

"استيقظت مبكرًا."

لم يجب ريلاف.

بعد لحظات، وضع الرجل الفأس جانبًا، ثم قدم له كوبًا خشبيًا مليئًا بحساء ساخن.

"كل."

أبعد ريلاف وجهه.

"لا أريد."

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.

"ستجوع."

"لا يهم."

جلس الرجل على جذع شجرة قريب.

"الغضب لا يملأ المعدة."

ظل ريلاف صامتًا.

مرت دقائق طويلة، ولم يتكلم أي منهما.

أخيرًا، غلب الجوع ريلاف، فأخذ الكوب بصمت وبدأ يشرب الحساء ببطء.

لم يقل الرجل شيئًا...

لكنه ابتسم في داخله.

...

بعد أن انتهى، نظر ريلاف إلى الغابة المحيطة بالكوخ.

كانت واسعة، هادئة، وكأنها عالم منفصل عن كل ما حدث.

سأل أخيرًا:

"أين نحن؟"

أجاب الرجل:

"في مكان لا يعرفه إلا القليل."

"هل سيجدنا أولئك الرجال؟"

هز الرجل رأسه.

"ليس بسهولة."

تنفس ريلاف قليلًا، ثم عاد إليه السؤال الذي لم يفارق عقله.

"من أنت؟"

نظر الرجل إليه طويلًا.

ثم قال:

"يمكنك أن تناديني... المعلم."

"وما اسمك الحقيقي؟"

ابتسم ابتسامة غامضة.

"ستعرفه عندما يحين الوقت."

عبس ريلاف.

"ولماذا لا تخبرني الآن؟"

وقف المعلم، وحمل الفأس مرة أخرى.

"لأن الأسماء ليست أهم ما يجب أن تعرفه."

ثم أشار إلى الغابة الممتدة أمامهما.

"أما الآن... فاذهب واجمع بعض الحطب."

نظر ريلاف إليه باستغراب.

"أنا؟"

"نعم."

"لكنني لا أعرف كيف."

أجابه المعلم بهدوء:

"إذن... اليوم هو أول يوم ستتعلم فيه."

لم يفهم ريلاف ما قصده.

لكنه حمل السلة الخشبية، واتجه نحو الغابة، دون أن يعلم أن هذا اليوم البسيط سيكون أول خطوة في رحلة ستغيّر حياته كلها.

واصل ريلاف السير بين الأشجار وهو يحمل السلة بكلتا يديه.

لم تكن الغابة مخيفة كما ظن في البداية، لكنها كانت صامتة على نحو غريب. لم يكن يسمع سوى حفيف الأوراق وصوت الطيور البعيدة.

نظر حوله بحيرة.

"أي نوع من الحطب يريد؟"

لم يكن قد جمع الحطب في حياته من قبل.

اقترب من غصن صغير على الأرض، ثم وضعه في السلة.

بعده غصن آخر.

وبعد دقائق، امتلأت السلة بأغصان رفيعة لا تكاد تصلح لإشعال نار صغيرة.

عاد إلى الكوخ وهو يشعر بالفخر.

وضع السلة أمام المعلم وقال بابتسامة خفيفة:

"انتهيت."

نظر المعلم داخل السلة، ثم رفع رأسه إليه.

"هل هذا كل ما وجدته؟"

هز ريلاف رأسه بحماس.

أخذ المعلم أحد الأغصان بين يديه، ثم كسره بسهولة بإصبعين.

"هذا يحترق في ثوانٍ."

ثم أخذ غصنًا آخر.

"وهذا رطب."

وأعاد آخر إلى السلة.

"وهذا مصاب بالعفن."

خفض ريلاف رأسه بخجل.

قال بصوت منخفض:

"لم أكن أعرف..."

وضع المعلم يده على كتفه وقال بهدوء:

"لهذا السبب طلبت منك أن تذهب."

رفع ريلاف رأسه مستغربًا.

"لم أرسلك لتحضر الحطب... بل لأعرف كيف تلاحظ."

صمت الطفل.

ثم تابع المعلم:

"من يريد أن يعيش طويلًا، عليه أن يتعلم رؤية التفاصيل التي يتجاهلها الآخرون."

أشار إلى الغابة.

"اذهب مرة أخرى."

تنهد ريلاف، وحمل السلة من جديد.

في هذه المرة، سار ببطء.

أخذ يلمس الأغصان بيده.

نظر إلى لونها.

حاول أن يتذكر كلام المعلم.

وبعد وقت طويل، عاد مرة أخرى.

تفقد المعلم الحطب بصمت.

ثم ابتسم لأول مرة ابتسامة واضحة.

"أفضل."

ابتسم ريلاف أيضًا دون أن يشعر.

كانت كلمة واحدة فقط...

لكنها جعلته يشعر أنه نجح في شيء لأول مرة منذ تلك الليلة.

...

في المساء، جلس الاثنان أمام المدفأة.

كانت النار تتراقص بهدوء، بينما كانت الغابة تغرق في الظلام.

قطع ريلاف الصمت وسأل:

"هل كنت دائمًا تعيش هنا وحدك؟"

بقي المعلم ينظر إلى النار للحظات، ثم قال:

"لا."

"وأين عائلتك؟"

ساد الصمت.

طال كثيرًا هذه المرة.

حتى ظن ريلاف أنه لن يجيب.

وأخيرًا قال بصوت هادئ:

"الحرب... أخذت مني أشخاصًا كثيرين."

لم يسأل ريلاف المزيد.

فهو أيضًا كان يعرف معنى أن تأخذ الحرب منك شخصًا تحبه.

لأول مرة...

شعر أن الرجل الجالس أمامه لا يخفي القوة فقط...

بل يخفي حزنًا عميقًا أيضًا.

مرّت الأيام ببطء.

كان كل صباح يبدأ بالطريقة نفسها.

يستيقظ ريلاف على صوت الفأس يشق جذوع الأشجار، فيخرج من الكوخ ليجد المعلم قد أنهى نصف أعماله قبل شروق الشمس.

في البداية، كان ريلاف يظن أن حياته أصبحت مجرد جمع للحطب، وجلب الماء من النهر، وتنظيف الكوخ.

وفي كل مرة كان يسأل:

"متى ستعلمني القتال؟"

كان المعلم يجيبه بالإجابة نفسها:

"ليس بعد."

بدأ ذلك الجواب يثير غضبه.

وفي أحد الأيام، بينما كان يحمل دلوي ماء من النهر، تعثر بحجر وسقط على الأرض، فانسكب الماء كله.

ضرب الأرض بقبضته وقال بانزعاج:

"أنا لم آتِ إلى هنا لأصبح حطابًا أو مزارعًا!"

وصل المعلم في تلك اللحظة، ونظر إلى الدلوين الفارغين.

لم يغضب.

ولم يصرخ.

بل قال بهدوء:

"إذن... لماذا تريد أن تتعلم القتال؟"

أجاب ريلاف بسرعة، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال منذ زمن:

"لأنني أريد إنقاذ أبي."

نظر إليه المعلم طويلًا.

ثم سأله:

"ولو أعطيتك سيفًا الآن... هل تستطيع هزيمة الرجال الذين خطفوه؟"

صمت ريلاف.

تذكر عددهم...

وسرعتهم...

ونظراتهم الباردة.

خفض رأسه.

"لا..."

اقترب المعلم منه، ثم وضع يده على كتفه.

"وهذا هو سبب عدم تدريبك حتى الآن."

رفع ريلاف عينيه نحوه.

قال المعلم بصوت ثابت:

"القوة ليست أن تحمل سيفًا."

ثم أشار إلى الدلوين على الأرض.

"القوة أن تنهض بعد كل سقوط... حتى لو لم يرك أحد."

بقي ريلاف صامتًا.

ثم انحنى، وحمل الدلوين من جديد.

عاد إلى النهر، وملأهما مرة أخرى.

وعندما رجع هذه المرة...

لم ينسكب منهما قطرة واحدة.

راقبه المعلم من بعيد.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لم يرها ريلاف.

وهمس لنفسه:

"الآن... بدأت الرحلة الحقيقية."

في تلك الليلة...

ولأول مرة منذ وصوله إلى الكوخ...

نام ريلاف وهو يشعر أن كل عمل صغير يقوم به يقربه خطوة واحدة من اليوم الذي سيجد فيه والده.

مع بزوغ فجر اليوم التالي، كان الضباب يغطي الغابة بأكملها.

خرج ريلاف من الكوخ وهو يفرك عينيه، لكنه توقف فجأة.

المعلم لم يكن في مكانه المعتاد.

لا فأس...

ولا حطب...

ولا أثر له.

"معلم؟"

لم يجبه أحد.

بدأ ريلاف ينظر حوله بقلق، ثم سمع صوتًا يأتي من خلفه.

"أخيرًا استيقظت."

التفت بسرعة، فرأى المعلم يقف فوق صخرة كبيرة، وذراعاه متشابكتان أمام صدره.

"اقترب."

ركض ريلاف نحوه.

نظر إليه المعلم لثوانٍ، ثم ألقى أمامه عصًا خشبية طويلة.

ارتسمت ابتسامة على وجه ريلاف.

"هل سنبدأ التدريب أخيرًا؟"

أجابه المعلم بهدوء:

"لا."

اختفت الابتسامة فورًا.

"إذن لماذا العصا؟"

أشار المعلم إلى مساحة صغيرة بين الأشجار.

"هاجمني."

حدق ريلاف فيه بدهشة.

"أهاجمك؟"

"نعم."

أمسك ريلاف العصا بكلتا يديه، وتردد قليلًا.

ثم اندفع وهو يصرخ، وضرب بكل قوته.

لكن...

لم تصب الضربة شيئًا.

اختفى المعلم من أمامه في اللحظة الأخيرة.

استدار ريلاف بسرعة، لكن قبل أن يفعل...

شعر بشيء يلمس كتفه برفق.

كانت عصا المعلم.

قال بهدوء:

"لو كانت معركة حقيقية... لكنت خسرت."

عض ريلاف شفتيه.

رفع العصا مرة أخرى، وهجم من الجهة الأخرى.

مرة ثانية...

لم يلمس المعلم.

وثالثة...

ورابعة...

وفي كل مرة، كان المعلم يتفادى الضربة بأقل حركة ممكنة، وكأنه يعرف مسبقًا ما سيفعله ريلاف.

بعد عدة دقائق، سقط ريلاف على ركبتيه وهو يلهث من شدة التعب.

أما المعلم...

فلم يتصبب منه عرق واحد.

اقترب منه، ثم غرس عصاه في الأرض وقال:

"أنت لا تنظر."

رفع ريلاف رأسه باستغراب.

"لكنني كنت أنظر إليك!"

هز المعلم رأسه.

"كنت تنظر إلى وجهي فقط."

ثم تابع:

"المحارب الحقيقي يرى القدمين... واليدين... والتنفس... وحتى الأرض التي يقف عليها خصمه."

ظل ريلاف صامتًا.

كانت هذه أول مرة يدرك أن القتال أعقد بكثير مما تخيل.

ابتسم المعلم ابتسامة خفيفة، ثم قال:

"استرح."

"وغدًا..."

توقف للحظة.

"...سيبدأ تدريبك الحقيقي."

حلّ الليل من جديد، وغرقت الغابة في سكونها المعتاد.

كان القمر مكتملًا، ينثر ضوءًا فضيًا بين الأشجار، بينما كانت الرياح تحرك الأغصان برفق.

استلقى ريلاف على فراشه داخل الكوخ، لكنه لم يستطع النوم.

ظل يفكر في كلمات المعلم طوال اليوم.

"المحارب الحقيقي يرى أكثر مما يراه الآخرون..."

تنهد، ثم نهض بهدوء حتى لا يصدر أي صوت.

لاحظ أن فراش المعلم فارغ.

فتح باب الكوخ بحذر، وخرج إلى الخارج.

كان المكان هادئًا...

هادئًا أكثر من المعتاد.

ثم...

سمع صوتًا خافتًا.

"وووش..."

تقدم بين الأشجار بخطوات بطيئة، حتى وصل إلى ساحة صغيرة تضيئها أشعة القمر.

وهناك...

توقف مكانه.

كان المعلم يقف وحده، ممسكًا بسيف خشبي.

بدأ يتحرك.

لم تكن مجرد حركات تدريب.

كانت أشبه برقصة هادئة، لكنها تحمل قوة هائلة.

كل ضربة كانت دقيقة.

كل خطوة محسوبة.

وكانت سرعة السيف تزداد شيئًا فشيئًا، حتى أصبح ريلاف لا يرى سوى خطوط باهتة في الهواء.

اتسعت عيناه بدهشة.

"مستحيل..."

لم يكن يصدق أن الرجل الذي يجمع الحطب ويطبخ الطعام كل يوم، يمتلك هذه المهارة.

وفجأة...

توقف المعلم عن الحركة.

ساد الصمت.

دون أن يلتفت، قال بهدوء:

"من يراقب من بعيد... لن يتعلم شيئًا."

تجمد ريلاف في مكانه.

كيف عرف أنه هنا؟

ابتسم المعلم ابتسامة خفيفة، وما زال ظهره إليه.

"اخرج يا ريلاف."

خرج ريلاف ببطء من بين الأشجار، وقد اختلطت الدهشة بالإعجاب في عينيه.

نظر إلى السيف الخشبي، ثم إلى المعلم، وسأل بصوت خافت:

"هل... يمكن لإنسان أن يصبح بهذه القوة؟"

أدار المعلم وجهه نحوه للمرة الأولى.

وفي ضوء القمر، ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة.

ثم قال:

"إذا كنت مستعدًا لتحمّل ثمنها..."

"فنعم."

ساد الصمت مرة أخرى.

لكن هذه المرة...

لم يعد ريلاف يرى أمامه رجلًا عجوزًا يعيش في كوخ وسط الغابة.

بل رأى...

المعلم الذي سيغيّر حياته إلى الأبد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خريطه الدم

المؤلف kholod
2026/07/04 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة