اول سقوط

اول سقوط

6 0

الفصل الرابع: أول سقوط

مرّت ثلاثة أشهر.

ثلاثة أشهر لم يعرف فيها ريلاف يومًا من الراحة.

كان كل صباح يبدأ قبل شروق الشمس، وكل مساء ينتهي بعد أن تغطي الكدمات ذراعيه وساقيه.

في البداية، كان يعد الأيام.

ثم الأسابيع.

لكن بعد مدة...

نسي حتى أي يوم هو.

---

وقف ريلاف أمام جذع شجرة ضخم، يتنفس بصعوبة، بينما كان العرق يتصبب من جبينه.

كانت يده ترتجف وهي تمسك بالسيف الخشبي.

أما المعلم، فكان يقف أمامه كما اعتاد دائمًا... هادئًا.

قال:

"مرة أخرى."

تنهد ريلاف.

"هذه هي المحاولة السابعة والعشرون..."

أجاب المعلم ببرود:

"إذن اجعل الثامنة والعشرين أفضل."

عضّ ريلاف على شفتيه، ثم اندفع.

هذه المرة لم يهاجم بعشوائية.

اقترب بخطوات ثابتة، راقب كتفي المعلم، ثم وجه ضربة نحو جانبه الأيسر.

لكن...

قبل أن تصل الضربة، كان المعلم قد اختفى من أمامه.

شعر ريلاف بشيء يلامس ظهر رقبته.

طرف السيف الخشبي.

قال المعلم:

"ميت."

أغلق ريلاف عينيه بإحباط.

"كيف؟! كنت متأكدًا أنني أصبتك."

سحب المعلم السيف وقال:

"كنت متأكدًا... وهذه أول مشكلتك."

نظر إليه ريلاف باستغراب.

أكمل المعلم:

"عندما يظن المقاتل أنه فهم خصمه..."

رفع إصبعه.

"...يتوقف عن الملاحظة."

ساد الصمت.

خفض ريلاف رأسه.

ثم قال بصوت منخفض:

"أشعر أنني لا أتقدم."

اقترب المعلم حتى وقف أمامه مباشرة.

"انظر خلفك."

استدار ريلاف.

رأى الشجرة التي كان يتدرب عليها قبل أشهر.

امتلأ جذعها بعشرات آثار الضربات.

قال المعلم:

"في أول يوم..."

وأشار إلى أثر قديم.

"...لم تكن تستطيع حتى الإمساك بالسيف بشكل صحيح."

ثم أشار إلى أثر أحدث.

"قبل شهر، كنت تسقط قبل أن تلمسني."

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

"أما اليوم..."

نظر إلى ريلاف بعينين ثابتتين.

"...فقد أجبرتني على التحرك ثلاث مرات."

اتسعت عينا ريلاف.

لم ينتبه لذلك أصلًا.

كان ينظر فقط إلى فشله...

ولم يرَ مقدار تقدمه.

ولأول مرة منذ أشهر...

عاد الأمل إلى قلبه.

ابتسم المعلم.

"استرح قليلًا."

جلس ريلاف تحت ظل شجرة كبيرة، وأسند ظهره إلى جذعها.

كان يراقب الغيوم وهي تمر ببطء فوق الجبال.

بعد دقائق، جلس المعلم بجانبه.

وهذا أمر لم يفعله من قبل.

قال ريلاف بهدوء:

"معلم..."

"نعم؟"

"من الذي علمك القتال؟"

ظل المعلم صامتًا.

حتى ظن ريلاف أنه لن يجيب.

ثم قال بصوت هادئ، لكن الحزن كان واضحًا فيه:

"رجل... أنقذ حياتي عندما كنت في مثل عمرك."

نظر إليه ريلاف باهتمام.

"هل كان قويًا؟"

ابتسم المعلم.

"أقوى رجل عرفته."

"وأين هو الآن؟"

ساد الصمت مرة أخرى.

ثم أجاب:

"رحل..."

لم يسأل ريلاف سؤالًا آخر.

لأنه رأى في عيني معلمه حزنًا لم يره من قبل.

وبينما كان الاثنان ينظران إلى الأفق...

مرّ طائر أسود فوق الأشجار، ثم اختفى بين الغابة الكثيفة.

لم يهتما به...

لكنهما لم يكونا يعلمان أن الغابة نفسها كانت تخبئ لهما أول اختبار حقيقي.

استراح ريلاف لبضع دقائق، ثم نهض وهو يحمل سيفه الخشبي.

كان يظن أن التدريب انتهى لهذا اليوم.

لكن المعلم كان يقف عند حافة الغابة، ينظر إلى الأشجار بصمت.

اقترب منه ريلاف.

"هل سنعود إلى الكوخ؟"

هز المعلم رأسه.

"لا."

ثم التفت إليه وقال:

"اليوم... سنخرج أبعد من أي مرة."

تجهم وجه ريلاف قليلًا.

"لماذا؟"

لم يجب المعلم مباشرة.

بل بدأ بالسير بين الأشجار، مشيرًا إليه أن يتبعه.

كانت الغابة تزداد كثافة كلما توغلا فيها.

الأشجار أصبحت أطول، وضوء الشمس بالكاد يصل إلى الأرض.

حتى أصوات الطيور بدأت تختفي.

قال ريلاف بصوت منخفض:

"لم آتِ إلى هذا المكان من قبل."

أجاب المعلم:

"وأنا تعمدت ذلك."

استمرّا في السير قرابة ساعة.

حتى وصلا إلى وادٍ صغير تتوسطه صخرة ضخمة، تتدفق بجانبها مياه نهر صافٍ.

توقف المعلم.

"من هنا... يبدأ اختبارك."

نظر ريلاف حوله بحيرة.

"أين الاختبار؟"

ناول المعلم حقيبة صغيرة من القماش.

بداخلها قطعة خبز، وقارورة ماء صغيرة، وحبل قصير.

قال:

"ستبقى هنا حتى غروب الشمس."

اتسعت عينا ريلاف.

"وحدي؟"

"نعم."

"وماذا أفعل؟"

ابتسم المعلم ابتسامة هادئة.

"عِش."

عبس ريلاف.

"هذا كل شيء؟"

"هذا أصعب مما تتخيل."

ثم تابع:

"لا أريدك أن تقاتل."

"ولا أن تبحث عن وحوش."

"كل ما أريده..."

نظر إليه بثبات.

"...أن تعود إلى هذه الصخرة قبل غروب الشمس، ومعك شيء واحد تعلمته اليوم."

ظل ريلاف صامتًا.

كان ينتظر تعليمات أكثر.

لكن المعلم استدار وبدأ يبتعد.

صرخ ريلاف:

"وماذا لو ضعت؟"

دون أن يلتفت، أجابه:

"إذن... ستتعلم كيف تجد طريقك."

وبعد لحظات...

اختفى بين الأشجار.

أصبح ريلاف وحده تمامًا.

نظر يمينًا...

ثم يسارًا...

لم يكن يسمع سوى خرير الماء، وصوت الريح وهي تحرك أوراق الأشجار.

أخذ نفسًا عميقًا.

"حسنًا..."

حاول أن يبدو شجاعًا.

"الأمر ليس مخيفًا."

لكن الحقيقة...

أن قلبه كان يخفق بقوة.

جلس قرب الصخرة، وأخرج قطعة الخبز من الحقيبة.

وقبل أن يأكلها...

سمع صوت تكسير أغصان يأتي من أعماق الغابة.

توقف عن الحركة.

رفع رأسه ببطء.

الصوت اقترب مرة أخرى...

خش... خش...

قبض على سيفه الخشبي.

لم يكن يعرف...

هل هو حيوان؟

أم مجرد الريح؟

أم شيء آخر...

وقف ريلاف ببطء، وأحكم قبضته على السيف الخشبي.

عاد الصوت مرة أخرى.

خش... خش...

ابتلع ريقه، وأخذ نفسًا عميقًا.

تذكر كلمات المعلم.

"لا تدع الخوف يقودك."

لم يركض.

ولم يندفع نحو مصدر الصوت.

بل بقي ثابتًا في مكانه، يحاول أن يصغي لكل ما يدور حوله.

بعد لحظات، تحركت الشجيرات.

قفز ريلاف إلى الخلف وهو يرفع سيفه.

لكن...

خرج من بين الأغصان أرنب صغير، وقف للحظة ينظر إليه بعينيه الواسعتين، ثم ركض مبتعدًا بسرعة.

تنفس ريلاف الصعداء، ثم ضحك على نفسه.

"لقد أخفتني..."

لكن ابتسامته اختفت سريعًا.

قال في نفسه:

"لو اندفعت نحوه منذ البداية... لكنت أهدرت طاقتي بلا سبب."

أدرك أن المعلم لم يكن يعلمه القتال فقط...

بل كان يعلمه التفكير قبل الحركة.

---

بدأ ريلاف يتجول بهدوء حول الوادي.

كان ينظر إلى آثار الأقدام على التراب، ويلاحظ أماكن النباتات، واتجاه مجرى الماء.

كل شيء أصبح يلفت انتباهه.

وبينما كان يسير، لمح عشًا صغيرًا سقط من أعلى إحدى الأشجار.

اقترب منه.

كان بداخله فرخ طائر صغير، يرتجف ويحاول إصدار أصوات ضعيفة.

رفع ريلاف رأسه.

رأى العش الأصلي عالقًا بين أغصان مرتفعة.

تنهد.

"كيف سأعيدك؟"

بحث حوله، فوجد جذع شجرة مائلًا، وبعض الصخور القريبة.

بدأ يجمعها، ثم صعد بحذر شديد.

انزلقت قدمه مرة، وكاد يسقط.

لكنه تشبث بالجذع، وأكمل ببطء.

وبعد دقائق من المحاولة...

أعاد الفرخ إلى عشه.

ابتسم وهو يرى الطائر الصغير يهدأ.

قفز إلى الأرض، ونفض الغبار عن ملابسه.

"على الأقل... انتهى هذا."

وقبل أن يبتعد...

هبطت طائرة كبيرة على أحد الأغصان.

كانت أم الفرخ.

نظرت إلى ريلاف للحظات، ثم أطلقت صوتًا هادئًا، قبل أن تدخل إلى العش.

لم يفهم ريلاف لماذا...

لكن ذلك الصوت جعله يشعر بالراحة.

---

مع اقتراب الغروب، عاد إلى الصخرة كما طلب منه المعلم.

لم تمضِ سوى دقائق حتى خرج المعلم من بين الأشجار.

نظر إليه، ثم سأل:

"هل واجهت شيئًا؟"

أجاب ريلاف:

"ظننت أن وحشًا يهاجمني... لكنه كان أرنبًا."

ابتسم المعلم.

"وماذا تعلمت؟"

فكر ريلاف قليلًا، ثم قال:

"أن الخوف يجعل الإنسان يرى أشياء ليست موجودة."

هز المعلم رأسه بإعجاب.

"جيد..."

ثم تابع:

"وهل تعلمت شيئًا آخر؟"

ابتسم ريلاف ابتسامة خفيفة.

"نعم."

وروى له قصة فرخ الطائر.

استمع المعلم حتى النهاية دون أن يقاطعه.

ثم نظر إلى الأفق حيث بدأت الشمس تختفي خلف الجبال.

وقال:

"تذكّر هذا اليوم جيدًا."

نظر إليه ريلاف باستغراب.

أكمل المعلم:

"المقاتل الحقيقي لا يعرف كيف يهزم خصمه فقط..."

ثم وضع يده على كتف ريلاف.

"...بل يعرف أيضًا متى يحمي حياة لا تستطيع حماية نفسها."

ساد الصمت.

كانت تلك الكلمات بسيطة...

لكنها حفرت مكانها في قلب ريلاف.

ولم يكن يعلم...

أن هذا الدرس سيغيّر قرارًا مصيريًا سيتخذه بعد سنوات، عندما يقف وجهًا لوجه أمام الرجل الذي دمّر حياته.

عاد المعلم وريلاف إلى الكوخ مع حلول الليل.

لم يتبادلا الكثير من الحديث.

كان كل منهما غارقًا في أفكاره.

بعد تناول العشاء، خرج ريلاف وجلس أمام الكوخ يتأمل السماء.

كانت النجوم تملأ الفضاء، والقمر يضيء قمم الأشجار.

نظر إلى كفيه.

لم تعودا ناعمتين كما كانتا يوم عاش في القرية.

امتلأتا بالخدوش وآثار التدريب.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

ثم همس لنفسه:

"سأصبح أقوى يا أبي..."

كان يظن أن أحدًا لم يسمعه.

لكن المعلم، الذي كان يقف عند باب الكوخ، سمع كلماته كلها.

رفع نظره نحو السماء، وقال في نفسه:

"إلدريك... ابنك لم يستسلم."

ساد الصمت.

وفجأة...

هبّت ريح باردة مرت بين الأشجار.

نظر المعلم نحو أعماق الغابة.

كان إحساسًا قديمًا يعرفه جيدًا...

إحساس بأن شخصًا ما يراقب المكان.

بقي ينظر للحظات.

ثم أمسك مقبض سيفه الموضوع بجانب الباب.

لكن الإحساس اختفى بسرعة.

تنهد بهدوء، وعاد إلى داخل الكوخ.

أما في مكان بعيد...

فوق أحد المرتفعات المطلة على الغابة...

كان رجل مجهول يقف مرتديًا عباءة سوداء.

لم تظهر ملامحه.

اكتفى بالنظر نحو الكوخ من بعيد.

ثم استدار وغادر بين الأشجار، دون أن يترك خلفه أي أثر.

نهاية الفصل الرابع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خريطه الدم

المؤلف kholod
2026/07/04 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة