السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب
.
.
.
ملاحظة:
علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.
الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟
.
"ما بين همسات الدعاء ونبضات القلوب، كانت الأرواح تتهيأ لميثاقٍ غليظٍ، تصعد بركته قبل أن تُقال الكلمات."
.
.
.
.
.
"أحببتك دعاءً صامتًا في دجى الليل، ورفعت يدي إلى الله أن يجمع قلبي بقلبك على طاعته، فإذا بك رزقًا كريمًا حلّ في أيامي حين لم أكن أتوقعه."
ساد صمت ثقيل بعد اعترافها، كأن كلماتها أطفأت كل صوت يمكن أن يعيقها.
ظل أسيد يحدق بها طويلا بنظرات شبه مدهوشة، حتى خيل إليها أن أنفاسه لا تخرج وانه قد أصيب بالشلل.
ثم و تحرك برأسه في كلتا الجهتين و قال بصوت خافت يحمل بين نبراته مزيجا من الدهشة والعشق:
"ليـا...
لو تعلمين كيف اخترقت كلماتك صدري هذا قبل أن تبلغ أذني، لعرفت أن الله حين استجاب دعاءك، كان في الوقت ذاته يجيب دعائي أنا.
لقد دعوته يوما أن يرزقني قلبا حين يذكرني في نفسه، يبتسم لا لذكري، بل لِـما أنا عليه ولشخصي... فوهبني بك أنت"
ثم تنحنح بخفة و هو و يشيح بنظره عنها مازحا:
"لكن دعيني أعترف يا فتنتي العنيدة .. دعاؤك هذا خطير، إذا استجيب بهذه السرعة فقد أبدأ بالخوف من أمنياتك القادمة!"
تظاهرت بالانزعاج وقالت وهي تعقد ذراعيها:
"فتنتك؟ عنيدة؟ يبدو أنك تحب المشاكل من البداية!"
ضحك بصوت عال، ثم قال وهو يرفع يده كأنه يعلن هدنة:
"إذن، لتبدأ الحرب بعد العقد، يا فتنتي العنيدة"
ضحكت ليا وهي تميل برأسها قليلا:
"اتفقنا... لكن تذكر، أنا من سيفوز في النهاية"
ومع كلماتها تلك، سُمع صوت خطوات ميساء وروانس يقتربان منهما، حتى وصلا حيث يجلسان.
تبادل الأربعة نظراتٍ قصيرة، قبل أن يقطع روانس الصمت قائلا بابتسامة خفيفة:
"إذن... هل قررتما متى سيكون عقد القران؟"
أومأت ليا برأسها، بينما أجاب أسيد بنبرة مفعمة بالرضا:
"نعم، سيكون بعد ثلاثة أيام، مع قران سيف، في المسجد إن شاء الله"
ومع انتهاء حديثه، تقدمت ميساء من ليا تجرها بخفة نحو المنزل قائلة:
"لنترك الصهرين معًا... هيا لندخل"
ثم توارتا وراء باب المنزل، تاركتين أسيد وروانس معا.
حل صمت خفيف حتى جلس روانس على الكرسي الذي كان يحتوي جسد أخته، وأردف بنبرة جادة لذلك المقابل له:
"انظر يا أسيد... ليا أختي وقطعة من روحي وقلبي، إن مسها سوء، مسست أنا بنفس السوء.
ليا فتاة عنيدة وذات شخصية قوية، لكنها بالمقابل تحمل قلبا حنونا سهل الكسر.
تتأذى من كلمة وإن لم تخبرك، معتادة على عيش الحزن و الهم دون مشاركته.
فوصيتي لك أن تفهمها، وأن تجعل أسوار قلبك تحميها من كل هم يطالها"
كان أسيد يستمع له بإمعان، فأضاف روانس قائلا بشيء من المزاح:
"وأيضا... إن بدأت بالنقاش معها، فجهز نفسك لمعركة خاسرة من البداية"
ضحك أسيد وهو يهز رأسه قائلا:
"إذن، الوصية أن أستسلم من البداية؟"
رد روانس بابتسامة جانبية:
"الوصية أن تنجو... لا أكثر!"
ابتسم أسيد وقال بصوت دافئ:
"لا تقلق، نحن متشابهان إلى حد كبير وسنتفاهم.
ثم إني لن أنسى أنها دعوة مستجابة من الله، فكيف لي أن أفرط بها؟"
استبشر وجه روانس مردفا:
"لا شك لدي بذلك.. هي ندخل للبيت"
................
في الصالون المخصص للنساء، امتزجت رائحة القهوة بعطر الورد، وتداخلت أحاديثهن في جو مفعم بالطمأنينة والفرح الهادئ.
جلست ليا بين ميس ووالدتها، وعلى وجهها مزيج من الثبات والخجل، بينما كانت تحاول إخفاء اضطراب لطيفٍ خلف ابتسامة واثقة.
قالت ميس مازحة وهي تميل نحوها:
"أتعلمين؟ كنت أظن أن أول لقاء رسمي سيجعل العنيدة ليا تتلعثم قليلا على الأقل!"
رفعت ليا حاجبها بخفةٍ وقالت بابتسامة جانبية صغيرة:
"ومن قال إنني لم أتلعثم؟ لكنني فقط لا أُظهر ارتباكي بسهولة"
ضحكت والدتها وقالت بحنان:
"هكذا أنت دائما يا ليا، عنيدة حتى في خجلك"
أومأت والدة ميس موافقة وهي تصب القهوة قائلة بنبرة راضية:
"الصدق يرى في العيون، وقد رأيت فيكما أنت وهو طمأنينةً تُبشّر بخير كثير"
كانت نور الصغيرة تتابع الحديث بعينيها الواسعتين، ثم اقتربت من ليا وجلست بجانبها قائلة ببراءة خجولة:
"ليا... إذا تزوجت أخي، ستصبحين أختا لي أليس كذلك؟"
ابتسمت ليا برقة وهي تمسح على شعرها قائلة:
"إن كتب الله ذلك يا نور، فسأكون أختك التي لا تتركك أبدا"
تعلقت نور بذراعها فورا وقالت بفرح طفولي:
"إذن ستكونين أختي المفضلة!"
رفعت ميس حاجبها بخفة، متصنعة الغضب، وقالت بنبرة طفولية مداعبة:
"حقا يا نور؟! وهل نسيت أنني أختك الكبرى؟ يبدو أن ليا سرقت قلبين في يوم واحد!"
ضحكت ليا بخفة وهي تنظر إليها قائلة بمكر لطيف:
"الغيرة لا تليق بك يا ميس، لكنني سأتقبلها لأنك جميلة حين تغارين، ولأنك زوجة أخي الحبيبة"
قالت ميس وهي تلوح بيدها متصنعة العناد:
"أنا لا أغار! فقط أحاول أن أُحافظ على أختي الصغيرة من السلب."
قهقهت والدتها وقالت وهي تمسك بكوب القهوة:
"بل تغارين يا ميس، ومنذ كنت في الخامسة لا تحبين أن يشاركك أحد من تحبين!"
احمر وجه ميس بخجل، بينما اتكأت ليا على وسادتها تبتسم، وقد ساد الصالون دفءٌ جميل، تتداخل فيه ضحكات النساء بدعوات صامتة في القلوب.
وفي الخارج، كانت أصوات الرجال تمتزج بالمزاح والسكينة، والبيت كله كأنه يتنفس فرحًا مؤجَّلًا، ينتظر فقط كلمة "عُقد القِران" ليكتمل نوره.
...........
في عتمة الليل، وفي تلك الغرفة التي يغمرها السكون والظلام، كانت تلك الجميلة ذات الملامح الطفولية ترقد على فراشها.
لكن على غير عادتها، كان جسدها يتقلب بتوتر، وعرقها يتصبب بغزارة، فيما تتمتم بكلمات مبعثرة لا تفهم.
أنفاسها متقطعة كمن يركض هاربا من شيء مخيف، أطرافها ترتعش، ودموع صامتة تنحدر على وجنتيها.
وفجأة، اخترق الصمت صراخها مرتجف:
"أتركني... لا تلمسني... أرجوك، لا تفعل ذلك... ابتعد عني!"
في تلك اللحظة، كان سيف مارا قرب باب غرفتها بعد أن خرج من المطبخ يشرب بعض الماء، وما إن سمع صرخاتها حتى اندفع نحوها بخطوات سريعة.
تجمد في مكانه للحظة وهو يراها على تلك الحال، ثم خفق قلبه بوجع وهو يدرك أن أخته قد عادت إلى ماضيها... عبر كابوس لا يرحم.
اقترب منها، يده ترتجف، وصوته يتهدج بنداء حان:
"ميس... ميس، استيقظي يا أختي، أنا هنا!"
لكنها ظلت تهمهم بكلمات ممزقة بين الخوف والرجاء، فهزها بلطف وقلق:
"ميس، بالله عليك، افتحي عينيك يا أختي!"
شهقت فجأة وفتحت عينيها، تصرخ كمن يهرب من جحيم لا يرى، نظراتها تائهة، والذعر يسكن وجهها.
اقترب منها سيف ببطء وحنو، وجلس إلى جانبها، يضع كفه على رأسها وهو يهمس بصوت خافت ترتجف فيه الرحمة:
"ألا بذكرِ اللهِ تطمئنُّ القلوبُ..."
"قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون..."
كانت كلماته بردا وسلاما على قلبها، كنسمة لامست روحا أرهقها الخوف. هدأت أنفاسها شيئا فشيئا، وخفت رعشتها.
رفع وجهها بين ييده بلطف وقال بابتسامة مطمئنة:
"انظري إلي.. أنا هنا، لا أحد سواي. كان مجرد كابوس يا صغيرتي، وقد إنتهى..إهدئي يا أختي."
اغرورقت عيناها بالدموع، وانفجرت باكية وهي تقول بصوت مبحوح:
"لقد عاد... ذلك المشهد يا سيف، لم أستطع الهرب منه، كنت هناك من جديد."
ضمها إلى صدره بقوة لا تخلو من الحنان ، حتى هدأت شهقاتها بين ذراعيه، وقال بصوت خافت كنسمة تهدهد قلبها:
"اهدئي الآن يا صغيرتي... دعي الماضي يرحل كما يرحل الليل أمام الفجر.
ما عاد له سلطان عليك، ما دام الله حصنك وأنا ظلك"
ارتجفت شفتاها، رفعت رأسها قليلا، وهمست بصوت متهدج حزين:
"ولم يعود في كل مرة أظن أنني نسيت وشفيت يا سيف؟"
مسح دموعها بأنامله، ونظر إليها بعينين يملؤهما الحنو:
"لأن الوجع يا ميس لا يرحل دفعة واحدة، بل يغادرنا على مهل... كما تنطفئ الشموع ببطء.
لكنني أعدك، لن أتركك تحترقين وحدك بعد اليوم.. أنا موجود و عائلتك و زوجك الآن موجودان صغيرتي"
أطبقت جفنيها وقد أرهقها البكاء، فتابع بصوت خافت أقرب إلى الدعاء:
"نامي الآن... فالله معك، وأنا هنا.
وما دمت تذكرينه، فلن يعرف قلبك الخوف بعد الليلة"
ومع آخر كلماته، استسلمت ميس للنوم، غفت بين ذراعيه وقد هدأ صدرها بعد طول ارتجاف، وارتسمت على ملامحها ملامح طمأنينة خفيفة كابتسامة ناعمة في منتصف الحلم.
ظل سيف يراقبها بصمت طويل، يمرر أصابعه على خصلات شعرها بهدوء، ثم يهمس بخفوت لا يسمعه سواهما:
"اللهم اجعل في قلبها سكينتك، وفي نومها أمانك"
نهض ببطء كي لا يوقظها، غطاها جيدا، ثم وقف عند باب الغرفة للحظة يتأملها بنظرة تفيض حنانا وأسى.
أغلق الباب بهدوء، وغادر، تاركا وراءه ظلمة سكنت بعد عاصفة من الخوف...
...............
كالعادة، يوم جديد يمر في هذه الدنيا كرمشة عين...
تسير بخطى هادئة وإلى جانبها هالة في الرواق ذاته الذي حفظته عن ظهر قلب من كثرة مرورها به.
كانت شاردة الذهن لولا صوت هالة الذي قطع حبل أفكارها وأعادها إلى الواقع:
"ميساء، سأذهب أنا و ليا لاقتناء ملابس عقد القِران... يجب أن ترافقينا يا ميسو"
ابتسمت ميساء برقة وهمست بخفوت:
"طبعا... إن شاء الله"
واصلتا سيرهما نحو القاعة، وما هي إلا لحظات حتى كانتا جالستين في الصف الأول.
كان يفصل عن بدء المحاضرة عشر دقائق، فاستغلتاها لتلاوة بعض الآيات بهدوء، يملأ القاعة سكينة خفيفة.
وبينما كان الطلاب يتوافدون واحدا تلو الآخر، تعالت الأصوات والهمسات حتى خيم الصمت فجأة مع دخول روانس بطلته المهيبة.
كان يرتدي على غير العادة، طقما كلاسيكيا أسود اللون، نسّقه مع حذاء أبيض ونظارته الطبية السوداء.
شعره الأشقر مصفف بعناية إلى الخلف، يسير بخطوات واثقة نحو صدر القاعة، حيث سيلقي محاضرته كعادته.
وضع حقيبته الجلدية التي تحوي حاسوبه فوق المكتب البني المصنوع من الخشب،ثم رفع أنظاره إلى طلابه، يراهم وقد تهيؤوا لدرس جديد من دروسه.
تحدّث بصوت جهوري يسمعه كل من في القاعة قائلا:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... نسأل الله أن يجعل لقاءنا هذا لقاء خير، لقاء تتنزل فيه رحمته جل وعلا، وتحيطنا فيه الملائكة من كل صوب، ويذكرنا الله فيه فيمن عنده"
ساد هدوء تام في القاعة كالعادة ينتظرون بداية الدرس.
تابع بصوته الجهوري المفعم بالهدوء.
لكنّ ملامحه كانت مختلفة قليلا هذا اليوم...
كان في عينيه شيء من الحزن، وفي صوته بقايا تنهيدة لم تكتمل.
قال بعد لحظة صمت قصيرة:
"اليوم لن أفتح كتاب الفقه مباشرة، ولن أبدأ بمسائل الطهارة أو العبادات كما تعودنا...
أريد أن أفتح موضوعا أخطر من ذلك... موضوعا يهدد قلوبنا قبل أن يمس أعمالنا"
تنهد تنهيدة طويلة ثم تابع:
"في الأيام الماضية، رأيت كثيرا من المجاهرة بالمعصية على الواقع و المواقع...
شبابا وفتيات ينشرون الغناء، ويعرضون أجسادهم، ويتحدثون عن المعاصي وكأنها إنجازات كبيرة، يفاخرون بها بدل أن يستتروا منها.
بل رأيت في مواقع التواصل من يتغنى بما يغضب الله، ومن يصور ذنبه ليحصد الإعجابات وكأن النار لعبة لا وجود لها إلا في خيالاتهم الواهية"
خفض نظره قليلا، ثم قال بنبرة حزينة:
"أتعلمون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
«كلُّ أمَّتي معافًى إلا المُجاهِرين» [صحيح البخاري].
المجاهر هو الذي يرتكب المعصية بالليل فيستره الله، ثم يصبح فيكشف ستر الله عنه، فيقول: فعلت البارحة كذا وكذا"
رفع بصره من جديد وقال بثبات تام:
"الله سَتّير يحب الستر... من أذنب فليستتر، وليتب، وليبك على خطيئته التي فعل.
أما أن نجعل الذنب مادة للضحك والمشاركة كأنه حديث عابر او تصرف لا يضر، فذلك من البلاء العظيم الذي يبتلى به العبد"
تنحنح قليلا، ثم أكمل بأسلوبه الذي لطالما جعل الطلاب ينصتون له و يأخذون عنه آلاف النصائح:
"كثيرون يقولون: نحن أحرار، وهذه حياتنا لن نعيشها إلا مرة فما نفعها إن لم نفعل كذا و كذا...
لكن أي حرية تلك التي تجعلك عبدا لشهوتك و بائعا لآخرتك، تطيعها أكثر مما تطيع خالقك؟
الحرية الحقيقية يا إخوتي... أن تتحرر من أسر نفسك، ومن هوى يلقيك في النار وأنت تبتسم.. أن تجعل عملك لآخرتك قبل دنياك.. فوالله انها لدنيا زائلة لا تدوم"
صمت قليلا ثم فتح دفتره وقال:
"دعونا نرجع للفقه و لدروسنا... فالفقه ليس أحكاما جافة، بل حياة تبنى على طاعة الله قبل كل شيئ .
الفقه يعلمك كيف تتطهر في ظاهرك، لكن القرآن يطهر قلبك، وإن اجتمعا، صرت عبدا نقيا كما أراد الله.تعيش حياتا وان لم تكون سعيدة في نظر البعض ستكون في نظر الله ونظرك سعيدة"
توقف لبرهة وهو يتأمل الجالسين أمامه:
"اليوم سأحدّثكم عن فقه المعصية، لا من باب الترهيب، ولكن من باب التوبة والرجاء.
نحن نخطئ، كلنا وهذا ليس عيبا، لكن الخطر و العيب في أن نطبع على الذنب حتى ننسى أنه ذنب"
ثم تلا بصوتٍ رخيم نابع من صدر حافظ للقرآن فاعل به:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:53].
سرت في القاعة رهبة غريبة، كان لصوته وقع خاص، صوت من يعيش مع الآية لا من يتلوها فحسب.
قال بعدها:
"تأملوا... ربنا يخاطب المسرفين على أنفسهم،
الذين غرقوا في الذنوب كغرق السباح الماهر عندما يغدره البحر، لا الذين أطاعوا فقط...
يقول لهم: لا تقنطوا، لا تيأسوا من رحمة الله، فبابه مفتوح ما دامت الروح في الجسد، ما دمت تعود لله تائبا نادما على ذنبك"
ثم أكمل وهو ينظر نحو طلابه:
"لكن كيف نطلب رحمة الله ونحن نجاهر بمعصيته؟
كيف نقول: اللهم استرنا، ونحن ننزع ستره بأيدينا؟
أكثر ما أخشاه يا طلابي أن يأتي يوم تصبح فيه القلوب مظلمة من كثرة ما رأت الحرام حتى لم تعد تنكره.
أخشى ان يستساغ الحرام حتى نصير قوما يفعلونه كشربة الماء"
أغلق دفتره بهدوء وقال:
"يا طلابي، إن أخطر ما يفسد القلب هو اعتياد المنكر... أن تراه كل يوم حتى يصبح في نظرك عاديا، تصير تفعله كأنه روتين صباحي.. سواء كان صغيرا في نظرك كسماع الأغاني مثلا أو كبيرا كالمجاهرة بها.
وإياكم أن تستهينوا بالذنب الصغير، فالقطرة فوق القطرة تصنع البحر، و الحطب مع الحطب يزيد هيجان النار..
و الشعرة مع الشعرة تصنع فروة رأس، و الإنسان مع الإنسان يصنع مجتمعا."
ثم تلا بترتيل خافت مؤثر:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:19].
وأردف قائلا:
"أولئك الذين ينشرون ما يغضب الله، يشاركونه، يروجون له، ويقولون: مجرد فن!
كلا، الفن إن لم يرفعك إلى النور، فسيغرقك في الظلمات.
الفن ان لم يكن في ما يرضي الله فليس بفن..
الفن جميل لكن ليس في معصية وانما في طاعة لله يتبعها أجر..
فنك الحقيقي هو ما به قد تحدث تغييرا صحيحا يؤدي إلى توبة شخص ما ربما أو تذكير... الفن ربما يكون أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر..الفن ربما يكون نشرا لدينك...الفن كتابة تخلو من المعاصي على أوراق تنشر او حساب جاري لك"
رفع نظره نحو الصف الأمامي حيث كانت ميس جالسة، ثم أضاف بصوت أكثر لينا ودفئا:
"ديننا ليس دين كآبة... بل دين جمال حقيقي، جمال القلب والطهر والعفة، لا جمال الأجساد المعرَّاة ولا الأصوات الماجنة أو الشاكلة التي نراها الآن...يبررون أفعالهم بإسم الدين و الله المستعان.
ديننا دين حب و نقاء... ديننا هو الاسلام الذي جاء بالسلام و الراحة و الطمأنينة لنفوس الناس أجمع"
ثم التفت إلى بقية الطلبة قائلا:
"يا اخوتي، كل معصية تطفئ من نور القلب شعاعا، فإذا أكثرت منها، أظلم قلبك كله فصار فاحم السواد يصعب تطهيره من الدنس الذي أصابه...
وما أصعب أن تعيش ببصر يُبصِر كل شيء إلا الحق الذي أمامه، وبقلب يرى كل شيء إلا الله سبحانه.
ما أصعب أن تكون تملك البصر وتفقد البصيرة... وليس الأعمى أعمى البصر و انما الأعمى أعمى البصيرة"
أخذ نفسا عميقا يخرج تنهيدة مثقلة وقال:
"لهذا أوصيكم بثلاث:
أولا: استروا ذنوبكم، فالله سَتّير يحب الستر.
ثانيا: لا تعينوا أحدا على معصية هو فاعلها، لا بإعجاب علىمنشور ولا مشاركة ولا سكوت عنها ما دام في إستطاعتكم.
ثالثا: تذكروا أن التوبة تعيد كل شيء كما كان وتطهر القلب كأنت لم يسْوَّد، بل أجمل، إن صدقت.
فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعا
الا من أشرك به"
ثم ختم بصوت يملؤه الخشوع و الراحة دعا:
"يا رب... لا تفضحنا بين خلقك، ولا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك، واهدنا لما تحب وترضى.انك انت المهتدي.. ابعدنا عن ظلمات الذنوب و انر بصيرتنا دائما و ابدا "
ساد القاعة صمت مطبق، حتى الأنفاس خفتت من وقع الدرس و جماله... بعض الطالبات مسحن دموعهن خفية يتذكرن ذنوبهن، وكثير من الطلاب خفضوا رؤوسهم حياء من أفعالهم أو من أفكارهم حتى.
أغلق روانس دفتره، وأعاد وضعه في الحقيبة وقال بابتسامة رقيقة يخاطب طلابا إعتبرهم إخوة له:
"الدرس القادم نعود إلى فقه العبادات، لكن أردت اليوم أن نغسل قلوبنا قبل أن نغسل أيدينا..... ثم لا تنسوا تجهيز أنفسكم فالإمتحانات لم يبقى لها سوى أسبوعين تقريبا"
وبينما كان يهم بالنزول من المنصة، رفعت ميس يدها بخفة وقالت متسائلة بصوت خافت لكنه واضح:
"أستاذ... هل يعد نشر الخير ومحتوى التذكير بالله، نوعا من الستر أيضا؟"
نظر إليها روانس بنظرة امتزج فيها الحب والاحترام، ثم قال مبتسما لها بعفويته:
"بل هو من أعظم الستر... أن تقابلي نشر المعصية بنشر الطاعة، وأن تضيئي الطريق ولو بشمعة صغيرة.
قال ﷺ: «من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله» [صحيح مسلم].
فكوني من الدالين، لا من الساكتين.. لكن بدون ظهور على المواقع طبعا"
ابتسمت بخجل خفيف وهي تهمس:
"بإذن الله، سأفعل"
فردّ عليها وهو يحمل حقيبته مغادرا القاعة:
"بارك الله فيك... وجعل نيتك خالصة له و أبعدك عن الرياء"
ثم خرج بخطوات هادئة تملؤها الهيبة، تاركا خلفه قلوبا استيقظت من غفلتها وجلة، وعيونا دامعة تستشعر أن الحق ما زال يقال... ما دام في الدنيا أمثال الأستاذ روانس أستاذ يعلمك أن الدين أمر بالمعروف في كل وقت و زمان.
...............
بعد يومين:
كان المسجد في ذلك الصباح يلبس حلته البيضاء، تغمره أنوار الشمس المتسللة من نوافذه العالية، فتنعكس على جدرانه المزخرفة بآيات كتبت بخط عربي كوفي بديع، كأنّ النور نفسه يسجد لله في كل زاوية منه، أبسطة ممتدة على طول المسجد كله نسجت بحرفية دقيقة بلون أزرق يتخلله الذهبي.
عبق المكان برائحة السجاد النظيف، امتزجت بها نفحات المسك القادمة من المصلّى مع رائحة البخور الجميلة،
وصوت المكيف الهادئ يشبه همسا خفيّا يشارك الجميع خشوعهم .
في الساحة الداخلية، كانت الطيور تحوم فوق المئذنة،
تعلن بداية نهار يختلف عن كل نهار، نهار سيكتب فيه وعد بحياة جديدة ، تحت ظل بيت من بيوت الله.
كان المسجد في ذلك اليوم يفيض بالمصلين، امتلأت الصفوف حتى آخرها، ورائحة الطيب والمسك تسري في الهواء كأنها بشارة بخير قريب.
جلس أسيد مرتديا قميصَ صلاة أبيض يصل إلى ما فوق كعب قدمه، وقد سرح شعره الأسود للجانب بعناية، وتزيّن معصمه بساعة جلدية سوداء أضفت على هيئته لمسة وقار وهدوء.
وبجواره جلس سيف، مخالفا إياه في اللون، إذ ارتدى قميصا أزرق بسيطا يليق بجلال الموقف،
تلف معصمه ساعة بحزام جلدي بني، وشعره الأسود ينحدر بخفة على جانبي وجهه، يمنحه مظهرا وديعا مطمئنا.
وبقربهما جلس روانس بقميص أسود، يكسو ملامحه وقار الإمام الشاب الذي يجمع بين العلم والسكون،
وعلى امتداد الصف جلس كل من إسحاق ومحمد ومصطفى، تبدو على وجوههم سكينة واحدة، كأنهم امتداد لطمأنينة المسجد ذاته.
بينما في الجهة المخصصة للنساء، والتي لم تكن مكتظة كما في جهة الرجال، جلس عدد قليل من النساء اللواتي سيذهبن بعد الصلاة.
كانت ميساء تجلس بهدوء، ترتدي حجابا أسود يعلوه إسدال أبيض ناصع، وإلى جانبها والدتها أسماء، ثم مروة ووالدة روانس.
أما في جانبهم، فقد جلست صاحبتا الشأن.
كانت ليا ترتدي فستانا أبيض ناعما، بسيطا في تصميمه لكنه أنيق.
يغطيه قماش خفيف من الأعلى ينسدل على كتفيها بانسياب هادئ، تتزين أطرافه بحبات لؤلؤ صغيرة تضيف لمسة رقيقة.
ياقته عالية تلتف حول عنقها برقة، والفستان يمتد حتى الأرض بخطوط مستقيمة وناعمة.
رافقته بحجاب مماثل للون الفستان.
أما عن هالة فقد كانت ترتدي كان فستانًا أنيقًا بلونٍ أخضر كلون عشبيتيها، يجمع بين الهدوء والفخامة في آن واحد.
تصميمه واسع وانسيابي، مصنوع من قماش ناعم يلمع بخفة تحت الضوء، ينسدل بسلاسة حتى الأرض.
يغطي الكتفين قماش خفيف يشبه الرداء، يضيف لمسة راقية دون مبالغة، أما فتحة العنق الصغيرة فتكسر بساطته ببعض الجاذبية الهادئة.
لحظات مرت حتى وصل الإمام، يصعد المنبر متجهزا لإلقاء خطبة يوم الجمعة ثم الصلاة.
جلس على المنبر بخفة، وألقى نظرة هادئة على الوجوه أمامه قبل أن يقول:
"اليوم، وبما أننا سنعقد قران أخوين كريمين، ستكون الخطبة عن الزواج، لعلهم ينتفعون وتنتفعون...لكن... "
توقف لبرهة، ثم أضاف بابتسامة خفيفة:
" لست أنا من سيلقيها، بل السيد مصطفى. تفضل إلى هنا يا أخي"
نهض مصطفى بخطوات متزنة، تتبعها مهابة صامتة، كأن كل حركة منه تحمل رسالة،كان روانس يشبهه كثيرا في الملامح و الشعر الأشقر إلا أن والده قد تخلل رأسه شيبات بيض.
اقترب من المنبر، وضع كفه على خشبه البني، ثم ألقى السلام بصوت ثابت هادئ، تسري فيه خشية تليق بمقام الكلمة.
"إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله..."
ساد المسجد صمت مهيب. حتى الأطفال الصغار الذين كانوا يهمسون خلف الصفوف صمتوا فجأة، كأن للهيبة حضورا يشعرهم أن شيئا عظيمًا يقال الآن.
تابع مصطفى بصوت أكثر دفئًا:
"أما بعد..... فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"
ثم قال وهو يرفع ناظريه ببطء إلى وجوه الرجال:
"عباد الله... أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين، إذ قال جل شأنه:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
فالتقوى هي النور الذي لا يخبو، والزاد الذي لا ينفد، بها تستقيم القلوب وتصفو الأرواح"
أطرق برهة، وكأنه يهيئ النفوس لما سيأتي، ثم رفع صوته بنغمة خاشعة عميقة تشابه عمق سنينه:
"حديثنا اليوم، أيها الأحبة، عن أمر جعله الله آية من آياته، وسكنا للنفوس، ومودة تتنزل بين قلبين جمعهما الطهر... عن الزواج، عن ما جعله الله سنة في هذه الحياة"
تبادل الحاضرون النظرات الصامتة، وكأن كلّا منهم وجد في الكلمة بداية قصة تخصه.
تابع مصطفى بخطوات بطيئة على المنبر، ثم قال بصوت أقرب إلى الحنين:
"الزواج ليس كما يظنه البعض مجرد عقد يُكتب أو حفلة تقام، بل هو عبادة. عبادة لا تصلى ركعاتها، بل تؤدى بالمواقف، بالرحمة، بالعفو، بالصبر الجميل.
قال الله تعالى:﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾
فالسكن هنا ليس بيتا تغلق أبوابه، بل روحا تفتح لك صدرها حين يضيق صدرك، والمودة ليست كلمة تقال في لحظة حماس أو شعور طاغي ، بل فعل تثبتونه حين تتعب النفوس... ويشتد الضغط على القلوب"
ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة وهو يضيف:
"يا من يعقدون اليوم رباطا مباركا، اجعلوا نيتكم لله، فبقدر نقائها تدوم سعادتكم...وبقدر اليقين يأتي العوض.
الزواج طريق طويل، لا يخلو من المنحنيات، لكن من سار فيه على طاعة الله وجد في كل منعطف رحمة جميلة، وفي كل ابتلاء درسا يعيده لرشده و يعيد لقلبه السكون، وفي كل صبر بركة تعينه على طول الأيام"
رفع إحدى يديه تأكيدًا لمعنى كلماته، وصوته ازداد عمقا:
"أيها الأزواج، إن الله أودع بينكما سر المودة والرحمة، فلا تطفئوه بالخصام، ولا تهينوه بالصمت.
الكلمة الطيبة صدقة، و الحب عبادة إن كان تحت جناح الله وله ، والعفو في البيت قوة لا ضعف.
واعلموا أنه لا يكرم زوجته إلا كريم، ولا يهينها إلا لئيم، وأن المرأة لا تطيع زوجها طاعة ذل، بل طاعة حب وإيمان وعهد على السكن والستر، أسعد الله شخصا علم معنى الرجال قوامون على النساء فطبقه"
تنهد مصطفى قليلا، وكأنه يراجع في داخله مواقف كثيرة، ثم قال:
"أيتها الزوجة، كوني له سكنا حين يضيع، وكوني دعاءه حين يصمت. وأنت أيها الزوج، كن لها أمانا حين تخاف، ورفقا حين تخطئ، وسندا حين تتعب من شقاء الأيام.
فالحياة الزوجية ليست صراعا على من ينتصر، بل اتفاق على أن لا يهزم أحدكما ما دام الآخر إلى جواره"
ثم أطرق رأسه، وصوته خفت حتى كاد همسا لولا مكبر الصوت:
"كم من بيوت هدمها الغضب، وكم من قلوب رممها الاعتذار.
لا تجعلوا الكبرياء حائلا بينكم، فالعفو يرفع ولا ينقص، والاعتذار لا يهين من قاله، بل يُكرمه"
تأمل الوجوه، ثم أكمل بخطاب أبوي صادق:
"أوصي نفسي وإياكم أن تجعلوا الله حاضرا في بيوتكم، فبيت يذكر فيه اسم الله لا تقترب منه الشياطين، وبيت تقام فيه الصلاة لا يضيق بأهله ولو ضاق رزقهم"
صمت قليلا، ثم رفع صوته مجددا:
"الزواج عبادة... لكن عبادة القلوب لا تقاس بالمظاهر.
لا بالمهر، ولا بالحفل، بل بما تزرعانه من طاعة لله.
فابدؤوا حياتكم ببساطة ورضا، لا تنظروا إلى ما عند الناس، فالسعادة لا تشترى.
هي تخلق حين يرضى القلب، ويشكر،
ويحب لله وفي الله"
ثم مد يديه إلى السماء وختم بصوت متأثر عميق:
"اللهم بارك للعروسين، واجمع بينهما في خير، وازرع بينهما مودة ورحمة، واصرف عنهما كيد الشيطان، واهد بهما من حولهما. اللهم اجعل بيتهما عامرا بذكرك، وحياتهما طاعة لك، وأيامهما سكينة لا تزول.
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا."
بختامه للدعاء تعالى صوت الناس دفعة واحدة بكلمة "آمين" عاد مصطفى لمكانه.
و خيّم على المسجد صمت عميق، لا يسمع فيه سوى أنفاس متقطعة ووشوشة خافتة لقلوب تأثرت.
ثم نهض الإمام بخطواتٍ رزينة، رفع يديه ودعا، فردد الحاضرون خلفه "آمين" بصوت واحد اهتزله المكان.
بعدها قام الإمام للصلاة، صفوف تنتظم بدقة ووقار، الأكتاف تتلاصق، والأرواح تلتقي في لحظة خشوع صافية.
ارتفعت تكبيرة الإحرام، وانحدر صوت الإمام بتلاوة خاشعة من سورة "الروم"، الآيات التي تتحدث عن المودة والرحمة، كأنها امتداد لكلمات الخطبة.
ركعوا، سجدوا، وسكنت الأرض من حولهم، إلا من وقع الجباه على السجاد.
ثم جاءت التسليمة الأخيرة، وخرجت من أفواه الجميع "السلام عليكم ورحمة الله" كأنها نفس طمأنينة طويل.
بدأ الناس يتحركون ببطء، وجوه مبتسمة،
ترددت في القاعة كلمات خافتة: "اللهم بارك لهما"، "ما شاء الله"، "خطبة اليوم كانت جميلة".
شيئا فشيئا بدأ المصلون يغادرون المسجد، يطوي كل واحد منهم أثر اللحظة في قلبه.
بقي في الصفوف الأولى من كان شأنهم اليوم، العريسين وأهلهما.
عمّ الهدوء مجددا، إلا من وقع الخطوات القليلة التي غادرت الباب الكبير للمسجد.
تبادل الحاضرون نظرات خافتة، تتخللها دعوات صامتة.
لم يتبق إلا القلوب المستعدة أن تشهد لحظة لا تنسى... لحظة عقد يكتب لا بالحبر فقط، بل بالمحبة والنية، وتحت سقف بدأ اليوم بالذكر والرضا، ويتهيأ ليختمه بالصلة المباركة.
جلس أسيد وسيف متجاورين، يرتديان القميصين اللذين شهدا الخطبة ذاتها، ملامحهما تجمع بين الهدوء والاضطراب الخفي.
إلى يمينهما جلس مصطفى و بجانبه محمد ، وعيناهما تتنقلان بين الوجوه في سكينة الواثق.
وبالقرب منه جلس إسحاق، خال هالة ووليها، وإلى جانبه روانس، الأخ الذي يحمل في قلبه خليطا غريبا من العاطفة و الفخر.
في الجهة الخلفية، وراء الستار الرقيق الذي يفصل صفوف النساء عن الرجال، جلست ليا وهالة بهدوء مهيب، تحيط بهما أمهاتهما، كل منهن تمسك بيد ابنتها كأنها تسندها إلى اللحظة الفاصلة.
بينما جلست ميس بجانب والدتها تنظر لهما بإبتسامة خافتة.
لم يكن في المكان ضجيج، بل سكينة ثقيلة تنضح بالوقار.
جلس الإمام يقابل الوجوه ثم بدأ بخطبة الحاجة مرددا:
"إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه"
ثم أضاف تاليا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
(سورة آل عمران، آية 102)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
(سورة النساء، آية 1)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
(سورة الأحزاب، الآيتان 70-71)
حل صمت خاشع بعدها إلى أن أضاف الإمام:
"أما بعد، فإن النكاح من سنن الأنبياء، وقد رغب فيه نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو ميثاق غليظ، تبنى عليه المودة والرحمة، فاحرصوا على تقوى الله في السر والعلن..."
ثم نظر الإمام نحو مصطفى وقال بهدوء:
"الآن، قبل أن نعقد العقد، نذهب لسماع رأي العروس وموافقتها، كما أمر الشرع"
نهض الإمام بخطوات وئيدة، وتبعه روانس الذي وضع يده على صدره بمشاعر مضطربة لأنه سيسلم أخته وقطعة من قلبه اليوم لرجل آخر سيظلها تحت جناحه.
سارا معا نحو الجانب الذي يفصل بين الرجال والنساء بستار أبيض خفيف تتخلله أنوار الغروب المتسللة من النوافذ العالية. توقفا عند طرف الستار، ثم نادى الإمام عليها قائلا:
"ابنتي ليا بنت مصطفى آل الرواني، هل توافقين على زواجك من السيد أسيد بن محمد آل سراج على سنة الله ورسوله،على المهر المتفق عليه؟"
كان الصمت كأنه انتظارٌ لأنفاس لا تقال، ثم جاء صوتها من خلف الستار، رقيقا لكنه ثابت وواثق:
"نعم...قبلته زوجا لي و سكنا دائما و شريكا لي في السراء و الضراء في الفقر و الغنى،في المرض و الصحة، على ما إتفقنا من مهر."
نظر الإمام إلى روانس مبتسما بينما توقفت أنفاس أسيد لوهلة عند سماع موافقتها تلك ، فابتسم هذا الآخر بارتباك جميل وعيناه تلمعان.
ثم عاد الإمام إلى مكانه متبوعا بروانس، حتى جلسا ثانية أمام مصطفى وأسيد، ليبدأ لحظة العقد التي تهز القلب بخشوعها.
تكلم الإمام مخاطبا مصطفى:
"ردد خلفي رجاءا"
أومأ مصطفى بينما ردد خلفه:
"زوجتك إبنتي ليا آل الرواني على سنة الله ورسوله، على المهر المتفق عليه... والله على ما نقول وكيل "
ساد صمت خفيف، ثم رفع الإمام يده إشارة لأسيد أن يجيب. أخذ هذا الأخير نفسا عميقا، أحنى رأسه قليلا كأنه يوقع على وعد سماوي، ثم قال بصوت ملؤه الامتنان والخشوع:
"قبلت بها سكنًا لقلبي قبل أن تكون زوجة لي، قبلتها شريكة دربي، تعينني على شقاء الحياة وكدرها.
أحببتها فوق الحب حبا ، فاحتواها قلبي قبل أن أُشهدكم على قبولي لها.
وإني اليوم أقبلها زوجة تصونني وأصونها، على سنة الله ورسوله، وعلى المهر المتفق عليه."
ارتسمت ابتسامة على فم الجميع بينما قد إختلجت عينا المعنية من خلف الستار بمشاعر كثيرة إثر قبوله حتى أدمعت عيناها.
إستدار الإمام بوجهه لإسحاق وسيف قائلا:
"هل تشهدان على هذا العقد المبارك"
ردا بصوت واحد:
"نشهد على ذلك"
آبستم الإمام وأردف:
" أعلنكما الآن زوجا وزوجة على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير،
اللهم اجعل بينهما مودة ورحمة، وارزقهما السكينة والسعادة في الدنيا والآخرة"
انحنت رؤوس الحاضرين، وأمّن الجميع بصوت واحد خافت لكنه مفعم بالروح:
"آمين."
من خلف الستار، سمع صوت شهقة صغيرة خنقتها الدموع، ثم ضحكة خفيفة لأمها وهي تمسح على كتفها، تقول هامسة:
"مبارك يا ابنتي... رزقك الله السعادة"
ساد صمت خفيف على أرجاء المسجد، قبل أن يقول الإمام بصوته الوقور:
"والآن ننتقل إليك يا بني سيف."
نهض الإمام يرافقه إسحاق بوقاره، وتوجها معا نحو الستار الفاصل بين الرجال والنساء. عنده توقفا، فرفع إسحاق صوته قائلا برقة الخال الحنون:
"ابنتي هالة آزور ، هل تقبلين الزواج بسيف بن محمد على سنة الله ورسوله ﷺ، وعلى المهر المتفق عليه؟"
خيّم صمت آخر، تبعته أنفاس مرتبكة من هالة، يفضحها ارتجاف خفيف في حركتها. وضعت ميساء يدها برفق على كتفها، تومئ لها بثقة.
عندها تنفست ليا بعمق، وقالت بصوت خافت لكنه ثابت:
"نعم... أقبل به زوجا لي، وسكنا من بعد الله، ورفيقا على سنة الله ورسوله ﷺ، وعلى المهر المتفق عليه"
ارتجف قلب سيف من وقع كلماتها و قبولها، وتجمعت الدموع في عينيه حتى كادت تفيض، لولا أنه كبحها بثبات خفي.
عاد الإمام وإسحاق بخطوات هادئة إلى المجلس، ثم قال الإمام لإسحاق أن يردد خلفه، فردد بصوت مفعم بالثقة:
"زوجتك موكلتي هالة ابنة أحمد آزور، على سنة الله ورسوله، وعلى المهر المتفق عليه"
استدارت الوجوه نحو سيف، الذي أخذ نفسا عميقا يحاول به تهدئة اضطراب قلبه وغور دمعه، ثم قال بصوت بالكاد جمع بقاياه من رهبة اللحظة:
"قبلت بها من بعد الله ملجأً دائما، وسكينة لروحي.
قبلتها أن تكون دوائي، وأكون من يصونها.
أشهدكم أني سأكون لها أبا وأخا وسندا وزوجا.
قبلتها بقلب منشرح، لأنها كانت إجابة الله لي.
قبلتها زوجة لي على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى المهر المتفق عليه، والله شاهد على ما أقول"
وما إن أنهى كلماته، حتى عم سكون مهيب المكان، سكون لم يخرقه إلا خفقان قلبها الذي تجاوز الدقتين من فرط المشاعر.
إلتفت الإمام لأسيد و محمد قائلا:
"هل تشهدان على ذلك"
و بنفس الطريقة أجابا:
"نعم نشهد"
إبتسم الإمام وردد:
"إذا أعلنكما زوجا وزوجة على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما في خير.. وجعل المودة و الرحمة مرافقة لكما."
خُتم القِران بهذه الكلمات، وامتلأ المسجد بسكون جميل تهادى بين جدرانه كنسمة طمأنينة.
نهض الجميع بخفة، بينما اتجه سيف إلى الجانب بعد أن فرغ المسجد من الحضور.
خرجت النساء نحو السيارات، وبقيت ليا وهالة فقط في جهة النساء.
اقترب أسيد من الستار، وقال بنبرة حنونة متهدجة على غير عادته:
"ليا... هلاَّ أتيت؟"
ارتجفت يداها، ولأول مرة تشعر بذلك الارتباك الذي يشبه الجُبن، ومع ذلك خطت بخفة خارج الستار.
وما إن تراءت له حتى حبس أنفاسه؛ فمشهدها خطف عقله قبل بصره.
بقي لحظات صامتا على حاله، حتى تنبه لارتباكها غير المعتاد، فابتسم بخفوت وقال :
"هيا، لنذهب إلى الجانب فتنتي العنيدة، ونترك المجال لسيف ليدخل عند زوجته"
أومأت بخجل لطيف، وتوجهت معه إلى جانب بعيد قليلا، بينما في الجهة المقابلة كان سيف يتجه نحو حيث تجلس هالة.
عند أسيد، توقف بها في الجانب، ووضعها أمامه يتأمل وجهها بحبٍ صادق.
ثم بخفة وحنان أحكم يديه على جانبي وجهها، وطبع على جبينها قبلة طويلة أودع فيها ما يفيض به قلبه من مشاعر.
ابتسمت هي ابتسامة صغيرة دافئة، بينما كان هو يبتعد قليلا عن وجهها ناظرا إليها بعينين يغمرهما الود.
مد يده إلى جيب قميصه، وأخرج منه خاتما من الذهب الأبيض، تتوسطه جوهرة صفراء تميل إلى العسلي، تشبه لون عينيها.
برقت عيناها بلمعة محببة وهي تتابع حركته، فرفع يدها بلطف، وألبسها الخاتم في إصبعها، ثم قبل يدها برفق هامس قائلا:
"مبارك لنا عقد القران... يا فتنتي العنيدة"
......
في الجهة الأخرى، عند سيف، وما إن دخل على هالة حتى توقفت قدماه، واهتز بصره بمشاعر متداخلة، يراها واقفة هناك برأس منحن وثوب أخضر يزيدها بهاء فوق بهائها.
تقدم بخطوات هادئة ظاهرها الثبات، وباطنها الارتباك، حتى وقف أمامها وقال بصوت مفعم بالحنين:
"ألن ترفعي وجهك لي... حتى أرى تلك العيون العشبية التي خطفت عقلي؟"
احمرت وجنتا هالة خجلا، وابتسمت بخفة وهي ترفع وجهها نحوه ببطء. عندها وضع يده على صدره، يبتسم بخفوت وعيناه تبرقان بدموع لم تهطل.
من فرط مشاعره مد يده إلى خصرها، وجذبها إليه ضامّا إياها إلى صدره بقوة، كأنه يخشى أن من أمامه محض حلم عابر.
لحظات من الصمت المليء بالعاطفة، قبل أن تسمع صوته المكتوم المرتجف كأنه يبكي، فقالت بخفوت وقلق:
"هل... هل تبكي يا سيف؟"
ابتسم بين دموعه ورد بصوت متهدج من بين دموعه التي فاضت على كتفها:
"وكيف لا أبكي؟ وكيف لي ألا أبكي وقد من الله علي باستجابة دعائي، ذلك الدعاء الذي رددته لعامين كاملين في ظلمة الليل وسكونه؟
كيف لا أبكي وأنا الذي انتظرت هذا اليوم شوقا وصبرا لعامين متتابعين، وكيف لي أن أُقيد دموعا هطولها فرح وامتنان يا مُنَيتِي؟"
.
.
.
.
.
.
ستوب ستوب.... إنتهى الفصل.
أطول فصل كتبته إلى الآن.
من فرط المشاعر أدمعت عيناي
كيف الفصل
أبناءي:
. سيف
. أسيد
. روانس
إلى اللقاء رونسايون
"أرووي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira