________________________________________________________________
اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا ورسولنا وحبيبنا محمد 🖇❤
________________________________________________________________
_أهلًا أنا "سابين"، ناديني "سابي".
نهض الصغير بعيدًا عندما جاء الطفل المدعو "سابين" نحوه وتحدث معه، لكن هذا الغلام البغيض لم يبتعد، بل اقترب مجددًا وتفوه
_استنى، أنا عاوز أتعرف عليك.
_مش بصاحب حد.
ضحك "سابين" بخراقة وأكمل كأنه لم يسمعه
_أنا عندي 6 سنين، وانتَ؟
_ستة.
_جميل، إحنا زي بعض، اسمك إيه؟
_"نديم".
_"نديم"! اسمك جميل خالص، اتشرفت بمعرفتك.
أومأ وابتعد مجددًا، لكن "سابين" اقترب مرة أخرى وضحك
_استنى، تعال نلعب سوا؟
نظر "نديم" إلى دميته وحرك رأسه نافيًا
_لا، بلعب مع "رهف".
تفوه "سابين" بحماس
_"رهف" مين؟ عرفني عليها.
رفع "نديم" دميته، فنظر إليها "سابين" وتبسم ببراءة
_جميلة أوي، ينفع ألعب معاكوا طيب؟
أومأ بخفوت، قبل أن تأتي مديرة الملجأ وتتحدث إلى "نديم"
_"نديم"، تعالى معايا عشان أوريك بابا وماما الجداد، بس أوعى تضايقهم.
أومأ لها بطاعة ونظر إلى "سابين" نظرة أخيرة، فنظر "سابين" إليه بضحكة طفولية كعادته ولوّح إليه قائلًا
_إنتَ لطيف جدًا على فكرة يا "نديم".
لم يجبه، وأمسك يد المديرة راحلًا بعيدًا عنه.
بعد رحيل "نديم"، لم يصادف "سابين" الحظ ليتعرف على أُناس آخرين لمدة سنتين تقريبًا.
في عيد ميلاد "سابين" الثامن، كان يتجول في الملجأ كعادته، يحاول التحدث إلى هذا وذاك، لكنهم لم يكونوا يستجيبون له، حتى لمح "سابين" فتى يجلس بعيدًا ويحمل دمية كالتي كان يحملها "نديم" يومها، فضحك بفرحة واقترب من الشخص، فوجده بالفعل "نديم".
_"نديم" عامل إيه؟!
نظر إليه الطفل وأردف بوجه يخلو من التعبيرات
_اسمي "نادي"، مبقاش اسمي "نديم".
_بس إنتَ "نديم" صح؟
_أيوه، بس مش اسمي "نديم".
جلس "سابين" بجانبه وأردف بما قاله في أول لقاء لهم
_أنا "سابين" بقى، بس قولي "سابي".
_عارف.
_رجعت تاني ليه؟
_أهلي راحوا لربنا.
شهق "سابين" بصدمة وأردف باعتذار
_أنا آسف.
_لا، عادي.
نظر "سابين" إلى دمية "نادي" فوجدها مشوهة، وعلى ملابسها بقع حمراء لا تتناسب مع لون الفستان الأخضر الخاص بالدمية، تبسم "سابين" وهو لا يزال ينظر للدمية
_"رهف" اتغيرت خالص.
تفوه بهدوء وهو يحدق بالدمية
_مش "رهف" بس.
لم يفهم "سابين" جملته، لكنه قرر تجاهل الأمر وأخبره
_ينفع ألعب معاكوا؟
هز رأسه بنعم، فسعد "سابين" كثيرًا
_بجد؟ تعرف إن عيد ميلادي النهاردة، وكنت عاوز حد أحتفل معاه، تعالى يلا.
ذهبوا سويًا، وأحضر "سابين" بعضًا من ألعابه ومدها إليه قائلًا
_إديني الألعاب دي كأنها هدية عيد ميلادي، وأنا هعمل نفسي متفاجئ.
عقد "نادي" حاجبيه بريبة، وأومأ بنفور وفعل كما يريد، وبالفعل عندما قدم "نادي" إليه الألعاب، سعد "سابين" للغاية، وبدت فرحة كبيرة كأنها لم تكن له من قبل، ضحك "نادي" بهدوء على ردة فعله، ونظر إلى "رهف" معانقًا إياها قائلًا له
_إنتَ لطيف جدًا على فكرة يا "سابي".
_بجد؟ شكرًا ليك، مع إن ده مش رأي اللي في الملجأ هنا.
_مش مهم، تجاهلهم وخلاص، أنا بردو مش بيحبوني.
《عودة للواقع》
استفاق "نادي" من ذكرى لقائهما الأول على صوت والده يسأله بحنان
_إنتَ كويس يا "نادي"؟
أومأ له إيجابيًا، فتساءل أبوه مجددًا
_سرحان في إيه؟
_أول لقاء ليَّ أنا و"سابين".
_إيه ده؟ محكيتش لينا يعني قبل كده؟ احكي، عندي فضول.
سرد "نادي" الحكاية له، ورغم صعوبة التحدث، لم يشعر "رؤوف" بالضيق أو الملل، بل أظهر اهتمامًا كبيرًا وتساءل أحيانًا. لقد كان "رؤوف" رجلًا متفهمًا، ولم يرد أن يشعر "نادي" بأنه أصبح مختلفًا بعدما أصابه العصب السابع كما أخبرهم والدهم.
_تعرف لو كنت روائي، كانت كتبك هتبقى ممتعة جدًا، طريقة حكيك تحفة.
_شكرًا.
_"سابين" متغيرش كتير عن اللي حكايته، هو بردو لسه مجنون.
ضحك "نادي" وأومأ موافقًا على حديثه.
_بس "نادي"، ليه مبقتش تحب حد يناديك "نديم" مع إن "نديم" أحلى من "نادي"؟
تنهد "نادي" بحزن قبل أن يأتي "سابين" ويقاطعهم
_أنا عاوز أعرف أنا كمان.
اقترب وجلس بجانب والدهما يحتسي العصير، فأجاب "نادي" ببساطة متجنبًا التفكير في ماضٍ مضى
_عشان بيفكرني بأيام مش حابب أفتكرها.
《سابين》 _إيه هي؟
نظر إليه قليلًا، وقرر البوح بماضيه لأول مرة قائلًا إياه علنًا
_"نديم" معناها من يصاحبك في شربك، بس أنا فاكرها معناها ندم، ولأني بؤمن بأن الواحد حظه بيبقى من اسمه، فأنا والعبد لله كان حظي نحس من صغري، وكبرت على الاعتقاد ده.
العيال في الملجأ دايمًا كانوا بينبذوني، أقرر ألعب معاهم يقوموا يحدفوني بالطوب أو التراب أو أي حاجة عامة يلاقوها قدامهم، فشوية شوية مبقتش أحب حد ولا حابب أتعامل مع حد.
وفي يوم جت ست طيبة ووزعت علينا ألعاب، فأنا من نصيبي خدت العروسة عشان متبقاش غيرها، ومع الأيام تعلقت بيها وسميتها "رهف".
لحد ما جه يوم وأخيرًا الحظ قرر يحبني، فجم زوجين اسمهم "رام الله" و"رأفت"، وكانوا عاوزين يتبنوا طفل هادي ومؤدب، ولأني فيَّ الصفات دي اتبنوني.
عشت معاهم أسوأ سنة في حياتي، وبلاش تفاصيل لأنها مش أحلى حاجة.
وفي يوم صحيت عشان أشرب مية، وبطبيعة الحال "رهف" معايا، لقيت صوت غريب في الصالة. ولأني كنت عايش في فيلا مش في شقة، فصعب حد يسمع خطواتك من فوق، بس تقدر تسمع اللي تحت.
روحت خدت سكينة من المطبخ، عشان عارف إن "رأفت" و"رام الله" نايمين، فاللي تحت أكيد غريب.
نزلت متسحب و"رهف" مخبي فيها السكينة وحاضنها، وفجأة لسه فاضل درجة وأكون في الدور الأرضي لقيت حد بيمسكني من قفايا وبيشلني لفوق.
طلع "رأفت"، وطبعًا شاف السكينة فسحبها مني وزعق لي
_بتعمل إيه عندك؟ عاوز تقتلني أنا وأمك يا واد؟_كنت لسه هقوله اللي حصل، هوب حد سحب السكينة من "رأفت" وغرزها فيه.
وقعت جامد يومها على الأرض وصرخت بخوف، بس الغريب مسكني وحط السكينة ناحيتي بيقولي《حركة كمان وهتحصل أبوك》بصيت له وسكت، وبتحامى في "رهف"، لحد ما جه حد تاني كان بيسحب "رام الله"، وقام بقتلها قدامي.
مش هنسى يومها إزاي وقفت قدامه بقوة مش بيليق مع طفل خالص، وبصيت لأهلي وقررت أواجهه، ضحك وقتها بصوت سمج وقالي إنه مش هيقتلني وهيربيني.
خدني فعلًا، وقعدت معاه سنة كمان من عمري، وبلاش نعرفه بردو لإنه مش لذيذ.
بس عامة، اللي لازم تعرفوه إن السنتين دول اللي كانوا في حياتي كرهوني في اسم "نديم"، وخلوني أتعاهد مع نفسي إني أغير اسمي من "نديم" إلى "نادي"، وأفضل محتفظ بحرف النون، عشان عارف إن الماضي عمره ما هقدر أنساه.
وبس كده، رجعت للملجأ بعد ما هربت، ومش لازم تفاصيل بردو، وكملت حياتي هناك لحد ما هربنا أنا و"سابين" وإحنا 12 سنة بعد ما جت مديرة جديدة للملجأ وكانت وحشة فخلتنا نسيب الملجأ.
نظر "سابين" إلى أخاه بفم مفتوح، بينما صمت الأب يفكر في كلام صغيره، أما الأم التي انضمت لهم أثناء سرد "نادي" لحكايته، فلم تُبدِ ردة فعل أكثر من أنها تجنبت النظر إلى صغيرها ونظرت إلى "رهف" فقط.
نهض "سابين" نحو أخيه وعانقه بتأثر، فبدوره تبسم "نادي" وربت عليه بمعنى《لا بأس، أنا بخير》.
نهضت "ريم" وجلست بجانبه تضم رأسه نحوها بصمت، أما "رؤوف" فجلس بجانبه الآخر وربت على فخذه بابتسامة بسيطة.
عانقهم "نادي" جميعًا وأردف بصوت ممتن وفرح
_شكرًا لأنكم أنتم.
________________________________________________________________
_انتَ كويس ؟
لاحظ "سابين" إرتجاف اخيه الطفيف و بروده يديه أثناء وقوف "نادي" أمام لجتنه الخاصة ، نظر إليه "نادي" عبر نظارته الشمسية و أمسك يده و حركه بلطف بمعنى 《لنرحل》، أعطى "سابين" رغبته و رحل بالفعل رغم عدم فهمه لحالته الغريبة .
حاول "سابين" التناسي لحين وصولهم للمنزل و إستدرج "نادي" في الحديث معه في أي موضوع
_هتعمل إيه إنهاردة بعد ما خلصنا ثانوية عامة ؟
لم يجبه "نادي" فواصل الحديث و كان لم يكن
_أنا هجيب عصير موز بلبن قبل ما نطلع و هنام و هصحى بليل عشان هسهر مع "رهف" و معاك و مع ماما و بابا لغيت الصبح ، أحلى شهور بجد إننا خلاص خلصنا
لم يجبه فابتسم ببساطة له و أسند يده على كتفه يذكره ببعض ذكرياتهم
_فاكر لمَ إستخبينا ورا الكنب عشان نتفرج على التلفون من غير ما حد يشوفنا ؟ ، طب فاكر لمَ رمينا أكياس مياة و مشباك على ضباط مرور ، و ماما فضلت تدور على المشباك يومها
تبسم "نادي" و نظر إلى وجهة بصمت .
سعد "سابين" بحركته البسيطة فواصل الحديث و الحديث حتى وقفوا أمام متجر العصائر ، قفز "سابين" بحماس و توجه للداخل قبل أن يرجع مجددًا و يسأل
_عاوز ليمون بنعناع ؟
أومأ له فأردف بمرح
_حسيت عامةً
أحضر العصائر و صعدوا للمنزل ، بحث "سابين" عن والدته ليعطيها عصيرها الخاص كما إعتاد و عندما رأها ذهب ليحظى بالعناق الأول قبل أن يتوقف فجأة و يمد يده بالعصير فقط و يبتسم إلى والدته بمرح
_أحلى عصير لإحلى مامي
أخذت العصير منه و شكرته قبل أن تنهض من على الأريكة حاملة "رهف" بيدها الإثنين و تسأل
_عاملتوا إيه يا كتاكيت في الإمتحان ؟
_الإحياء تحفة تحفة تحفة ، فوق الروعة .
ضحكت و نظرت إلى "نادي"
_وانتً يا حبيبي ؟
_الحمدلله كان كويس
مدت إحدى يداها بإشارة ليأتوا في عناقها فذهب "نادي" أولًا و لأول مرة يحظى هو بالعناق الأول بينما "سابين" ينظر إليهم و يبتسم .
لقد أحب أن يكون أخاه هذه المرة هو الأول ، لطلما كان الأول في كل شيء ، لذلك و لأول مرة في عمرهم فضل أن يكون هو الأول و سيظل يحاول يفعل ذلك حتى باقية عمرهم ، على الأقل فقط لرد القليل من جماله إليه ، حيث دائمًا "نادي" يتركه الأول في كل شيء ، أول قبلة ، أول عناق ، الأول في المدرسة ، الأول في إهتمام العائلة في كل شيء ، و لم يكن يشعر بذلك ، حتى بدأ يلاحظ ذلك في آخر فترة .
همس "سابين" و هو يرمقهم بسعادة حقيقة يتذكر ما كان يفعله له
_شكرًا "نادي"
نظر "نادي" له و إبتعد ليقترب هو و يعانق والدتهم ، قطع هذه اللحظات الجميلة بكاء الصغيرة فضحك "سابين" و نظر إليها يداعب وجهها قائلًا
_بتغيري يا "أوفا" على ماما ولا إيه ؟
توقفت الصغيرة عن البكاء و نظرت إلى يده ثم أمسكت بإصبعه بكتلا يداها و حاولت عضها ، إبتعد سريعًا و أردف بخوف مصتنع
_ماما شوفي بنتك ! ، عاوزة تاكل صباعي
_فداها ، مش عجبك ؟
_عجبني ، هقول إيه بقى ؟ ، كل ده عشان مش ابنك بحق و حقيقي
كان "سابين" يلقي كلامته ساخرًا و لا يقصدها بالمعنى الحرفي ، لكن والدته شهقت بصدمة و نظرت إليه بحزن
_انتَ بتقول إيه ؟ ، انتَ عارف إني عمري ما هعمل كده !
_بهزر والله أنا عارف .
لثم رأسها بحب و يداها
_ربنا يديمك لينا يا ست الكل
_و يديمك ليَّ يا "سابي"
غادر "نادي" بهدوء الغرفة منسحبًا إلى غرفته ، إستاذن "سابين" و رحل إيضًا لاحقًا بأخيه ، ذهب نحو الخزينة يخرج ملابس لهم بينما جلس "نادي" على الفراش شارد الذهن و لم يلحظ وجوده .
_تلبس إيه ؟
إستفاق بفزع و نظر إليه يتسأل بصوت مضطرب قلق
_في إيه ؟
_في إيه انتَ ؟ ، بقولك عاوز تلبس إيه ؟
_زيك وخلاص .
أومأ و أخرج لهم قميصان أبيضان عليها دببة الثلاثة و بنطال أسود ، مد له ملابسه و أخذ ثوبه ثم توجه للمرحاض ليبدل ملابسه فأوقفه "نادي" يتسأل بعدم فهم
_رايح فين ؟
_هروح الحمام أغير ؟
_من أمتى ؟ ، أنا ديمًا بغير هناك .
_عادي خليني المرة دي .
تبسم إليه و رحل تاركًا إياه على راحته ، بعد إنتهاء "سابين" ذهب إلى غرفتهم و طرق على الباب
_خلصت ؟
لم يتلقى إجابة فولج و وجده نائم ، نام بجانبه و أردف بصوت منخفض
_"ناد" ؟ ، نايم ؟
_لا .
_طيب ينفع تحكيلي قصة ؟ ، زي زمان فاكر ؟
إستدار و نظر إلى عينيه قليلًا قبل أن يعانقه و يلثم جبينه
_أنا عمري ما هنسى أي حاجة كنا بنعملها سوا .
ضحك بفرحة و دفن وجهة في أحضانه ليحظى منه بالأمان المعتاد .
مسد "نادي" على شعر أخيه و بدأ في الإرتجال أثناء سرده للقصة ، كانت قصة مشوقة بنسبة إلى "سابين" كالعادة ، يستمتع بحكايات أخوه الغريبة و المليئة بالمعلومات كطفل صغير ، و سريعًا ما غفى الإثنان سريعًا في عناق بعضهم البعض مثلما دائمًا يفعلون منذ صغرهم .
ولجت والدتهم بعد مرور ساعات قليلة كانت كافية بنسبة إليهم و همست بصوت حنون خافت كي لا تفزعهم
_"سابين" ، "نادي" ، قوموا يلا يا حبيبي .
همهم "سابين" بنعاس بينما إنتفض "نادي" بفزع جعل "سابين" ينفض بفزع أيضًا آثر حركته ، وضع "نادي" يده على قلبه و حاول أن يهدأ من روعه قبل أن يسقط دموعه لاإرديًا .
عقد "سابين حاجبيه بربيه و تفوه بقلق و ذعر
_في إيه ؟ ، بتعيط ليه طيب ؟!
_كويس كويس إتخضيت بس
_ خلاص إهدأ
عقب حديثه عانقه برفق و حاول تمالك أعصابه بعدما أفزعه "نادي" ، أقتربت والدتهم و جلست على الفراش تردف بآسف
_حقكك عليَّ يا "نادي" مكنتش أقصد
_عادي مفيش حاجة أنا كويس
صرخت "رهف" فجأة و بدأت في البكاء فنظر إليها "نادي" و تبسم بقلة حيلة ثم حملها عن والدته و ظل يحركها حتى هدأت .
أردف "سابين" بتهكم و هو ينظر إلى الصغيرة
_البت دي attention على فكرة
_منك تعلمت يا أخويا
تدخلت "ريم" مقاطعة حديثها
_قوموا إجهزوا عشان هنروح لأهل باباكوا ، كل العيلة هتبقى موجودة .
حرك "نادي' عينيه بملل و أردف بضجر
_هو لازم نروح يعني ؟
_عيب يا "نادي" ، أنا ربيتك على كده ؟! ، مش ده الأصول .
_ميستحقوش بصراحة نبقى أصلية معاهم .
_معلش يلا قوم بدل ما أزعل أنا .
_حاضر يا ماما .
_حاضرلك الخير يا عيون ماما .
رحلت الأم و نهضوا الفتيان يبدلون ملابسهم كي يجهزوا للرحيل .
________________________________________________________________
_إيه يا ابن عمي، وشك عليه غضب ربنا كده ليه؟
_خليك في حالك يا "حسام".
_عملت إيه في الامتحان النهاردة؟ الأحياء كان سهل؟ ولا أنتَ معرفتش تحل كالعادة؟
أردف "حسام" آخر كلماته باستهزاء، فهدر "نادي" بغضب وهو يحاول كتم غيظه
_قولي أنتَ عملت إيه؟
طرح عليه سؤالًا كان موجودًا في امتحانهم اليوم، فأجاب "حسام" عليه، لكن إجابته لم تكن صحيحة، فتفوه بسخرية وقد قلب الطاولة عليه
_برافو يا "حُس"، أنتَ نابغة ماشي على الأرض.
تدخلت والدة "حسام" بفخر، ظنت إن صغيرها بالفعل أجاب إجابة صحيحة _شوفت، "حسام" دايمًا رافع رأسي، عبقري مفيش زيه، ده بيقرأ صفحة بيكون حافظها.
_أبلة "رشا"، ابنك جاوب السؤال غلط.
_وإيش عرفك؟ ما يمكن أنتَ اللي غلط؟
_أبلة "رشا"، الإجابة أهي، ومستر "محمود" هو اللي مجاوب عليها.
_عادي يا حبيبي، مفيش حد فينا كامل.
_أبلة "رشا"، السؤال ده العيل الصغير عارفه.
_يعني أنتَ تقصد إننا بنفهمش؟
تبسم بتهكم وتهجم في نفس الوقت وأجاب عليها
_حاشا لله، لا طبعًا يا أبلة "رشا".
_بحسب.
_متحسبيش.
_"نادي"!
صاح به والده منزعجًا، فتراجع "نادي" إلى الوراء وأنهى مجادلته.
استمع "نادي" إلى حكايات عائلته بضجر وملل، وتمنى أن ينتهي اليوم سريعًا.
طوال اليوم كان يشعر بالغضب والضيق، وحاول تمالك أعصابه في العديد من الأمور قبل أن ينفجر فجأة ويهدر بعدما طفح به الكيل، وبدأت عائلته تسخر من فكرة إن "سابين" و"نادي" أطفال شوارع وليسوا أبناء "ريم" و"رؤوف".
نهض "نادي" وحدق إليهم أثناء كلامه
_عيال الشوارع دول اللي بتتريقوا عليهم أحسن من عيالكم بمية مرة، في المستوى التعليمي دايمًا بنطلع الترتيب الأول، وعمر عيالكم اللي في سننا سبقونا، ودايمًا سيرتنا بين الناس كله خير وبيحلفوا بتربيتنا، مش زي عيالكم سجاير وسب دين وقرف. أنتوا بتتريقوا على مين وليه؟ أنتوا شايفين نفسكوا مين معلش؟ ده حتى سيرتكوا في الشارع أوحش من سيرة فتاة ليل! يا عيلة بنت و***.
نهض "رؤوف" وصاح به أمام الجميع
_"نادي"! انجر للعربية واختفي من وشي بدل ما أقل منك دلوقتي.
_أنا مروح، مش هستنى حد.
غادر "نادي" بالفعل عقب صراخ والده له، وكان آخر كلمات سمعها قبل أن يبتعد عن المنزل
_ابنك قليل الأدب ومحتاج يتربى، ده آخري إنك تلم متسولين وتربيهم.
صعد "نادي" المنزل بعد سير طويل، وذهب إلى غرفته يدفن وجهه في الوسادة ويصرخ بكل قوته.
تذكر "نادي" اليوم منذ البداية، وظل يشتم حظه وعائلته التي تركته في الملجأ وجعلته يعيش مثل هذه اللحظات وكل شيء في حياته حرفيًا.
<<العودة للماضي>>
أثناء انتظار "نادي" انتهاء وقت الامتحان المحدد، نظر عبر النافذة إلى فناء المدرسة، وشرد في الورود والأشجار الموجودة بصمت.
عقد حاجبيه بدهشة وهو يرى شخصًا يسحب شابًا في مثل سنه حتى توسطوا الفناء، سحب الغريب الملثم نصلًا حادًا يبدو كسكين و قطع رأسه الشاب فجأة .
كتم "نادي" شهقته وأكمل التحديق عبر النافذة، نظر الملثم حوله ثم فجأة رفع رأسه ونظر إلى "نادي" يلوح له، خلع الملثم قناعه قليلًا وحرك شفتيه بكلمات
_صدفة جميلة يا "نديم"، أنا عارف كل خطواتك بعد ما هربت يا "نديو"، ومش ناسيك، أنا مراقبك وبراقبك."
وضع الملثم قناعه مجددًا وبدأ في تقطيع الشاب ليخرج أعضاءه ويضعها في أكياس، ظل "نادي" يراقبه وهو يعيد كلمات الملثم.
يعلم "نادي" قراءة الشفاه، وهذا يعلمه الملثم أيضًا لأنه هو مَن علّمه، أغمض عينيه وظل يتذكر ذكرياته معه، هو مَن أخذه بعد قتل والداه اللذين تبنياه في البداية، هو مَن عاش معه عامًا من عمره وتعلم منه كل وسائل الإجرام.
استفاق على صوت المراقب يخبرهم بانتهاء وقت الامتحان وبدأ في أخذ الأوراق منهم، ألقى "نادي" نظرة أخيرة إلى الفناء فلم يجد الجثة أو الملثم.
<<العودة للحاضر >>
_أخي؟
_برا، عاوز أبقى لوحدي.
تبسم "سابين" وحاول تلطيف الأجواء
_"نادي" يا "نادي" يا حتة سكرة، خلقك ضيقة قياسينة بمسطرة.
_برا يا "سابين" بقول.
جلس "سابين" بجانبه وأكمل
_خلاص بقى يا "ناد"، فرفرش.
زفر "نادي" ووضع الوسادة على أذنه، معطيًا ظهره لشقيقه. أومأ "سابين" وتفوه بحزن
_طيب، شكلك فعلًا مش عاوزني دلوقتي.
غادر "سابين" وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركًا "نادي" غارقًا في أفكاره حتى نام.
استيقظ "نادي" بانزعاج على ضوء الشمس الساطع، ونظر حوله فلم يجد "سابين".
نهض ونظر إلى المرآة، ولمس وجهه المعوج بحزن، ثم رحل كي يذهب للمرحاض.
لمح "سابين" نائمًا على الأريكة، فتوجه نحوه وأيقظه برفق
_"سابي"، "سابي"، قوم نام جوا.
_"نادي"؟ صباح الخير.
_صباح النور يا حبيبي.
نهض "سابين" بنعاس ورحل للغرفة ناسيًا ما حدث في الأمس.
بعد انتهاء "نادي" من حاجته، ذهب للمطبخ ليروي ظمأه، ثم نوى التوجه لغرفته بعد فراغه.
يتبع......
________________________________________________________________