صرخه في الغابه

صرخه في الغابه

16 0

الفصل الأول: صرخة في الغابة

لم تكن قرية أفالون كبيرة، لكنها كانت مليئة بالحياة.

مع شروق الشمس، كانت أشعتها الذهبية تنعكس على أسطح المنازل الخشبية، بينما بدأ الدخان الأبيض يتصاعد من المداخن استعدادًا ليوم جديد. سارت النساء في الأزقة يحملن سلال الخبز والخضروات، وركض الأطفال بين البيوت يضحكون دون أن يدركوا أن العالم خارج قريتهم لم يكن بهذه البساطة.

في أحد أطراف القرية، وقف رجل طويل القامة أمام ورشته الخشبية، يحمل مطرقة بيد، ولوحًا من الخشب باليد الأخرى.

كان اسمه إلدريك.

اشتهر بين أهل أفالون بمهارته الكبيرة في النجارة. لم يكن أغنى رجل في القرية، لكنه كان من أكثرهم احترامًا. كان يبتسم دائمًا لمن يمر بجانبه، ويساعد كل من يحتاج إليه دون أن ينتظر مقابلًا.

توقف عن العمل للحظة، ومسح العرق عن جبينه، ثم ابتسم وهو يسمع صوتًا يعرفه جيدًا.

ضحكة طفل.

رفع رأسه فرأى ابنه الصغير، ريلاف، يركض في الطريق الترابي وهو يلاحق فراشة بيضاء بين الأشجار.

ابتسم إلدريك وهز رأسه قائلًا:

"لن تكبر أبدًا، أليس كذلك؟"

توقف ريلاف، وضحك بصوت عالٍ قبل أن يركض نحو والده.

"أبي! انظر! كدت أمسك بها!"

تظاهر إلدريك بالدهشة.

"حقًا؟ إذًا يبدو أن الفراشات أصبحت أسرع منك."

نفخ ريلاف خديه باستياء مصطنع.

"في المرة القادمة سأمسك بها."

ضحك إلدريك، ثم وضع يده على رأس ابنه وربت عليه برفق.

"أنا واثق أنك ستفعل."

ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى زقزقة الطيور وحفيف الأشجار.

نظر ريلاف إلى والده وسأله بفضول:

"أبي... لماذا تعمل كل يوم؟ ألا تتعب؟"

ابتسم إلدريك، وأعاد المطرقة إلى الطاولة.

"أتعب... بالطبع."

"إذن لماذا لا ترتاح؟"

نظر إليه إلدريك طويلًا، ثم انحنى حتى أصبح بمستوى عينيه.

"لأنني أريد عندما تكبر... ألا تقلق أبدًا بشأن بيتك أو طعامك. أريدك أن تعيش حياة أفضل من حياتي."

لم يفهم ريلاف معنى تلك الكلمات بالكامل، لكنه ابتسم وهز رأسه بحماس.

"وعندما أكبر... سأساعدك أنا أيضًا."

ضحك إلدريك من أعماق قلبه.

"اتفقنا."

في تلك اللحظة، خرجت امرأة مسنة من المنزل المجاور وهي تحمل سلة صغيرة.

ابتسمت قائلة:

"ريلاف، هل ستذهب إلى السوق؟"

أجاب بسرعة:

"نعم!"

ناولته السلة وقالت:

"إذن أوصل هذه إلى السيدة ميرا، وستعطيك قطعة حلوى كما تفعل دائمًا."

اتسعت عينا ريلاف فرحًا.

"حقًا؟"

ضحكت العجوز.

"لكن لا تأكلها قبل أن توصل السلة."

أمسك ريلاف السلة بكلتا يديه، ولوّح لوالده.

"سأعود بسرعة!"

ابتسم إلدريك ولوح له بيده.

"ولا تبتعد عن الطريق."

"حاضر!"

ركض ريلاف في الأزقة بخطوات سريعة، يحيّي كل من يمر به.

كان الجميع يعرفونه، والجميع يحبه.

لم يكن يعلم...

أن هذه الرحلة الصغيرة ستغيّر حياته إلى الأبد.

لم يستغرق ريلاف وقتًا طويلًا حتى وصل إلى السوق الصغير في وسط القرية.

كان المكان يعج بالحركة، وروائح الخبز الساخن تمتزج برائحة الخشب الطازج والزهور البرية. وقف أحد الباعة ينادي على بضاعته، بينما كانت مجموعة من الأطفال في عمر ريلاف يركضون خلف كرة قماشية صنعوها بأنفسهم.

لوّح أحدهم بيده وهو يصرخ:

"ريلاف! تعال، نحتاج لاعبًا إضافيًا!"

توقف ريلاف للحظة، ونظر إلى السلة التي يحملها، ثم ابتسم معتذرًا.

"بعد أن أوصل هذه أولًا."

ضحك الأطفال وعادوا إلى لعبهم.

تابع ريلاف طريقه حتى وصل إلى منزل صغير تحيط به أزهار ملونة. طرق الباب برفق.

بعد لحظات، فتحت الباب امرأة مسنة ذات شعر أبيض وابتسامة دافئة.

"أهلاً بريلاف."

رفع السلة أمامه بفخر.

"هذه من الجارة أمينة."

أخذت المرأة السلة وهي تبتسم.

"شكرًا لك يا بني."

ثم دخلت للحظات وعادت وهي تحمل قطعة صغيرة من الحلوى ملفوفة بورقة.

ابتسمت قائلة:

"كما وعدتك."

اتسعت عينا ريلاف بسعادة.

"شكرًا!"

ضحكت المرأة وهي ترى فرحته البسيطة.

"لا تتغير أبدًا."

خرج ريلاف وهو يدندن بلحن لا يعرف حتى من أين حفظه، وبدأ يفتح ورقة الحلوى ببطء.

لكن قبل أن يأكلها...

سمع صوت بكاء خافت.

توقف مكانه.

نظر حوله.

كان الصوت يأتي من زقاق ضيق بين منزلين.

اقترب بحذر، فوجد طفلًا أصغر منه يجلس على الأرض وركبتاه مليئتان بالغبار، بينما كانت لعبته الخشبية مكسورة إلى نصفين.

جلس ريلاف بجانبه.

"ماذا حدث؟"

أجاب الطفل وهو يمسح دموعه:

"وقعت... وانكسرت."

أخذ ريلاف اللعبة بين يديه، وقلبها عدة مرات.

ابتسم وقال بثقة:

"لا تقلق."

"لكنها انكسرت..."

"أبي نجار."

أشرق وجه الطفل قليلًا.

"حقًا؟"

هز ريلاف رأسه.

"بل هو أفضل نجار في القرية."

نهض وهو يناوله اللعبة.

"تعال معي، سيصلحها لك."

ابتسم الطفل أخيرًا، وأمسك بيد ريلاف.

وبينما كانا يسيران نحو ورشة إلدريك...

كان رجل غريب يقف فوق التل المطل على القرية.

يرتدي عباءة سوداء تخفي معظم وجهه.

لم يكن ينظر إلى السوق...

ولا إلى البيوت...

بل كانت عيناه مثبتتين على ريلاف وحده.

أخرج من جيبه قطعة معدنية صغيرة، نُقش عليها الرمز نفسه الذي سيغير مصير الجميع لاحقًا.

نظر إليها، ثم قال بصوت منخفض:

"إذن... وجدته."

وأعاد القطعة إلى جيبه، قبل أن يستدير ويختفي بين أشجار الغابة، تاركًا خلفه نسمة باردة مرت فوق القرية... دون أن ينتبه إليها أحد.

عاد ريلاف مع الطفل الصغير نحو ورشة والده بخطوات هادئة، بينما كان الطفل يمسك يده وكأنه وجد الأمان أخيرًا.

كانت شمس العصر تميل نحو الغروب، تلقي بضوء ذهبي دافئ على الطرقات الترابية. ورشة إلدريك كانت في طرف القرية، حيث يختلط صوت الخشب برائحة النشارة التي تملأ المكان دائمًا.

عندما اقتربا، كان إلدريك لا يزال يعمل. توقّف فجأة عندما رأى ريلاف ومعه الطفل.

رفع حاجبه مبتسمًا:

"يبدو أنك لا تعود وحدك أبدًا."

ضحك ريلاف بخجل:

"لقد وقع وكسر لعبته… فقلت إنك تستطيع إصلاحها."

نظر إلدريك إلى الطفل، ثم إلى القطعة المكسورة في يده، وهز رأسه بابتسامة هادئة.

"تعال يا صغير."

جلس الطفل بجانبه، وبدأ إلدريك يفحص اللعبة بعناية، بينما جلس ريلاف على صندوق خشبي قريب يتابع بصمت.

ساد صمت دافئ داخل الورشة، لا يُسمع فيه سوى صوت الخشب وهو يُعاد تشكيله.

قال إلدريك دون أن يرفع رأسه:

"ريلاف… أنت لا تحتاج فقط إلى اللعب طوال اليوم."

رفع ريلاف نظره:

"وماذا أفعل؟"

ابتسم إلدريك قليلًا:

"يومًا ما… ستحتاج أن تفهم كيف تعمل الأشياء، لا كيف تلعب بها فقط."

لم يفهم ريلاف تمامًا، لكنه هز رأسه كما يفعل دائمًا.

بعد دقائق، أعاد إلدريك اللعبة للطفل وهي كما لو كانت جديدة.

قفز الطفل فرحًا:

"شكرًا لك!"

ركض خارج الورشة وهو يضحك.

نظر إلدريك إلى ريلاف أخيرًا.

كان هناك شيء مختلف في عينيه هذه المرة… شيء أقرب إلى القلق.

"تعال معي."

تبع ريلاف والده إلى داخل الورشة.

في الداخل، كان المكان أهدأ، مظلمًا قليلًا مقارنة بالخارج.

أغلق إلدريك الباب خلفهما، ثم جلس أمامه مباشرة.

"ريلاف… إذا حدث لي شيء يومًا…"

توقف.

عبس ريلاف:

"ماذا تقصد؟"

تنهد إلدريك.

"أريدك أن تكون قادرًا على الاعتماد على نفسك."

شعر ريلاف بشيء غريب في صدره.

"أبي، لماذا تقول هذا الكلام؟"

ابتسم إلدريك ابتسامة صغيرة، لكنه لم يجب مباشرة.

بدلًا من ذلك، نهض وفتح صندوقًا خشبيًا قديمًا كان مخفيًا في زاوية الورشة.

أخرجه ببطء ووضعه أمام ريلاف.

"لا تفتحه الآن."

حدق ريلاف في الصندوق بفضول.

"ماذا بداخله؟"

"شيء… سيغير حياتك يومًا ما."

قبل أن يتمكن ريلاف من طرح المزيد من الأسئلة، سُمع صوت بعيد خارج الورشة… خطوات سريعة، ليست كخطوات أهل القرية.

تجمد إلدريك للحظة.

ثم قال بصوت منخفض وحاد:

"لا تتحرك من هنا."

اقترب من الباب بحذر.

ومن خلف الخشب… ظهر ظلّ يمر بسرعة بين الأزقة.

ظل لم يكن من أهل القرية.

وهنا… بدأ كل شيء يتغير.

تجمّد الهواء داخل الورشة وكأن الزمن توقف للحظة.

كان إلدريك واقفًا أمام الباب، لا يتحرك، وعيناه تتابعان الظل الذي مرّ خارجًا بين الأزقة. لم يكن ذلك من أهل القرية، لم تكن خطواته مألوفة، ولم يكن هناك سبب لوجود غريب في هذا الوقت تحديدًا.

التفت ببطء نحو ريلاف، وقال بصوت منخفض لكنه حاد:

"لا تتحرك… مهما سمعت."

لم يفهم ريلاف شيئًا، لكن قلبه بدأ يخفق بسرعة غريبة، إحساس لم يختبره من قبل.

اقترب إلدريك من الباب، يمد يده نحو مقبضه ببطء شديد، وكأنه يخشى أن يصدر أي صوت.

لكن قبل أن يلمسه…

دويّ خافت.

ثم فجأة…

انفجر الباب إلى الداخل بقوة هائلة، وتحطم الخشب إلى شظايا متناثرة.

تراجع إلدريك خطوة إلى الخلف فورًا، ووقف أمام ريلاف دون أن يلتفت إليه، كأنه يحاول أن يصبح جدارًا بينه وبين ما هو قادم.

دخل رجال يرتدون ملابس داكنة، وجوههم مغطاة جزئيًا، وعلى صدورهم نفس الرمز الذي رآه الغريب أعلى التل.

ساد صمت ثقيل.

أحدهم قال بصوت بارد:

"هو هنا."

لم يسألوا، لم يترددوا.

كانوا يعرفون تمامًا من جاءوا لأجله.

شدّ إلدريك قبضته.

"ابتعدوا عن هنا."

لكن أحدهم ضحك بخفة.

"لقد تأخر الوقت."

في تلك اللحظة، التفت إلدريك إلى ريلاف بسرعة.

كانت عيناه مختلفتين تمامًا الآن… ليست نظرة نجار، ولا أب فقط.

بل نظرة شخص يعرف أن هذه اللحظة كانت قادمة منذ زمن طويل.

"اركض يا ريلاف."

تجمد الطفل مكانه.

"ماذا؟!"

"اركض!"

لكن قبل أن يتحرك، اندفع أحد الرجال بسرعة مذهلة نحوه.

تحرك إلدريك فورًا، واعترض طريقه بضربة قوية أسقطته أرضًا.

"الآن!"

صرخها هذه المرة بصوت لم يسمعه ريلاف من قبل.

بدأ ريلاف يركض، قلبه يكاد يخرج من صدره، لا يفهم ما يحدث، لا يفهم لماذا، ولا كيف تحوّل كل شيء في لحظة واحدة.

خارج الورشة، كانت القرية هادئة… هدوءًا مخيفًا.

لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا.

بدأت الأصوات تنتشر من كل مكان.

صرخات.

خطوات سريعة.

أبواب تُغلق بعنف.

لم تكن مجرد مجموعة تبحث عن طفل…

بل كانت عملية منظمة، كأن القرية كلها أصبحت هدفًا.

ركض ريلاف بين الأزقة، دموعه تتساقط دون أن يشعر.

"أبي…!"

لكن صوته ضاع وسط الفوضى.

التفت خلفه للحظة… فرأى رجالًا يخرجون من كل اتجاه.

وفي وسط الفوضى، لمح إلدريك يقاتلهم داخل الورشة، يحاول أن يثبتهم، أن يشتري له الوقت.

لكن الأعداد كانت أكبر.

وأحد الرجال أشار نحو ريلاف.

"أمسكوه!"

زاد ريلاف سرعته، لكن الأرض أمامه لم تعد آمنة.

انقطع الطريق.

ظهر أمامه رجل آخر، أسرع مما يمكن لطفل أن يهرب منه.

أمسكه بقوة.

صرخ ريلاف بكل قوته، وركل بعنف، لكنه لم يكن قويًا بما يكفي.

وفي تلك اللحظة…

آخر ما رآه من قريته كان نارًا بدأت تشتعل في أطرافها، وصوت والده يصرخ باسمه من بعيد.

ثم…

حلّ الظلام.

انتهى كل شيء في لحظة واحدة.

لكن بداية القصة الحقيقية… كانت قد بدأت للتو.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خريطه الدم

المؤلف kholod
2026/07/04 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة