______________________________________________________
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا ورسولنا وحبيبنا محمد 🖇❤
______________________________________________________
_على الحلوة والمرة دايمًا؟!
_دايمًا سوا كل الأوقات.
_يبقى يلا بينا.
ضحك الغلامان بحماس عقب انتهاء حديثهما، ثم نهضا متسللين ببطء نحو لافتة على الحائط. بدأ أحد الغلامين بإزالة اللافتة، فانكشف أسفلها ثقب ضخم كان يستتر خلفها.
تحرك الأول ثم الثاني بداخل الثقب حتى اختفيا عن الأنظار، وظهرا على الجانب الآخر بعيدًا عن سور الملجأ، حيث الحرية والسلام كما ظنا.
أمسك الغلام ذو العينين الخضراوين صديقه، وركضا هاربين عن المنطقة كلها، ساعات وساعات حتى سقطا مرهقين، يصيحان بحماس بريء وسعادة مفرطة لهروبهما من بطش مديرة الملجأ وأفراده الآخرين.
نام الصغيران يومها بسلام، الطيور تحلق فوقهما وتغرد في تناسق، والقمر ينشر دفأه النادر عليهما، والليل حارسهما من الخطر.
استيقظ الولدان والشمس تدغدغ وجهيهما بنعمة بالغة، وعصافير أمعائهما تزقزق من الجوع. نظر صاحب العينين البنيتين إلى صديقه وتفوه بجوع
_أنا جعان يا "نادي".
_وأنا برضو، كنا لازم نعمل حسابنا في ده.
_طب هنعمل إيه؟
حرك "نادي" رأسه بعدم إدراك وأردف بأمل مزيف
_رب الكون معانا يا "سابين".
نهض "نادي" بحماس بعدما لمعت فكرة خطيرة في عقله الصغير بالنسبة إليه
_خليك هنا يا "سابين"، هاجي تاني.
_هتروح فين؟
_بعدين، المهم متتحركش.
قفز الغلام برشاقة وحماس طفولي، ثم ركض مسرعًا إلى حيث لا يعلم، حتى وقف أمام متجر. نظر حوله وقرر في البداية الذهاب للرجل والتحدث معه أولًا، ثم يحدث ما يحدث.
_سلام عليكم؟
_وعليكم السلام.
_لو سمحت يا عمو، ممكن حاجة آكلها أنا وصاحبي؟ إحنا مش معانا فلوس ندفع.
في عقل الطفل الصغير، ظن بتفكيره الطفولي أن الرجل سيوافق، لأنه ليس هناك شيء يُدعى عنفًا أو غضبًا غير مبرر كما ظن في قاموسه، وأن كل هذه المشاعر خلقها الناس في الأفكار فقط، حتى صدمه الرجل بعدما هدر بغضب وسحب عصًا كانت بجانبه
_امشِ يا متسول بدل ما أضربك.
ركض "نادي" بخوف وقلق منه، لكنه قبل أن يرحل بالكامل استدار إلى الرجل، ثم قام باختطاف كيس من البطاطس المقرمشة تُدعى "شيبسي"، وركض به حيث أتى. صرخ الرجل به لكنه لم يلحقه.
وصل "نادي" حيث رفيقه، وما إن رآه حتى تفوه بحماس وسعادة مفرطة
_"سابـــــين".
نهض "سابين" بفزع من مناداة "نادي" له
_إيه إيه؟
_بص!
رفع كيس الرقائق نحوه ليراه، وما إن رآه حتى نظر "سابين" إليه بصدمة
_جبته إزاي؟
_سرقته.
عاتبه "سابين" بحزن من تصرفه، وأمسك بيده يقول
_"نادي"، إحنا آه أيتام، بس عندنا أخلاق، تعالى نرجع كيس الشيبسي ونتأسف للراجل.
_بس.....
ضحك "سابين" بلطف وبراءة مقاطعًا حديثه
_اللي يغلط؟
_يعتذر.
عانقه "سابين" بأخوة وربت على ظهره
_شكرًا لأنك حاولت تتصرف، شكرًا يا أخويا.
تبسم "نادي" وبادله العناق أيضًا
_شكرًا لوجودك يا "سابي".
رحلا حيث الرجل، وعندما ذهبا إليه نظر الرجل إليهما بغضب، وكاد أن يضرب "نادي"، لكن "سابين" أوقفه سريعًا، وأردف بخوف وتلعثم
_استنى يا عمو، اتفضل كيس الشيبسي أهو.
توقف الرجل ونظر إليهما بغرابة، قبل أن يكمل "سابين" حديثه
_آسف على اللي حصل، إحنا بس كنا جعانين وعملنا كده بس عشان نسد جوعنا، بس اكتشفنا إننا غلط، وجينا لحضرتك عشان نتأسف، إحنا آسفين.
نظر الرجل إليهما بصمت، قبل أن ينزل لمستواهما ويتساءل برفق
_اسمكوا إيه يا سكاكر؟
عرّف الغلامان نفسيهما، قبل أن يسأل "نادي" بتوجس
_هو إنت هتحبسنا يا عمو؟
_لا، بس كنت عاوز أتعرف عليكوا، هو أهلكوا فين؟
ضحك "سابين" بفخر وأمسك كف "نادي" يبث له القوة
_إحنا أيتام يا عمو.
_شايف نبرة فخر غريبة في صوتك.
_ومبقاش مبسوط ليه؟ على الأقل أنا شايف إن الأيتام نصيبهم من الحياة بيبقى أحسن من أي حد.
_طيب إيه رأيكوا متبقوش أيتام بعد كده وتعيشوا عندي؟
ارتبك الفتيان من طلبه، ونظر "سابين" إلى صديقه ينتظر أن يتخذ القرار. فهم "نادي" عبر عينيه ما يريده، فشدد هو على كف "سابين"، وهذه المرة هو الذي يبث له القوة
_وإيه المقابل؟
_من غير مقابل يا "ناد"، موافقين؟
_طب السبب؟ أكيد في سبب!
_عشان أنا ومراتي كنا نفسنا في عيال، بس ربنا لسه مرزقناش.
نظر "نادي"، فأومأ "سابين" له، فأجاب "نادي" بموافقة:
_موافقين.
________________________________________________________________
_أول يوم مدرسة، أول يوم مدرسة، "ناد" يلا قوم.
_يا مصبر الوحش على الجحش.
_أخـــــي.
نهض "نادي" بملل وتمتم
_لسه بتفرح بأول يوم مدرسة شبه العيال الصغيرة، ومش مصدق إننا بقينا شُحطة في ثانوية عامة.
نظر إليه "سابين" بمقلتيه بحزن
_بقى كده يا "ناد"؟ أنا فكرتك فرحان زيي.
_خلاص يا عم فرحان.
ضحك "سابين" وألقى نفسه بين أحضانه
_بحبك يا "نادي".
تبسم بخفة وربت عليه
_وأنا برضو.
_نعمل ماتشي ماتشي؟
ضرب وجهه بخفة وحرك رأسه بقلة حيلة
_نعمل يا "سابي".
_بني؟
_بني.
نهض "سابين"، وأخرج لهما سترة بنية اللون، وقميصًا بيج، وبنطالًا أبيض ذا حزام بني، مع حذاء بنفس لون القميص.
ذهب "نادي" إلى المرحاض بعدما أخذ ملابسه، وقام بتبديلها فيه، بينما "سابين" بقي في الغرفة، وبعد فراغ "نادي" عاد إلى الغرفة مجددًا، ثم طرق على الباب وأردف بصوت عالٍ يصل إلى أخيه
_خلصت؟
_أيوة.
دخل وتوجه إلى المرآة يصفف شعره ويرتدي ساعته الفضية، بينما "سابين" وقف بجانبه يفعل المثل.
نظر "نادي" إلى "سابين" بعدما رأى تصفيفه لشعره، وتفوه بضجر
_بطل القرف اللي بتعمله ده، شكلك وحش.
مد المشط، وضحك ببلاهة
_خلاص اعمل إنت.
حرك رأسه بقلة حيلة، وبدأ في تغيير تصفيفة شعره
_كده أحسن.
_تصدق فعلًا حلو.
تبسم بغرور وتفوه بصوت مغتر
_دايمًا كل حاجة بعملها حلو.
_طب يلا يا سموك عشان منتأخرش.
خرجا الأخوان ذاهبين نحو المطبخ، حيث دائمًا توجد والدتهما، كأنها تعيش بالمطبخ.
اقترب منها "سابين" صائحًا بحماس، بينما "نادي" قرر فقط الوقوف على مدخل المطبخ وإلقاء التحية بهدوء.
عانقت الأم "سابين"، ولثمت رأسه، قبل أن تذهب إلى "نادي" مخصوص لتعانقه وتقبله أيضًا. وقف الأبناء بابتسامة تعكس شخصيتيهما، قبل أن تعطيهما علبًا بها طعامهما، وتأمرهما بإنهائه كله قبل عودتهما من المدرسة.
أومأ الفتيان، وعانقا والدتهما يسحقانها في عناق حميم.
ضحكت وقرصت أذنيهما، قبل أن يخرج الأبناء ويجدوا والدهما بالخارج.
وقف "نادي"، وترك العنان إلى أخيه الأهوج يركض ويعانق والده، بينما هو نظر بهدوء إليه وضحك بخفة.
_صباح الخير يا بابا.
_تعالى يا "ناد".
اقترب "نادي"، وقام والدهما بعناقهما في عناق جماعي، ثم تركهما يسألهما بابتسامة ودودة
_يلا عشان أوصلكوا في طريقي.
نظر "نادي" إلى أخيه، ففهم من عينيه بأنه يريد الجلوس في الأمام بجانب والده، فأومأ له وجلس في الخلف.
جلس "سابين" بجانب كرسي السائق، وظل يتحدث ويثرثر كالببغاء، بينما "نادي" وضع سماعاته اللاسلكية، واستمع إلى القرآن وردد خلفه.
شعر "نادي" بأن الأجواء صامتة زيادة عن اللزوم، فنظر إليهم، ووجد أنهم يستمعون إليه ويبتسمون.
سكت "نادي" بحرج، وعاد نظره إلى الزجاج، قبل أن يتفوه "سابين" بعبوس
_سكت ليه؟
_مكنتش عارف إن صوتي عالي.
_كمل، خلي ربنا يبارك في يومنا.
_شغل قرآن سهلة.
_لا، أنا عاوز أسمعك.
_لا.
أوقف والدهما السيارة مقاطعًا حديثهما
_يلا وصلنا.
هبط الشقيقان من السيارة، وودعا والدهما، ثم دلفا إلى المدرسة.
سار "سابين" و"نادي" سويًا في الطرقات، "نادي" ينظر أمامه والصمت على وجهه، بينما "سابين" يضحك منذ دخوله، ويلقي التحية على الجميع، يعرفهم ومن لا يعرفهم.
ذهب "نادي" إلى خزانته الخاصة، ووضع الكتب بها، وشقيقه بجانبه يضع أيضًا أشياءه، قبل أن يأتي شخص ويحدثهما بصوت مرح وودود
_التوأم المميز، عاملين إيه؟
استدارا للشخص، وتبسم "نادي" لأول مرة منذ دخوله، وعانق المتحدث باشتياق
_"تيام".
_عامل إيه يا كآبة؟
ابتعد وضربه على رأسه بسخرية
_الحمد لله يا "تيمون".
نظر "تيام" إلى "سابين" وتبسم
_وإنت يا عبيط؟
نظر إليه بتجهم وأدار وجهه
_عيل رخم بصحيح.
_الله؟ بتفضل تشتمني وأنا بسكت.
_أصل بيليق عليك الشتيمة أوي يا "تيمون".
حرك رأسه بقلة حيلة، قبل أن يأتي شخص رابع ويصيح
_"تيــــام".
ضرب "تيام" رأسه بقلة حيلة، ونظر إلى صديقه، قبل أن يختبئ خلفه ويردف بخوف
_بتدور عليَّ، بتدور عليَّ.
_مين؟
_أمنا الغولة.
ضحك عند ظهور "كيان"، وأومأ بتفهم
_فهمت، "كيان". "كنان" بيشتمك وبيقول عليكي أمنا الغولة.
_والله ما هسيبك يا "كنان" الكلب، حسباك معايا عسير.
_عسير ولا عصير، نهيهيها.
وجد "كنان" ابنة عمه متهجمة، فأردف بتأسف
_آسف.
أمسكت "كيان" أذنه وسحبته خلفها بغضب. أفسح "تيام" لهما الطريق، قبل أن يعتذر من الأشقاء قائلًا
_معلش بقى، لازم أمشي قبل ما تحصل جريمة هنا في المدرسة.
أومأ الشقيقان، وغادرا إلى صفهما. جلس "نادي" في الخلف، وبجانبه "سابين"، وفي الأمام "تيام".
ولج الأستاذ، وبدأ في الشرح، حتى مضت حصة تلو الأخرى، وجاءت استراحة الغذاء.
خرج الشابان من الفصل، وذهبا إلى الكافتيريا يتناولان طعامهما.
جاءت فتاة تتفوه إلى "نادي"
_إزيك يا "نادي"، القلم ده وقع منك.
نظر "نادي" إلى الفتاة، وتبسم بهدوء شاكرًا
_شكرًا يا "قمر".
_العفو، سنة دراسية سعيدة.
_وأياكِ.
رحلت الشقراء، وتركت "نادي" يسرح في أثرها، قبل أن يفيقه "سابين"
_"ناد"، "ناد"؟
_نعم؟ معاك أهو.
_تيجي قبل ما نطلع البيت نشرب عصير؟
_طيب.
نظر "نادي" إلى القلم بعدما أنهى الحديث مع أخيه، ورن الجرس معلنًا انتهاء وقت الاستراحة. وضع القلم في حقيبته، وذهب إلى الخزانة يخرج أدواته للحصة القادمة، ثم ذهبا إلى الصف. جلس "نادي"، ونظر للأستاذ بانتباه عند دخوله مثل أخيه، واستمعا إلى الشرح بتركيز حتى النهاية.
وفي آخر حصتين جاءت معلمة تتبسم لهم وتلقي التحية
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
_أنا "روعة"، وأنا إن شاء الله اللي هديكم مادة اللغة العربية، بتمنى تفهموا مني، وتكون مادة سهلة عليكوا بسببي.
أومأ الطلاب، وبدأت "روعة" شرح مادتها، و"سابين" مركز معها زيادة عن اللزوم، حتى أوقفته فجأة وطلبت منه إعراب كلمة
_الأستاذ اللي قاعد ورا، قوم.
أشار "سابين" إلى نفسه، فأومأت الأستاذة.
وقف "سابين" بحرج، ونظر إليها منتظرًا سؤالها.
_أعرب كلمة "الطلاب".
بدأ "سابين" بالإعراب والتلعثم رغم علمه بالإجابة، قبل أن ينفجر الطلاب بالضحك عليه وهم يرونه كالأخرق.
أخفض رأسه بحرج، ونظر إلى شقيقه.
كاد "نادي" أن يتحدث، قبل أن تتفوه "روعة" بضيق وغضب
_بس، بتضحكوا على إيه؟ قوموا جاوبوا لو تعرفوا.
صمت الطلاب عقب حديثها، قبل أن يرتفع طرف شفة "نادي" بابتسامة رضا.
نظرت الأستاذة له، وتفوهت بابتسامة
_اسمك إيه؟
_"سابين".
_اقعد يا "سابين"، وليك الدرجة كاملة.
نظر إليها بسعادة، ولكنه سريعًا ما أخفض رأسه عندما ارتبك من نظرتها، وجلس بجانب أخيه، و وجنتاه محمرتان.
همس "نادي" بتهكم وهو يرى حالة "سابين" غير الطبيعية
_مالك يا "سابي"؟ هتحب من جديد ولا إيه؟ متنساش إنها أكبر منك يا "سابين" ييجي خمس سنين.
_هممم، مش بحب على فكرة.
رن الجرس مجددًا، وهذه المرة ليعلن عن انتهاء الدوام. خرج الطلاب بانتظام، واستأنف "نادي" باقي حديثه
_عاوز تشتري عصير إيه؟
_موز بلبن.
_حسيت عامةً.
سارا إلى المنزل، وقبل صعودهما أحضر "نادي" و"سابين" عصائر لهما وإلى والدتهما.
صعدا إلى المنزل، وركض "سابين" إلى المطبخ يصيح بحماس مثل الأطفال
_"مامي"، جبنا عصير فراولة بلبن ليكِ.
لم يجد "سابين" والدته، فنظر حوله باستغراب وأردف بحزن
_ماما فين؟
_يمكن في أوضتها.
ذهبا إلى الغرفة، وطرق "نادي" على الباب حتى أذنت لهما والدتهما بالدخول.
ولج الأخوان، فوجدا والدهما يجلس بجانبها ويبتسم إليهما.
اقترب "سابين" كاسبًا العناق الأول من والديه، بينما "نادي" كعادته وقف في الخلف يشاهدهما بحب، وتمنى أن يظلوا هكذا دائمًا.
أعطى "سابين" العصير إلى والدته، واعتذر إلى أبيه لأنه لم يجلب له لعدم علمه بأنه كان هنا.
اقترب "نادي" ببال رائق، وعانق والديه بعدما فرغ "سابين"، وجلسوا على طرف الفراش حول والدتهم.
تنحنح والدهما، ونظر إليهما بصمت قليلًا، قبل أن يقول
_عندي خبر ليكوا يا شباب.
_إيه هو؟
_كلها كام شهر وهيبقى ليكوا أخت أو أخ.
نظر "نادي" بتعجب، وبادر بالسؤال
_هتتبنوا؟
حركت والدتهما "ريم" رأسها بنفي، وأشارت إلى بطنها
_لا، موجود هنا.
ضحك "سابين" ببلاهة، وتفوه
_كلتي النونو ولا إيه؟
نكز "نادي" "سابين"، وتفوه بتهكم
_يا غبي، ماما حامل.
_وه؟! بجد.
يتبع...
________________________________________________________________