السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلاة وسلامًا دائمين على سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد...
أرجو أن تكون قلوبكم بخير، وأن تمضي أيامكم أخف وطأةً مما مضى.
أما أنا... فقد اشتقت... اشتقت شوق من يعرف أن بينه وبين قارئه رباطًا لا تقيسه المسافات ولا تدركه الأسماء.
اشتقت لمن أعرفه، ولمن لا أعرف عنه سوى أنه يفتح الرواية بقلب حاضر، فيقرأ فيسكن، ويتابع فيحيا بين السطور.
ولأن الشوق إذا طال طلب لقاء، عدت إليكم اليوم بفصل خاص... فصل لا يقرأ على عجل، بل يقرأ بقلب واعٍ، هدية محبة، وبوح امتنان.
لم يكن في الحسبان أن أضيف فصلا جديدا، لكن القلب لم يهدأ، وكأن الرواية همست لي:
«ما زال هناك متسع لنبض آخر».
فأدركت أن بعض الأعمال لا تكتمل إلا بقلب ثانٍ، وأن هذه الرواية، بما حملته من حب ومعانٍ ودروس، تستحق فصلا أعمق وأقرب وأكثر دفئا، لا سيما بعد تلك الإضافة الجديدة للعائلة التي لم نحبها لأنها كُتبت، بل لأننا عشناها.
هذا الفصل ليس زيادة صفحات، بل زيادة روح، فإن وجدتم فيه دفئًا فبكم، وإن لامس قلوبكم فلأنه كُتب منها وإليها.
أهلا بكم... ففي هذا الفصل لست وحدي.
قراءة ممتعة غالياتي
........
.
.
.
.
.
"هناك حيث تلتقي الأعين بصمت القلوب، تبدأ قصة أخرى من دفء الحياة"
.
.
قال الله تعالى:
﴿المالُ والبنونَ زينةُ الحياةِ الدنيا﴾
وإذا تجاوزنا ذكر المال، وقد علمنا أنه أساسي للعيش وضرورة البقاء خاصة في وقتنا هذا.
فإن حديث القلب كله ينصرف إلى البنين... إلى تلك الهبة الربانية التي لا تشبهها نعمة.
ففي دنيانا هاته ، لعل أعظم ما تتوق إليه نفس الزوجين بعد عقد واستقرار، أن يرزقهما الله طفلا يملأ أركان البيت حياة، ويغرس في جدرانه دفئا لا يُرى، ويزيد بين قلبيهما ودا على ود.
طفل صغير، لا يملك من الدنيا شيئا، لكنه يمنحها كلها.
قدومه ليس مجرد مولد، بل بعث جديد للفرح،
ضحكته راحة، وبكاؤه وخطواته الأولى بشارة عمر ممتد.
به تزهر الأيام بعد ذبول، ويصير البيت عامرا بالأنس بعد السكون، وتلين القلوب كما تلين الأرض لأول الغيث.
هو زينة لا لأن عينيك تفرحان به فحسب، بل لأن روحك تتطهر عند النظر إليه، ولأنك ترى فيه امتداد دعائك، وأثر رجائك، وسرا من أسرار رحمة الله في الأرض.
...........
كان روانس قد جاوز عتبة الثالثة والثلاثين من عمره بقليل، رجل عُرف بين خاصته بفرط حبه لزوجته في الأعوام الأربعة الأخيرة، وبشغفه الذي لا يفتر بعمله أستاذا جامعيا في الشريعة الإسلامية.
لم يكن علمه حبيس القاعات، ولا دروسه محصورة في الكتب، بل كانت كلماته إذا انسكبت على الأسماع أيقظت الأرواح، وإذا لامست القلوب سكنتها طمأنينة لا توصف.
شهدت له الجامعة بتفانيه، وشهد له طلابه بصدق لهجته كما شهدنا نحن ، حتى صار اسمه مقرونا بالثبات والرزانة.
وكانت زوجته تناديه وفي نداءها سر حب عميق "مستقري"، إذ كانت تجد في قربه سكونا تلجأ إليه النفس إذا أعياها صخب الزمان، في عصر غلبت عليه الشهوات، وتناقص فيه الصدق، وندر الاطمئنان.
في تلك الأمسية الهادئة، جلس روانس على سجادة صلاته، وقد أسدل السكون أجنحته على أركان البيت.
وبجانبه كانت تجلس ابنته الصغيرة جودين، ذات الأربع سنوات ونصف، قطعة من روح أمها، ونبضة من قلب أبيها.
كانت تعانده في حركاته الصغيرة، تقلده حينا وتضحك حينا، لا تدرك من صلاته إلا أنها فعل جميل، يسمى عبادة، تصلنا بالله، فنرفع بعدها الأكف دعاء، فيستجيب ربنا كيف شاء، ومتى شاء.
أتم نافلته بقلب خاشع، ممتن لما فاض عليه من نعم لا تعد، ولا تحصى.
ما إن سلم، أدار رأسه نحو طفلته، فوجدها تحدق فيه بعينين تركوازيتين واسعتين، تشبهان عيني أمها حد الذوبان، نظرة مترقبة كأنها تسأله حديثا دون لفظ.
ضحك بخفة، وقال بصوت تخلله الحنان:
"أترغبين في قصةٍ جديدة من قصص الأنبياء،يا آنسة جود؟"
هزت رأسها بسرعة، وقفزت إلى حجره، تحيط خصره بذراعيها الصغيرتين، وتضع رأسها على صدره كأنها تأوي إلى مأمنها:
"نعم يا أبي... أريد قصة جديدة، جميلة... كما تحكي دائما"
ابتسم روانس ابتسامة امتلأ بها فمه حبا وفخرا، فهو رغم شغبها الطفولي وعنادها المشابه لأخته و أسيد ، كان يلحظ كيف تصغي بكامل جوارحها إذا ما تحدث عن الله، أو عن دينه همس لها مداعبا:
"تشبهين عمّتك كثيرا يا جود... كانت مثلك تمامًا،مشاغبة و كثيرة العناد و مصغية مركزة إن أتى ذكر الإسلام"
قهقهت بخفة، ورفعت يدها الصغيرة تشد على خدّيه:
"لا... أنا أشبه أمي يا أبي، لا عمّتي فعيناني و جمالي مثلها"
ضحك وهو ينقر أنفها بإصبعه:
"تشبهينها، تشبهين وتيني في الشكل و الروح... يا قرة عين أبيك، لكنك أيضا تأخذين من صفات عمتك ليا"
مسح على شعرها الأشقر، الذي ورثته عنه، وقال بصوت وادع:
"حسنًا... سنحكي الليلة قصة نبي الله أيوب عليه السلام"
سكنت حركاتها، وأراحت رأسها على صدره، وكأنها أغلقت أبواب العالم لتفتح أبواب الإصغاء.
فبدأ حديثه، وصوته ينساب هادئا:
"كان نبي الله أيوب عليه السلام، يا ابنتي، مضرب المثل في الصبر والثبات، وحسن الظن بالله، كان عبدا صالحا، كثير الشكر، واسع الرزق... أنعم الله عليه بالمال، والذرية، والصحة"
توقف لحظة، كأنه يزن كلماته، فشدت على يده بخفة، فأكمل:
"لكن الله سبحانه، أراد أن يرفع درجته، ويجعله عبرة لعباده، فابتلاه ابتلاءً شديدا"
رفعت جودين رأسها فجأة:
"ما هو الابتلاء يا بابا؟"
ابتسم وعدّل جلستها في حجره، ومسح على خصلاتها:
"الابتلاء يا جود، هو امتحان من الله لعباده، ليظهر صدق إيمانهم، ويهذب نفوسهم، ويرفع درجاتهم، ويكفر عنهم سيئاتهم"
قالت ببراءة:
"يعني أن الله يمتحننا... حتى يكافئنا على صبرنا؟"
هز رأسه مبتسما:
"نعم يا ابنتي... إن الله يبتلينا لأنه يحبنا"
ابتسمت وهمست:
"أكمِل يا مستقرنا"
ضحك بخفة على اللقب الذي تشاركته مع ميساء،ثم تابع:
"فقد أيوب عليه السلام ماله كله، ثم أولاده، ثم ابتُلي بمرض شديد طال سنين طويلة"
شهقت تقول:
"هذا كثير جدا يا بابا... كيف تحمل؟"
إبتسم روانس ثم قال بحنو:
"لأنه كان يعرف ربه... لم يسخط، ولم يجزع، ولم يتغير إيمانه... بل صبر واحتسب، وذكر الله في كل حال، حتى قال الله عنه:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾."
ثم أردف، وصوته ازداد خشوعا:
"وحين اشتد البلاء، توجه إلى ربه بدعاء عظيم، ملؤه الأدب واليقين، فلم يشتكِ، بل قال:
﴿إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾"
غاص في القصة أكثر:
"فاستجاب الله له، وأمره أن يغتسل بماء أنبعه له ويشرب منه، فشفاه، ورد إليه صحته وقوته، وأعاد له أهله وماله، وزاده فضلا ورحمة:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ...﴾"
ثم همس، كأنه يخاطب روحها لا أذنها:
"العبرة يا جود... أن البلاء ليس دليل غضب، وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن الدعاء بأدب ويقين لا يضيع أبدا"
فلما فرغ، أنزل بصره إليها... فإذا بها قد غفت، وغرقت في نوم عميق، وملامحها ساكنة كأنها قطعة سلام.
ابتسم، ومسح على شعرها للمرة الأخيرة، وفي تلك اللحظة اقتربت ميساء، كانت واقفة عند الباب، تراقبهما بنظرة يغمرها الحب والرضا.
حمل روانس طفلته برفق، ومشى بها إلى سريرهما، وضع جسدها الصغير بينهما، فانحنت ميساء، وقبلت جبينها بحب صامت، وكأن الدعاء قد سبق الكلمات.
ما إن استقامت واقفة واستقام هو قبالتها بعد أن أتمت تغطيتها حتى دنا منها، وانحنى يقبل جبهتها قبلة دافئة، كأنما يسكب فيها طمأنينته قبل شفتيه، ثم قال بصوت مغموس بالحنان:
" كيف حالك الآن؟ أترى الغثيان قد ذهب عنك؟"
أومأت برأسها كإجابة، وأسندت جبينها إلى صدره، تعانق خصره كمن يلجأ إلى مأواه الأخير، فمرر أصابعه على خصلات شعرها الأسود مرة بعد مرة، كأنما يهدئ نبضه قبل نبضها، وقال مبتسما:
"يبدو أن هذا الصغير المشاغب القابع في رحمك قد أرهقك أكثر مما فعلت جودين يا وتيني... أرجو فقط ألا يرث عنها شغبها كله"
كانت ميساء في شهرها الخامس، وقد علمت هي وروانس أن الجنين ذكر.
عندما علما بالحمل كانت فرحة نقية حلت عليهما، تشبه فرحة الأمهات في أول العهد بالأمومة، غير أن فرحة روانس كانت أوسع صوتا، إذ لم يجد لها مخرجا سوى أن يطوف في أرجاء البيت هاتفا، يعلن للحيطان والسقف والأبواب أنه سيغدو أبًا للمرة الثانية.
ضحكت ميساء ضحكة خافتة، وقالت وهي ترفع بصرها إليه:
"شغبها أمر طبيعي في هذا العمر، فهي لا تزال طفلة، والطفولة لا تعرف السكون"
تنفس بعمق، وكأن في صدره زفرة خوف لا ضيق، ثم قال:
"أعلم ذلك، غير أن التعب يتسلل إلي رغم يقيني.
في الأسبوع الماضي جرحت يدها، ثم سقطت فخدشت قدمها، وضربت رأسها، وأخيرا هوت من على الكرسي لكثرة حركتها... صرت أخشى أن تستحيل هذه الحيوية مصيبة لا تحتمل"
ضحكت ميساء ثانية، وفي ضحكتها رفق وطمأنة، وقالت:
"لا تقلق، حين تكبر سيأتيها الهدوء، وستشتاق أنت إلى هذه الفوضى الجميلة... ثم إن الله حاميها"
ابتسم، وأبعدها عنه قليلا ليتأمل وجهها، ثم قبض على يدها برفق، واتجه بها خارج الغرفة، وقال:
"هلمي، كلي شيئا لتتمكني من شرب دوائك"
أومأت مبتسمة، وسارا معا نحو المطبخ، تتكئ على حضوره كما يتكئ المسافر على ظلال النخل، ثم قالت على مهل:
"غدا سيأتي أسيد وسيف مع زوجتيهما"
أومأ برأسه متفهما، وبقي صامتا لحظة، كأن في صدره ترتيبا لمشهد الغد، حتى بلغا المطبخ.
جلست ميساء لتتناول شيئا من الطعام، وهو بقربها، يراقبها بعين لا تعرف إلا الحب، وفي قلبه يقين أن هذا البيت، وإن ضج بشغب الأطفال وتعب الأيام، سيظل عامرا بالسكينة ما دامت الأرواح فيه متساندة.
..............
"رافِد"
صدح اسمه من فمِ لِيا صرخة شقت سكون الدار، فارتجت الجدران كأنها شهدت على فِعل جلل.
كان الصبي قد آوى إلى الصالون، متدثرا بالغطاء، منكمشا فوق الأريكة كعصفور بللته الأمطار، يلوذ بصمته اتقاء عاصفة يعرف ملامحها بعد تلك الصرخة.
وفي الغرفة الأخرى، كان أسيد غارقا في نوم ثقيل، نومِ من أضناه الكد وسهر يومين متتابعين، فما إن اخترقت الصرخة أذنه حتى انتفض مذعورا، فاختل توازنه وسقط إلى الأرض سقوط جعله يطلق أنينا خافتا متألما.
لم تمضِ إلا لحظة وكانت كافية حتى عاد إليه وعيه، فمرر كفه على وجهه، يلتقط أنفاسه، ويهمس باستغفار كمن يستعيذ من توالي البلايا.
نهض متثاقلا، وقد بان على ملامحه أثر السهر والإرهاق، ثم قال بصوت امتزج فيه الأسى بالعتاب، والحنان بالضجر:
"يا إلهي... يا رافِد، ما الذي صنعتَه هذه المرة؟"
كان صوته أشبه بنداء قديم، يحمل في طياته شفقة القلب وعتاب الأب علىشغب ولده ، كأنه يسأل الفعل قبل الفاعل، ويبحث في أرجاء البيت عن سبب جديد للفوضى التي اعتادت أن تسبق اسم الصبي.
تقدّم أسيد نحو الصالون بخطى واثقة، لا خوف فيها ولا تردد، فقد أدرك من حدة صوت ليا أن الأمر مهما عَظم
لن يخرج عن حدود شقاوة يعرفها في رافد حق المعرفة.
كانت ليّا واقفة هناك، شامخة كعادتها، الغضب يكسو ملامحها دون أن يطمس دفء قلبها.
مرِحةٌ في أصلها، عنيدة في رأيها، وإذا غضبت اشتد غضبها حتى يظن المرء أن لا سبيل إلى مصالحتها، غير أن الحنان يسكنها سكنا لا يغادر كما عهدناها دائما.
أشارت بيدها إلى طرف غرفة الجلوس، وقالت بلهجة حازمة لا تخلو من انفعال:
"أنظر بعينك يا أسيد... لم يكتفِ باللعب، بل حطم المزهرية التي كانت عند النافذة، ثم جعل من حائط غرفة الجلوس لوحة للفوضى، ألوان هنا وهناك، كأن الجدار صفحة بيضاء بين يدي فنان لا يعرف حدا!"
مال أسيد برأسه قليلا، وتقدم يتفحص آثار الفعلة، فإذا بشظايا المزهرية متناثرة على الأرض، والتربة مبعثرة، وعلى الحائط خطوط متداخلة من ألوان زاهية، عشوائية في ظاهرها، لكنها تشي بطفل لم يعرف من الدنيا سوى اللعب والاكتشاف.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، تلك التي تجمع بين مرح لا ينكره، وعنادٍ لا يقل عن عناد ليا، وحنان يسبق حكمه.
قال وهو يرمي عينه لمكان إختباء رافد بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:
"يبدو أن رافد قرر أن يكون رساما هذا الصباح... وإن كانت أدواته ومكانه غير مناسبين"
التفتت إليه ليا بعينين تقدحان عتابا، وقالت:
"أتمزح يا أسيد؟ هذا بيت، لا مرسم! والانضباط لا يُؤجل كل مرة بحجة الطفولة"
خرج رافد من مخبأه، لا خوفا ولا اختباء هذه المرة، بل بخطوات صغيرة مترددة، وقد تلونت أصابعه ببقايا الأصباغ.
وقف بينهما، ينظر تارة إلى أمه، وتارة إلى أبيه، كمن ينتظر الحكم.
انحنى أسيد قليلا حتى صار بمستوى عينيه، وقال بصوت دافئ حازم:
"يا رافد، اللعب جميل، والرسم أجمل... لكن لكل شيء موضعه... المزهرية لم تُصنع لتكسرها، والجدار ليس دفتر ألوان"
شدت ليا على ذراعها، وكأنها تكبح اندفاع غضبها، ثم قالت بصوت أقل حدة، وإن ظل صارما:
"أغضب لأنني أريدك أن تتعلم، لا لأنني لا أحبك"
ابتسم أسيد وهو يتأمل المشهد بعين اعتادت أن ترى الفوضى لعبة مؤقتة لا كارثة.
مسح بيده على رأسه ثم قال، وقد اتخذ نبرة مرحة كعادته، كأنّه عازم على تحويل الغضب إلى ضحكة، والشدة إلى خفة:
"حسنا... لدينا مزهرية تحولت إلى قطعٍ فنية، وحائط صار معرضا تشكيليا! ينقصنا فقط لافتة تقول: يُمنع اللمس"
رمقته ليّا بنظرة حادة، وفيها من العتاب أكثر مما فيها من الغضب، وقالت:
"أسيد، لا تجعل الأمر مزاحا، الولد يحتاج أن يتعلم"
ضحك بخفوت، ثم رفع يديه مستسلما، وقال:
"وأنا أعلمه يا ليا... لكن بطريقتي، ألم تقولي إن القلب إذا ضحك فهم قبل أن يعاند؟"
ثم التفت إلى رافد، وقد جلس القرفصاء قرب شظايا المزهرية، وقال بصوت مفعم بالمرح:
"اسمع يا بطل، هذه المزهرية كانت تعتقد نفسها خالدة، فجئت أنت لتُثبت لها أن كل شيء زائل!"
كتمت ليا ضحكة كادت تفلت منها، فشدت على شفتيها عنادا، غير أن عينيها خانتاها.
اقترب أسيد أكثر، وأشار إلى الحائط الملون:
"أما هذا... فأظن أن الحائط لم يشكُ، بل استمتع قليلا بالألوان بعد سنوات من الملل"
قال رافد بحماس طفولي:
"كنتُ أرسم شمسا يا أبي... لكنها كبرت!"
صفق أسيد ضاحكا وقال:
"وهل للشمس حد؟ إذا أنت رسام عظيم، لكن العظماء يرسمون على الورق، لا على جدران أمهاتهم"
زفرت ليا زفرة طويلة، ثم قالت، وقد لان صوتها رغما عنها:
"عنادك هذا سيقتلني يوما يا أسيد"
اقترب منها، وهمس وهو يبتسم:
"وأنتِ عنادك يُكمل عنادي... لولاكِ لاحترق البيت ضحكا، ولولاي لاحترق غضبا"
ثم جمع شظايا المزهرية وهو يدندن لحنا خفيفا، وأعطى رافد قطعة قماش، قائلا:
"هيا يا فنّان، تنظيف المعرض جزء من العمل"
هز رافد رأسه بحماسة، فيما وقفت ليا تراقبهما، وقد غلب حنانها غضبها، لتدرك كما في كل مرة أن أسيد قادر على أن يجعل من أبسط الفوضى ضحكة... دون أن يضيع المعنى.
ابتسمت لِيا ابتسامة دافئة، تشبه تلك التي تولد من رحم الألفة، ثم مالت بجسدها نحو الخارج وهي تقول بنبرة مازحة:
"حسنا يا سيد رفرف، ويا أسيد... سأمضي لأعد العشاء"
وما إن انفرجت كلماتها عن شفتيها، حتى سبقها صوتان في آن واحد، كأن بينهما عهدا خفيّا على المشاكسة.
قال رافد بضحك طفوليّ بريء:
"إياك أن تحرقي المطبخ يا أمي!"
وأردف أسيد، بعينين تلمعان حبّا ومزاحا:
"بل إياكِ أن تحرقي البيت يا فتنتي العنيدة!"
تجمدت ليا لحظة، وانعقد حاجباها امتعاضا، كأنها تستجمع سخطا لا يقصد به إلا الضحك، ثم ما لبثت أن انفجرت ضحكتها، ضحكة صافية رقراقة، تشبه نغمة بيت يعرف الطمأنينة ولا يهاب الفوضى الجميلة.
هزت رأسها في استسلام محبب، وتابعت سيرها نحو المطبخ، وقد انسدل ضوؤها في أرجاء البيت دفئا ومرحا، كأن حضورها وحده كفيل بأن يشعل المواقد ويطفئ كل خوف.
كانت خطواتها خفيفة، وفي قلبها يقين أن هذا الضجيج الصغير، وهذه السخرية المغموسة بالمحبة، ليست إلا صورة من صور النعمة التي يحمد الله على وجودها ... وحياة تعاش بحب و مرح.
.............
جلس في المسجد بعد أن فرغ من صلاة المغرب، يحمل بين يديه مصحفا قد تلا قليلا مما تيسر له من كلام ربه، كأنه يلتقط من كل حرف نورا يضيء قلبه.
وفي الجانب المقابل يجلس ابنه ريان، عيونه تلمع فضولا واهتماما، كأن قلبه صغير ولكنه صافي، يستمع لكل كلمة تنساب من والده.
وما إن فرغ من تلاوته، حتى سمع صوته العذب يخترق صمت المسجد، يقول:
"أبي... قد قرأت آية تقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، ما معناها يا أبي؟"
ابتسم سيف على كلمات ولده، وقد ارتعشت مشاعره بين الفخر والحنان، فأحس أن قلبه يموج بدفء الأبوة.
قال له بصوت هادئ مليء بالسكينة والحكمة:
"نعم يا بني، إنها الآية السادسة والأربعون من سورة الحج، ومعناها جميل بقدر ما هو مؤلم.
دعني أحكي لك أسرارها..."
سكت قليلا، وارتسمت على وجهه علامات التأمل، كأنه يغوص في بحور معانيها، ثم أشار إلى ريان بالاقتراب منه، وحمله على حجره، كطفل صغير يتفتح أمامه فهم العالم.
"إن الله جل وعلا يبين لنا في هذه الآية أن العمى الحقيقي ليس ما يكون في أعيننا، تلك التي ترى الأشياء المادية، بل العمى الحقيقي هو ما يسكن القلوب...
قلوب البشر، يا ريان"
مرر يده بحنان على رأس ابنه، وكأن لمسة الأب تحمل معها نور الحكمة، ثم أكمل:
"هناك قلوب لا تبصر الحق، وتغفل عن هدى الله، وقد يرى الإنسان بعينيه كل شيء حوله، لكنه يظل أعمى عن الحق، غافلا عن الطريق الذي يريده الله لعباده...
القلب، يا بني، ليس مجرد عضو ينبض في الصدر، بل هو مركز إدراكك، وضميرك، وروحك...
هو منارة الإيمان والتقوى والوعي"
صمت قليلا، كأنه يراقب ريان يستوعب الكلام، وما إن رأى الولد يرفع حاجبيه باندهاش، حتى قال له ريان بصوت صغير:
"وماذا يحدث لمن يتجاهل هدى الله يا أبي؟"
ابتسم سيف مرة أخرى، وقبل فروة رأس ابنه بحنان، فذكاؤه وفطنته أسر قلبه، وأحس بسعادة غامرة، ثم قال بهدوء شديد، كأن كلماته شمعة تنير قلب الصغير:
"الإنسان الذي يغفل عن هدى الله، ويغرق في المعصية أو اللهو بالدنيا، يعيش حالة عمى داخلي...
يرى بعينيه العالم كله، لكنه لا يبصر الحقائق الروحية، ولا يميز بين الحق والباطل... حتى لو بدت له الحياة واضحة، يبقى قلبه في الظلام"
أومأ ريان برأسه، كأنه فهم ما قصد والده، ثم سأل:
"وما الهدف من هذه الآية يا أبي؟"
ابتسم سيف ابتسامة دافئة، ونظر إلى وجه ابنه الصغير، وقال:
"الهدف من هذه الآية، يا عيني والدك،
تذكيرنا بأن التفكر والإيمان الحقيقي ينبع من القلب، وأن رؤية الحق والهداية لا تعتمد على العين وحدها، بل على قلب صافي، مستنار بالإيمان، مستنير بالوعي والتقوى... فكل ما نراه بعيننا قد يغشانا، ولكن قلب الإنسان إذا أضاءه الله بالهداية، فلا يعمى أبدا"
ظل سيف يحمل ابنه بين ذراعيه، يراقب صمت المسجد، وقد عمت روحهما مشاعر الخشوع والسكينة.
مرت لحظة وجيزة، كنسمة خفية تداعب أصابع الزمن، حتى نهض سيف ممسكا بيد ريان الصغيرة، وارتسم على وجهه ابتسامة دافئة، تفيض حبّا وحنانا، وقال بصوت يختلط فيه الرقة بالعاطفة:
"لنعد إلى منزلنا قبل أن يغضب قلب والدتك من تأخرنا"
ضحك ريان ضحكته التي تشبه قطرات الندى على أوراق الفجر، ضحكة تأسر القلوب وتذيبها، وقال ببراءة طفولية:
"حسنا يا أبي... لا نريد أن تغضب منيتك"
ابتسم سيف، وهو يربت على رأسه برقة والحرص يلمع في عينيه، ثم ساعدها على ارتداء حذائها، وخرج الاثنان من المسجد يدا بيد، كأنهما ينسجان طريق العودة بخيوط من نور وحب صاف.
لم تمض سوى لحظات، لم تتجاوز العشر دقائق، حتى وجدا نفسيهما أمام بوابة المنزل، وركن سيف السيارة بعناية، ثم ترجل ممسكا بيد ريان.
ما إن أدخل المفتاح في القفل ودار الباب، حتى انفجرت داخل البيت صرخة حادة للبكاء مزقت صمت المساء، جمعت بين الغضب والغيرة، فانزلق الأب وفلذة كبده في زفير واحد، وارتجف قلباهما كما لو كانا يشعران بكل خفقة من مشاعر الصغيرة.
قالا معا، بصوت يجمع بين التعجب والاعتراف بالعادات الطفولية:
"أوه... الغيرة المعتادة! وروان قد فعلتها من جديد!"
وما إن أتما كلماتهما حتى شق صراخ آخز أشد وطئا، لا يحمل فزعا بقدر ما يحمل دلالا معتادا، تتخلله نبرة عناد صغير لا تخفى على من ألفه:
"روان، بالله عليكِ... اصمتي قليلًا ! رأسي سينفجر يا إبنتي"
كانت الكلمات خارجة من هالة بلهجة يغلبها الإرهاق لا الغضب، ضيق هادئ يشبه تنهيدة طويلة أكثر مما يشبه الألم و الغضب.
تبادل سيف والأصغر نظرة سريعة، ثم أسرعا نحو المطبخ، لا بدافع الخوف، بل بدافع الفضول لما حدث مرة أخرى.
هناك، بان المشهد على حقيقته.
روان كانت جالسة على الأرض قرب الثلاجة، ساقاها ممدودتان، ودموعها تنساب بسخاء، بكاء مرتفع الصوت، سريع الانقطاع، لا يخلو من التفاتٍ خفي، تنتظر فيه أن يُلتفت إليها.
كان وجهها عابسا، شفتيها مزمومتين،شعرها الأسود القصير مبعثر ، وصوتها يعلو كلما شعرت أن لا أحد يمنحها ما تريد، دلال طفولي صرف، لا أكثر.
أما هالة، فكانت تقف أمام الموقد، تقلب الخضار في المقلاة بحركات حفظتها عن ظهر قلب...
وضعت إحدى يديها على أذنها، لا لتصد صوتا مفزعا، بل لتخفف وطأة الضجيج المتكرر الذي ألفته منذ عدة أشهر.
لم تكن منهارة، ولا غارقة في ألم عظيم، لكنها متعبة... تعب الأمهات الصامت، ذلك الذي لا يطلب شفقة ولا يرفع راية الشكوى.
كانت ملامحها هادئة في ظاهرها، غير أن حساسيتها كانت تفضحها، دمعة صغيرة علقت عند طرف عينها، لا تسيل ولا تمسح، كأنها اعتراف صامت بأن الصبر وإن اعتاده المرء يظل يرهق القلب.
وقف سيف وبجانبه ريان يتأملان المشهد، لا ذهول فيه ولا فزع، بل إدراك سريع لما يجري.
مال سيف قليلا نحو ابنه، وابتسامة خفيفة شقت ملامحه وهو يهمس بنبرةٍ مازحة تخفف حدة الجو:
"اذهب أنت لروان يا بني، دللها قليلا حتى تهدأ.. إنها تستمع لك.. أمك متعبة"
كانت عبارته تحمل لطفا خفيا، يعرف به أن هالة ليست غاضبة بقدر ما هي حساسة ومتعبة من تكرار المشهد.
تنفس ريان بعمق كأنه أكبر من أخته بسنين وليس توأمها، ثم أومأ برأسه متجها نحو أخته.
اقترب منها بخفة، وجثا على ركبتيه أمامها، محدقا في عينيها المتورمتين من كثرة البكاء.
قال بصوت هادئ، مزيج من حنان وألفة يعرفها جيدا:
"روان... ما بكِ الآن؟ قولي لي، ماذا تريدين؟"
كان صوته كافيا ليكسر حدة البكاء، لا لأنه حمل حزنا، بل لأنه حمل اهتماما... وذلك كل ما كانت تحتاجه روان في تلك اللحظة.
مسحت روان دموعها بطرف كُمها، لا لأنها هدأت تماما، بل لأنها شعرت أن المسرح بات مُهيأ للإصغاء. شهقت شهقة صغيرة، ثم أشارت بيدها نحو الموقد وهي تقول بصوت متقطع، يختلط فيه العتب بالدلال:
"أردتُ أن أُقلّب الخُضَر... هي لا تسمح لي"
لم تحتج هالة إلى شرح طويل، فقط التفتت قليلا، ونظرت إليهما بنظرة أم تعرف أبناءها أكثر مما يعرفون أنفسهم، وقالت بنبرة ثابتة لا تخلو من الحزم الرؤوف:
"المقلاة ساخنة يا روان، وستحرقين يدك... قلت لكِ انتظري"
لم يكن في صوتها قسوة، ولا في موقفها ظلم، بل حرص صريح، ذاك الحرص الذي لا تراه الطفولة إلا حرمانا مؤقتا.
أطرق ريان رأسه لحظة، ثم عاد ينظر إلى توأمته، وقد بدا عليه أنه فهم أكثر مما قالت.
مد يده وربت على كتفها برفق، وقال مبتسما ابتسامة أخٍ يعرف طباع أخته:
"أمي لم تمنعكِ لأنها لا تحبك، بل لأنها تخاف عليك"
لكن البكاء لم يكن وليد تلك اللحظة وحدها، ولم تكن المقلاة سوى ذريعة صغيرة لشيءٍ أعمق.
فقد تغيرت روان منذ قرابة ثلاثة أشهر، صارت دموعها سريعة، صوتها عاليا، وأكثر تعلقا بالنظر والاهتمام.
دلالها لم يكن عادة قديمة، بل لغة جديدة استحدثتها حين شعرت أن شيئا ما قد تغير في عالمها الصغير.
فمنذ أن جاءت أختها الصغرى إلى الحياة، تلك الطفلة التي لم يتجاوز عمرها الستة أشهر، تغير ميزان الاهتمام في نظر روان.
صارت ترى الأذرع تُمد كثيرا نحو غيرها، والهمسات تُقال لطفلة لا تفهم، والابتسامات تُمنح لوجه نائم.
وكانت تلك الصغيرة، في هذه اللحظة تحديدا، نائمة بهدوء في الغرفة المجاورة، لا تعلم شيئا عن الضجيج الذي تدور أسبابه حولها.
تنفس سيف بعمق، وقد أدرك الأمر دون أن يقال.
اقترب من هالة قليلا مسح دمعتها التي نزلت و قبل جبينها بحب ، وألقى نظرة سريعة من باب المطبخ
نحو جهة الغرفة حيث تنام الصغيرة يتأكد من أنها لا تبكي، ثم عاد ببصره إلى روان، وقال بصوت دافئ يحمل وعي الأب وحكمة التجربة:
"أحيانا يا روان، نبكي لا لأننا نريد شيئا... بل لأننا نريد أن نشعر أننا ما زلنا مهمّين"
لم تفهم روان الكلمات على معناها الكامل، لكنها فهمت نبرتها.
خف صوت بكائها شيئا فشيئا، وتعلقت عيناها بوالدها، ثم بأمها، كأنها تبحث عن تأكيد صامت.
اقتربت هالة منها أخيرا، انحنت قليلا، ومسحت على شعرها بحركةٍ معتادة، وقالت بهدوءٍ صادق:
"أنتِ ابنتي الكبيرة... ولا شيء يغير ذلك"
لم تنته الدموع تماما، لكنها فقدت حدتها، واستقرت في حدودها الطبيعية.
أما روان، فقد وجدت ما كانت تبحث عنه منذ البداية: نظرة، كلمة، ولمسة... تعيد إليها يقينها بأنها لا تزال في القلب، كما كانت.
وما كادت الأجواء تستقر، ويخفت صوت روان إلى أنفاس متقطعة، حتى علا فجأة بكاء رقيق من الغرفة المجاورة، بكاء قصير لكنه نافذ، كخيط ضوء يشق سكون البيت.
كان صوت الطفلة الصغيرة... براءة.
زفرت هالة زفرة مسموعة، لا ضيقا بل زفرة من اعتاد تنقل القلب بين طفل وآخر دون توقف.
تبعتها زفرة أخرى من سيف، تشبه ابتسامة صامتة.
التفت سيف نحو هالة وقال بنبرة هادئة تحمل طمأنة صريحة:
"دعيها... أنا سأتفقد براءة"
ثم اتجه بخطوات واثقة نحو الغرفة، وقد خفف وقع قدميه كأن الأرض نفسها صارت تستمع.
فتح الباب بهدوء، فكان المشهد مختلفا تماما عن ضجيج المطبخ، براءة في سريرها الصغير، تتحرك باضطراب، ويداها الصغيرتان تلوّحان في الهواء، وبكاؤها لا يحمل عنادا ولا دلالا، بل حاجة صافية لا تعرف التعبير إلا بالصوت.
انحنى سيف عليها، وابتسامة دافئة ارتسمت على محياه، وحملها بين ذراعيه برفق شديد، كأنها قطعة زجاج رقيقة يخشى أن تنكسر.
ما إن شعرت بقربه حتى خف بكاؤها قليلا، واستقر رأسها الصغير على صدره، تتشبث بثوبه بقبضة غريزية.
وفي الخارج، كانت روان تراقب المشهد من بعيد، بصمت غير معتاد، وقد بدأت تفهم ولو بحدس الطفولة أن القلوب قد تتسع لأكثر من حب، وأن الاهتمام لا يُنتزع، بل يتقاسم.
..............
كان جالسا في مكتبه، تحيط به الأوراق كما تحيط الأفكار برأس مثقل بشيء من الصمت، يُقلب بعض الأمور على مهل، وعيناه تسرحان أحيانا.
وفي الجهة الأخرى من البيت، كانت هي في المطبخ، يداها لا تهدآن، تُعد الطعام بعناية تشبه عنايتها بقلوب من تحب، ضيافة لأخويها وصديقتيها، وكأن كل طبق تضعه على النار يحمل شيئا من الشوق والحنين.
وما هي إلا لحظات، حتى شق سكون البيت صوت الباب، أعقبه صوت طفولي صادح، يفيض بالحماس والفرح:
"أمي! أمي! الباب... الباب!"
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتي ميس ثم اتجهت نحو الباب، غير أن جودين سبقتها بخطوات متعجلة.
نادتها ميس بنبرة تجمع الحنان والحزم:
"لا تركضي يا جود، تمهلي ولا تتسرعي"
ما إن فُتح الباب، حتى بدت أمامها صورة مألوفة، لكنها محببة إلى القلب، أسيد وليا، يشدان على يد رافد، وما إن وقعت عيناه الصغيرتان على ميس حتى أفلت يديهما دفعة واحدة، وانطلق نحوها كالسهم، يعانقها بشوق كأنه عاب شهور وهو لم يرها إلا منذ أسبوع فقط ، وهو يقول بصوت مفعمٍ بالفرح:
"عمتي! اشتقت لكِ كثيرا... كثيرا جدا!"
ضحكت ميس ضحكة صافية، فانحنت ببطء من ثقل بطنها الظاهر، لتكون على مستواه، تحت أنظار الثنائي، ونظرات جودين التي وقفت مكتوفة اليدين، عابسة الشفتين، يعلو وجهها ظل غيرة طفولية بريئة، كأن قلبها الصغير يخشى أن يُزاح عن مكانه.
طبعت ميس قبلة حانية على خد رافد، وقالت بصوت يفيض حبّا:
"وأنا اشتقت لك يا حبيب عمتك... حيّاك الله.
ادخل، اذهب إلى جود"
أومأ رافد برأسه، وتجاوزها بخطوات واثقة لطفل صغير، حتى وقف أمام تلك العابسة الصغيرة، وقال بمزاح لطيف:
"ولِمَ هذا العبوس، أيتها الآنسة الغيورة؟"
ضحكت ميس وهي تنهض على مهل، ثم تقدمت لتعانق أخاها، كأنها تعوض به غياب الأيام، وقالت:
"كيف حالك يا أخي؟"
ابتسم أسيد وربت على ظهرها، مجيبا بنبرة مازحة تخفي محبة صادقة:
"بخير يا مشعوذة... وأنت والصغير، كيف حالكما؟"
ضحكت بخفة، ثم خرجت من حضنه لتعانق ليا، قائلة بلطف صادق:
"أنا وهو بخير، والحمد لله... وأنت كيف حالك يا عزيزتي ليا؟"
ابتسمت ليا ابتسامة مشوبة بتنهيدة، وقالت وهي ترفع حاجبيها:
"بخير... رغم أن أخاكِ قد رفع ضغطي هو وابنه معا"
وقبل أن يكتمل الحديث، علا فجأة صراخ رافد، إذ كانت جودين قد أمسكت بشعره تشده بتذمر طفولي، وهي تقول بحدة بريئة:
"لا تقترب من أمي يا رفرف! من الآن فصاعدا!"
زفرت ميس زفرة طويلة، ثم اقتربت منهما، تفك رافد من قبضة ابنتها، وقالت بنبرة تحذير ممزوجة بالحب:
"جود، هل تريدين أن أغضب منك؟ هيا، اعتذري من ابن خالك"
عبست جودين قليلا، ثم قالت على مضض وهي تطأطئ رأسها:
"حسنا يا أمي، لا تغضبي... أنا آسفة يا رفرف"
هزّ رفرف رأسه بعدم إقتناع، ثم التفت إلى عمته بعينين لامعتين، وسأل بفضول صادق:
"أين خالي رون يا عمتي؟"
أشارت ميس بيدها نحو المكتب، فما كان منه إلا أن انطلق راكضا، وتبعته جودين كظله، وكالعادة...
مشادة صغيرة ستنتهي، إما بمراضاة لطيفة من رافد لجودين، أو ببكاء حاد منها، يملأ البيت صخبا، ثم يذوب سريعا في حضن أب يعرف كيف يعيد الطمأنينة إلى قلب طفل.
بعد مرور ساعتين كاملتين، كان البيت قد استعاد شيئا من سكينته بعد صخب الغداء وضحكات الأطفال.
ها هم الرجال جالسون في الصالون، يتبادلون أطراف الحديث بعد أن فرغوا من الطعام وأدوا صلاة الظهر، وقد خيم على المجلس شعور بالطمأنينة، كأن الوقت توقف احتراما لتلك اللحظات العائلية الدافئة.
أما النساء، فقد اجتمعن في الغرفة الثانية المهيأة للضيوف، حيث الأرائك المصفوفة بعناية، والستائر التي تتسلل من خلالها أشعة شمس خفيفة، تلقي دفئا رقيقا على المكان.
كانت الأحاديث تتشابك بينهن، ضحكات وهمسات وذكريات قديمة، لا يخلو حديث منها من حنين أو دعابة.
وفي الجهة المقابلة، كان الأطفال.. روان، وريان، ورافد، وجودين.. يجلسون في صف واحد أمام شاشة التلفاز، كأنهم جنود صغار في معسكر، تتعلق أعينهم بالبرنامج الذي يُعرض، وهو برنامج تعليمي بسيط، يُعرفهم بأركان الإيمان والإسلام، ويغرس في قلوبهم الصغيرة معاني يسهل عليهم تقبلها وفهمها في مثل سنهم.
كانت أصواتهم قد خفتت، وحل محلها إنصات بريء، لا يشوبه إلا همس عابر أو ضحكة مكتومة.
في غرفة النساء، جلست ميس تتوسط المجلس، وبين ذراعيها براءة الصغيرة، نائمة نوما عميقا، وكأنها سلمت نفسها للأمان.
بدت الطفلة نسخة مصغرة من عمتها، شعرها أسود فاحم، ينسدل بنعومة، وعيناها التركوازيتان وإن كانتا مغمضتين تحملان وعدا بالجمال الذي تحت جفونهما.
في مواجهتها، جلست ليا إلى جانب هالة، وما هي إلا لحظات حتى قطعت ليا سكون الحديث قائلة بنبرة تمزج المزاح بالفضول:
"أخبريني يا ميس، هل انتهى وحمكِ الغريب كعادته أم لا يزال يرهقك؟"
رفعت ميساء نظراتها إليهما، ثم زمت شفتيها محاولة كبح ضحكة كادت تفلت منها، قبل أن تقول وهي تهز رأسها بيأس لطيف:
"أظن أن روانس سيجن قريبا..."
رفعت ليا حاجبها بدهشة ظاهرة، بينما سألت هالة بخفة مشوبة بالترقب:
"وماذا هذه المرة؟ أي غرابة اشتهيتها؟"
هزت ليا رأسها موافقة، وكأنها تستعد لسماع أمر عجيب، فضحكت ميساء ضحكة قصيرة، ثم قالت:
"توحمتُ على... الصابون"
توسعت أعين الاثنتين في آنٍ واحد، وقالتا بصوت واحد مدهوش:
"يا إلهي! هل... أكلتِه؟"
هزت ميس رأسها نافضة هذا الظن، وقد علا وجهها شيء من العبوس المضحك:
"لا... روانس، ما إن سمعني، حتى جمع كل الصابون في البيت، وحمله وأخفاه في مكان لا أعرفه إلى الآن"
تنفست ليا وهالة الصعداء، وقالتا معا:
"الحمد لله!"
وفي تلك اللحظة، تزامن الحديث مع بكاء خافت انبعث من بين ذراعي ميس، إذ استيقظت براءة، فهزتها بخفة، تضمها إلى صدرها، وقالت هالة بنبرة حانية:
"هذه الصغيرة... أشعر أنها ستكون نسخةً أخرى منك لا محالة"
ضحكت الصديقتان بخفة، وأومأتا برأسيهما موافقتين، وما كاد صدى ضحكتهن يخفت، حتى دخل روان بخطوات سريعة، وقال بنبرة جادة لطيفة:
"أبي يقول لكم ارتدين خُمُرَكنّ، وتفضلن إلى الصالون... عمي روانس سيلقي درسا خفيفا"
أومأت ليا وهالة موافقتين، بينما نهضت ميس ببطء، تحمل براءة بين ذراعيها، تتجه نحو الخارج، وقد ارتسم على وجهها ذلك التعب الجميل من حملها، تعب الأمومة الممزوج بالسكينة، وكأنها تمضي إلى لحظة جديدة، تحمل في طيّاتها وعظا، ودفئا، ولمة لا يُعوضها شيء.
ما إن وصلوا إلى الصالون، حتى استقر المجلس على هيئته المألوفة، جلست كل واحدة منهن بمحاذاة زوجها، في ترتيب عفوي تحكمه الألفة أكثر مما تحكمه العادة، كأن لكل موضع ذاكرة تعرف أصحابها.
خفتت الأصوات شيئا فشيئا، وحل سكون مهيب، لا يقطعه إلا أنفاس مطمئنة وحركة طفل هنا أو هناك.
مد روانس يده بهدوء، فوضعها على يد ميس، ضمها ضمة خفيفة، كمن يطمئن قلبا قبل أن يطمئن جسدا، ثم مال قليلا، وقبل رأس الصغيرة براءة، قبلة وادعة تشبه الدعاء،دفعتها للتململ والإبتسام.
ابتسم لزوجته ابتسامة دافئة، فيها من القلق بقدر ما فيها من الحنان، ثم قال بصوت خفيض لا يسمعه سواها:
"أأنتِ بخير، أم أرهقك التعب يا وتيني؟"
نفت برأسها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مطمئنة، وردت بصوت يحمل سكون القلب:
"أنا بخير يا مستقري، لا تقلق... ما دام قربك هكذا"
أومأ برأسه، وكأن كلماتها قد وضعت في صدره طمأنينة كاملة، ثم رفع بصره متجها نحو مجلس الأطفال، يمرر أنظاره عليهم واحدا واحدا، يتفقد وجوههم البريئة، كمن يحصي نعمه في صمت، ويتأكد أن كل شيء في موضعه.
لمّا اطمأن، أعاد نظره إلى الأمام، حيث جلست أخته وإلى جوارها أسيد، يتبادلان همسًا خافتا وابتسامات قصيرة، بينما عن يسار ميس جلس سيف وهالة، في هدوء يشبه الوقار، وكأن المجلس بأسره قد التف حول معنى واحد: العائلة.
في تلك اللحظة، كان الصالون أكثر من مجرد مكان، كان حضنا واسعا، اجتمعت فيه القلوب قبل الأجساد، وسكنت فيه الأرواح على إيقاع مودة قديمة، لا تبهت، مهما تعاقبت الأيام.
رفع نظره إلى زوجته ثم أخته، بعين لا تحمل علما فقط، ولا بغطرسة واعظ، بل بعين زوج وأخ يعرف ثقل المسؤولية، ويحمل في صدره مشاعر الحنان والمودة، ونطق بصوت خفيض، رقيق، كأنه نسيم الصباح يمر على الزهور قبل أن تفتح عيونها:
"أردت أن أخصكن بهذا الحديث، لا لأنكن أقل علما، ولا لأنكن أضعف نفوسا، بل لأنكن أقدام على حمل الأمانات، وأثقال المسؤوليات، وأطول صبرا على ما قد يعجز عنه كثير من الرجال.
أنتن عماد البيوت، وسر سكينتها، وموضع الامتحان الأكبر في تفاصيلها الدقيقة، في ضحكاتها الخفية، وفي دموعها المكتومة، وفي صبرها حين تصطدم الحياة بقسوة لا يطيقها قلب.
اعلمن أن الله سبحانه وتعالى حين خلق المرأة، لم يجعلها تابعةً للرجال في القيمة، ولا ظلا في الوجود، بل جعلها موضع الرحمة، ومستودع الأمانة، وملاذا لمن يحتاج العطف، وموضعا للسعة والرحابة لا يُعطى إلا لمن أراد له أن يحمل غيره.
فكونكن صابرات، رحيمات، حليمات، ليس ضعفا ولا قهرا، بل نعمة وهبة من عنده، وكرامة تُستحق بالعمل والنية الصافية.
اعلمن أن الإيمان الحق لا يُقاس بكثرة الكلام عن الله، ولا بحدة الدفاع عنه، بل بحضوره في تفاصيل الحياة الصغيرة:
في الصبر حين يضيق الصدر، وفي الحلم حين يعلو الصوت، وفي العفو حين تتاح القدرة للرد.
قال الله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
والحياة الطيبة ليست خلوًّا من الهم، ولا غيابا عن الألم، بل هي طمأنينة تتسلل إلى القلوب رغم كثرة الشدائد، ورضا يخفف ثقل الأحزان، وطمأنينة تنبت في النفس كزهرة لا يذبل عطرها مهما قست الرياح.
وإن أعظم ما يُبتلى به القلب هو الظن بالله، فمن أحسن الظن به، أراحه الله من القلق، ومن أساء الظن به، أثقل عليه العمر ولو ملك الدنيا وما فيها.
فاعلمن أن الله لا يبتلي ليكسر القلوب، ولا يمنع ليحرم النفوس، ولا يؤخر ليعذب، بل يبتلي ليعلم، ويمنع ليحفظ، ويؤخر ليعطي في الوقت الذي يكون فيه العطاء رحمة حقيقية، بلا فتنة ولا حرمان.
وأكثر من يُبتلى بهذا الفهم هي المرأة، لأنها تعيش التفاصيل، وتغوص في المشاعر، وتستجيب لكل حركة صغيرة في البيت، لكل كلمة، لكل ابتسامة، أو غمزة، أو صمت، فتشعر بما يخفى، وتعرف ما لا يقال.
ولكن تذكرن رحمكن الله أن الله أقرب إليكن من كل أحد، وأن دعاء القلب الصادق، وإن لم ينطق به، مسموع عنده، قال سبحانه:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
قريب من دمعة تُحبس، وقريب من صدر يضيق، وقريبٌ من امرأة تُجاهد لتبقى ثابتة على الصراط، محتسبة الأجر، صابرة على ما هو أعظم من قدرتها.
اعلمن أن البيوت لا تُبنى بالأثاث، ولا تزدهر بكثرة المال، بل تعمر بالأخلاق، وتستقر بحسن المعاشرة، وتدوم بالرحمة واللطف.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة»
ولم يقل:
الأجمل، أو الأغنى، أو الأعلى نسبا، بل الصالحة...
تلك التي إذا ضاق صدرها لجأت إلى الله، وإذا غضبت لم تظلم، وإذا أسيء إليها لم تسقط نفسها في الظلم، بل صبرت وحلمت وعفت، فكانت نورا في البيت وطمأنينة لكل قلب يلوذ بها.
واعلموا أن الصبر ليس ضعفا، بل قوة مؤجلة، وأن السكوت ليس هوانا، بل حكمة تختار وقتها، قال الله تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
فالعفو اختيار راق لا قهر، والحلم عبادة لا ضغط، والصبر موهبة القلوب العظيمة التي تعرف أن الابتلاء مدرسة، وأن الدهر يمتحن النفوس قبل أن يكرمها.
احفظن قلوبكن من المقارنة، فإنها أول باب للسخط والحسد، ولا تنظرن إلى ما في أيدي غيركن، فإن الله قسم الأرزاق بعدله، ولو كشفت الأستار لتمنت كل نفس حال الأخرى، ولكانت قلوبكن قد ضاقت بما لا يطاق.
تذكرن دائما أن الله لا يحاسبكن على شعور عابر مر في القلب، بل على أفعال ثبتت، ولا على ضعف طارئ، بل على إصرار دائم وصبر متواصل.
اجعلن بيوتكن مواطن ذكر وطمأنينة، لا ساحات صراع، ولا ميادين إثبات.
فما هدمت بيوت إلا حين نُسي الله فيها، أو حين غاب ذكره في تفاصيلها اليومية.
وربوا أبناءكن على أن الله يُرى بالقلب قبل أن يُعرف بالعقل، وعلى أن الصلاة لقاء لا عادة، وعلى أن الدين حب يسبق الخوف، وطمأنينة تسبق كل وجع، وعطف يسبق كل نزاع.
اعلمن أن قلب المرأة أوسع من أن يُحصر، وأعمق من أن يستوعب، وحنانها قد يخفف وجع هذا العالم كله، فلا تهملن هذا الدور العظيم الذي منحكن الله إياه.
كونوا مع الله في السر قبل العلن، وفي الضعف قبل القوة، وفي الدموع قبل الابتسامة.
فمن كانت مع الله... كان الله معها، ومن كان الله معه... فأي خسارة بعد ذلك تُخشى؟"
سكت روانس، وملأ الصمت المكان، ولكنه كان صمتًا غنيًّا، صمتًا ينبض في القلوب قبل أن يصل إلى الآذان، فقد قال الحقّ ما أراد، ولم يتبقّ إلا صداه في النفوس، يتردد بلا استئذان، ويزرع الطمأنينة في كل قلب صادق، كما يزرع المطر الأرض بعد جدب.
ثم لحظات و أكمل:
"واعلموا أن من أحب الله حق المحبة، لم يخف من عواصف الحياة، ولم يجزع من شدائد الدهر، بل كان قلبه كالجبال لا تهزه الرياح، وصدره كالسماء تتسع لكل شيء.
وما أعظم ما يُختبر به الإنسان، حين يختبر بالذين يحبونهم، وبالبيت الذي يقدرونه، وبالأبناء الذين أحاطوا قلبها بحبهم الصافي.
فالمرأة تُسكن قلوب من حولها كما يُسكن العطر المكان، تترك أثرها في كل زاوية، وفي كل نفس تمر عبر بيتها، ولا يدرك هذا إلا من له قلب يرى.
اعلمن أن من أعظم مهام المرأة في البيت، أن تكون صامدة حين تصطدم الأقدار بما لم يُحسب، رقيقة حين تشتد الصعاب، ثابتة حين تعصف الرياح بأعمدة حياتها.
فالصبر ليس امتناعا عن البكاء، ولا كتما للألم، بل هو صبر القلب الواعي بأن كل ما أصابنا مقدر، وكل ما تأخر عنا مقسوم، وكل ما حرمنا منه رحمة لم تظهر بعد.
انظرن رحمكن الله إلى ما حولكن من تفاصيل الحياة اليومية:
صغرها، كبرها، ابتسامة طفل، دمعة كبيرة، كلمة جارحة، تصرف قريب، تصرف زوج، نزاع بسيط، أو حيرة نفسية.
كل هذا امتحان، وكل هذا مدرسة، وكل هذا تدريب للنفس على الصبر، على العفو، على الرحمة، على الاتكال على الله.
اعلمن أن القلب الصالح هو الذي يرى الحق قبل أن يُعرض له، ويسمع النداء قبل أن ينادى، ويحتسب قبل أن يكافأ"
ثم أشار بروح هادئة، وصوتٍ يخترق الحنايا، وقال:
"فلا تنسوا رحمكنّ الله أن الله لا يضيع امرأة صدقت معه، ولا يخيب قلبا لجأ إليه، ولا يكسر نفسا احتمت به.
إن كن مع الله، فما للزمان أن يغيركن، وما للشدائد أن تهزمكن، وما للهموم أن تثنيكن عن رسالتكن في البيت وفي المجتمع.
فهناك الله معكنّ، وحيث الله، لا هزيمة"
سكت روانس أخيرا، ولكن الصمت هذه المرة كان كالصاروخ الذي أُطلق في سماء القلوب، لم يترك روحا إلا وزرع فيها الطمأنينة، ولم يترك قلبا إلا وأحاطه الأمل.
فالكلمة حين تُقال من القلب، لا تُنسى، والحكمة حين تُزرع في الصدر، لا تموت، والذكر حين يحفظ في البيت، لا يضيع أبدا.
.........
كان الليلُ قد أرخى سدوله على البيوت، وسكنت الأصوات إلا همس الريح وهي تلامس النوافذ برفق كأنها تستأذن السكون.
البيت غارق في طمأنينة وديعة، لا يقطعها سوى أنفاس هادئة خلف الأبواب، أنفاس تشبه دعاء نائما لم يُرفع بعد.
جلس روانس على سجادة الصلاة، ظهره مستند إلى الجدار، وكفاه ما تزالان دافئتين من أثر الدعاء.
كان وجهه يحمل أثر السجود، لا أثر التعب، خشوع ساكن، كأن روحه لم تعد كاملة في جسده بعد.
إلى جواره جلست ميس بعد أن تركت مكانها خلفه، تسبح بأنامل أرهقها الرجاء أكثر مما أرهقها طول النهار.
كانت أصابعها تتحرك ببطء خاشع، وكأن كل تسبيحة منها تُنزل عن صدرها ثقلا دفينا لا يُرى.
قطعت الصمت بصوت خافت وهي تضع يدها على رحمها، صوت يشبه الخوف من أن توقظ فكرة نامت على حافة القلب:
"مستقري...أتظن أن الله قد قبل منا؟"
رفع بصره إليها، وفي عينيه عمق لا تدركه الكلمات، لا طمأنينة عابرة، بل يقين وُلِد من طول الوقوف على الأبواب.
قال بهدوء وهو يمسح على ظهرها بيده:
"لو لم يقبل...لما أبقى قلوبنا معلقة به إلى الآن... القلوب التي تُرد، لا تصر على الدعاء"
سكتت لحظة، كأنها تراجع عمرا كاملا في صدرها، ثم قالت بنبرة امتزج فيها الخوف بالصدق:
"أخاف أن نكون قد قصرنا كثيرا...
أن نكون أخطأنا الطريق مرات أكثر مما ينبغي، وأن تكون آثار الذنوب أثقل من رجائنا"
ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة من عرف نفسه وضعفه، ثم قال:
"كلنا نخطئ الطريق يا وتيني... ولو لم نخطئه، لما عرفنا معنى الرجوع... الله لا يُضيّع من عرف بابه،
ولا يترك من عاد إليه منكسرا"
تنفست بعمق، وكأن صدرها ألقى حملا طال مقامه، ثم قالت:
"وأولادنا؟ أخاف عليهم من الدنيا... من فتنها، من قسوتها، من أنفسهم"
نظر إلى الظلمة من نافذة قريبة، ثم عاد إليها بعينين مطمئنتين:
"ومن نسلمهم إلى الله،لا تضيعهم الدنيا.
نحن نحفظهم بأيدينا ساعات، والله يحفظهم بعينه التي لا تنام طول حياتهم"
مدت يدها نحوه، يد تبحث عن سند أكثر من بحثها عن دفء، فأمسكها برفق، كأنما يعيد إليها طمأنينة ضاعت في زوايا القلب، وقال:
"لم أعد أسأل الله أن يهون علينا الطريق...صرت أسأله أن يثبتنا عليه...
فالطريق إن لم يكن إلى الله، فهو هلاك ولو كان سهلا"
أغمضت عينيها، واستسلمت لتلك اللحظة، وهمست: "كفى بالله وكيلا"
فرد بصوت خاشع خرج من عمق الروح:
"ونِعم الوكيل... حسبنا الله، ومن عليه نتوكل"
وضعت رأسها على صدر الذي جذبها لحضنه وغفت من فرط الإرهاق لهذا اليوم وهدأ تنفسها.
ساد الصمت من جديد...
لا صمت فراغ، بل صمت امتلاء. صمت يشبه السجود الأخير،ويشبه دمعة لم تنزل لأنها وجدت جوابها.
وفي تلك الليلة، لم ينمِ البيت فقط...
نام القلق الذي طال سهره،واستراحت الأسئلة المتعبة،
وسهرت الثقة بالله تحرس القلوب.
وهكذا...
لم تنتهِ الحكاية عند سطر أخير،ولا عند دعاء مُغلق،
بل انتهت عند قلبٍ قال بصدقٍ لا رجعة فيه:
رضيتُ بالله ربًّا،
وبالإسلام دينًا،
وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا ورسولًا
.
.
.
.
.
.
.
.
.
إنتهى الفصل الخاص.
6300 كلمة.
إراءكم.
عساكم بخير يا رونسايون يا شغفي الدائم
و الآن أستودعمم الله الذي لا تظل ودائعه.
إلى الملتقى إن شاء الله لنا ذلك.
"أروي الرواية لأرقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira