رعشة البداية

رعشة البداية

33 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عساكم بخير يا غاليات

 بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم 

أما بعد:

سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب

.

.

.

"ثمة لحظات لا تأتي صاخبة، لكنها تترك في القلب ارتجافة لا تُنسى... كأنها توقيع القدر على صفحة بيضاء لم تُكتب بعد."

...........

في بيت آل الرواني.

عاد روانس إلى البيت مع غروب الشمس، حين اكتسى الأفق بلون برتقالي مائل للذهبي. فتح الباب ، فاستقبله عبق البخور ورائحة القهوة التي اعتادت والدته أن تُحضّرها كل مساء. كان المنزل فسيحا، يجمع بين الطابع السعودي التقليدي بلمسات حديثة؛ جدران بيضاء تتزين بلوحات قرآنية، ومجلس واسع مفروش بالسجاد الشرقي، يعبق بالدفء والسكينة.

أول ما لمح والدته خديجة في المطبخ، ترتب الصحون على المائدة بابتسامة تسبقها حنانا:

"أهلًا بعودتك يا بني، كيف كان يومك؟"

قبّل رأسها برفق وقال:

"الحمد لله، مجرد يوم طويل."

من غرفة الجلوس خرج والده مصطفى، بملامح وقورة وصوت هادئ :

"هيا، غير ملابسك، وصلي صلاتك،وتعال لتشاركني الجلسة."

خلع معطفه ووضع حقيبته جانبا، وفجأة اندفعت أخته "لِيَّا" ذات العشرين عاما من الممر، شعرها البني الطويل يتأرجح خلفها بخفة:

"أخيرا عاد الأستاذ الكبير! كنت سأبدأ محاضرة عن التأخر والانضباط."

ابتسم وهو يرد ساخرا:

"يكفيني ما ألقيته اليوم، لا حاجة لمحاضرات إضافية."

جلسوا جميعا حول المائدة؛ أصوات الملاعق تختلط بالضحكات والحديث المتقطع، لحظة عائلية تنبض بالدفء. وبعد فترة، تبادل الأب والأم نظرات قصيرة، ثم تنحنحت الأم وقالت بصوت متردد لكن جاد:

"روانس... لقد بلغت الثامنة والعشرين. ألا ترى أن الوقت قد حان لتفكر بالزواج؟"

سكت لحظة، بينما وضعت ليان يدها على خدها بابتسامة خبيثة:

"نعم يا أخي، نريد أن نراك عريسا قبل أن يُقال عنك: أضاع عمره بين الكتب والدفاتر!"

ضحك الوالد بخفة، وأضاف:

"أمك محقة، ليس من العيب أن تستقر. لديك عملك ومكانتك، ولا ينقصك شيء."

رفع روانس عينيه إليهم بهدوء، وصوته متزن لكنه حاسم:

"أقدر حرصكم علي، لكن الزواج الآن ليس في خططي. أو لنقل لم أجد من إرتضيتها بعد."

ساد صمت قصير على الطاولة، ليان أطلقت تنهيدة مسرحية وقالت:

"كما تشاء، لكن لا تلمنا إن رتبنا لك عروسا من دون إذنك!"

ابتسم أخوها ببرود ممزوج بالود وهو يعبث بشعرها:

"جربي، وستكون محاضرتي القادمة عن التدخل في شؤون الغير."

انفجروا جميعًا بالضحك، وعاد الجو إلى مرحه المعتاد، وكأن شيئا لم يُقال... لكن فكرة الزواج التي أثيرت لم تغلق تماما، بل بقيت معلقة في الأفق كظل خفيف.

......

استيقظت ميس على خيوط الشمس التي انسلت بخفة عبر ستارة الغرفة، ترسم خطوطا ذهبية على الجدار. أخذت نفسًا عميقًا.

ثم نهضت ببطء لتبدأ روتينها المعتاد. توضأت، صلت بهدوء، ثم ارتدت عباءتها الواسعة وحجابا بألوان ترابية، رتبته بسرعة أمام المرآة، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها قبل أن تخرج من الغرفة.

في الصالون، كان الصباح قد أخذ شكله المعتاد:

والدتها تنهي ترتيب أطباق الإفطار على الطاولة،

والدها يجلس في طرفها يقرأ الجريدة بتركيز،

وبجانبه فنجان قهوة يعلو منه بخار خفيف.

نور، تجلس على الكرسي مقابلة ميس وهي تلوح برجليها في الهواء وتقرأ كتابا مصورا.

أسيد كان قد خرج من غرفته ببدلة أنيقة وربطة عنق داكنة اللون، ممسكا بهاتفه يتفقد رسائل العمل قبل أن يضعه في جيبه. منذ تخرجه،

التحق بشركة والده لإدارة الأعمال و أصبح من يترأسها،

ما جعله يعيش تحت ضغط لا يخلو من المسؤولية، حتى في صباحات هادئة كهذه.

جلست ميس بهدوء، وضعت أمها امامها كأس عصير من البرتقال، تقول:

"خذي شيئًا قبل أن تخرجي."

أخذت لقمة صغيرة ورشفة ماء، بينما نور وضعت الكتاب وقالت ببراءة:

"ألن تبقي معنا قليلا؟"

ابتسمت ميس:

"عندي محاضرة باكرة."

والدها رفع نظره عن الجريدة، عينيه تتفقدان ملامحها للحظة قبل أن يعود إليها مجددا، مكتفيا بـ:

"وفقكك الله بنيتي ."

حين جمعت ميس حاجياتها، كان أسيد يقف بجانب الباب، يضبط أزرار معطفه قبل أن يلتقط مفاتيحه.

ألقى بنبرة حنونة على أخته:

"إذا أردت توصيلة، فأنا في طريقي للشركة."

أومأت بابتسامة سريعة، وعدلت حجابها وهي تخرج معه.

...

كان قد أحكم إغلاق حقيبة عمله بعد أن تناول فطوره على عجل في منزله، مستعدا ليوم جديد في الجامعة. خرج نحو المرآب بخطوات ثابتة، ركب سيارته وأدار المحرك، عقله منشغل بجدول المحاضرات وبعض الأوراق التي عليه مراجعتها.

عند وصوله إلى الجامعة، كان أول قسم في جدوله هو قسم ميس. دفع باب القاعة برفق، ولم يجد أحدًا بعد، فقد جاء أبكر من المعتاد. تنفس بعمق، وأراد اغتنام لحظات الهدوء قبل الضجيج المعتاد.

جلس في الصف الأمامي، أخرج مصحفه الصغير، وبدأ يتلو آيات من كتاب الله بصوت خاشع ينساب في أرجاء القاعة الفارغة،

كنسيم يبعث الطمأنينة في قلبه.

لم يشعر بخطواتها وهي تدخل بهدوء،

تحمل بعض الأوراق بين يديها، توقفت عند الباب للحظة، متسمرة في مكانها، عيناها تتابع حركات شفتيه وهو يتلو آيات القرآن بصوت هادئ ، وصدى صوته جعلها تسرح فيه دون شعور وقد أحبت تجويده المتقن للأيات.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ۝ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۝ نُزُلًۭا مِّنْ غَفُورٍۢ رَّحِيمٍۢ}

أنهى الآية، أغلق المصحف برفق مرددا

"سبحانك اللهم و بحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك"

ورفع رأسه بغتتة نحو الباب ليتفاجأ بها واقفة.

لثوانٍ، ظلّ ناظرا إليها، عيناه تلتقي بعينيها في صمت مربك، إختلجت عيناه بإرتعاشة طفيفة، كأن الزمن تجمد. أدرك نفسه فجأة، فخفض بصره سريعا، وتمتم بصوت منخفض:

"أستغفر الله وأتوب إليه."

لكن ما أربكه أكثر هو صوتها الهادئ يقطع السكون:

"السلام عليكم... أعتذر على المقاطعة، لم أكن أعلم أنك هنا."

أجابها بعد لحظة صمت:

"وعليكم السلام... لا بأس، تفضلي."

دخلت بخطوات مترددة وجلست في أقرب مقعد،

تحاول الانشغال بأوراقها، لكن عقلها كان مشغولًا بتلك اللحظة الغريبة التي جمعت بينهما. أما هو، فحاول التمسك بهدوئه، لكن لم يستطع التفكير في شيئ لوهلة غير عينيها ذات لون التركواز الجميل

ولكن ما لبث أن إستغفر ربه لتفكيره.

أعاد النظر إلى ساعته، ثم قال بصوت خافت وكأنه يحدث نفسه:

"لقد حان الوقت..."

عاد الأستاذ إلى مكتبه وجلس بهدوء، فتح أوراق المحاضرة واستعد لما سيقدمه بعد قليل.

لم يلتفت نحوها مجددا، حتى لا يمنح نفسه فرصة لتشتت لم يعتده. كان يردد في نفسه:

"اللهم ثبتني...بسم الله"

أما ميس، فجلست في المقعد الأمامي، تحاول إخفاء ارتباكها خلف تقليب أوراقها.

قلبها يخفق بقوة، لا تفهم لم توقفت تلك اللحظة عندها. حاولت إقناع نفسها أن الأمر طبيعي، لكنه لم يكن كذلك.

لم يمر وقت طويل حتى امتلأت القاعة ببقية الطلبة، وعاد الصخب المعتاد. وقف الأستاذ روانس بثبات خلف الطاولة، وألقى السلام بصوت ثابت:

"السلام عليكم ورحمة الله."

ردّ الطلبة جميعا، وأخذ يوزع نظراته على الصفوف بنظام، دون أن يسمح لنفسه أن تستقر عيناه أكثر من اللازم.

بدأ بشرح المحاضرة، صوته واضح وقوي، يحمل ثقة رجل يعرف ما يقول. أما ميس، فكانت تحاول التركيز في الشرح.

أنهى المحاضرة في وقتها المحدد، وجمع أوراقه دون إطالة.

وقبل أن يغادر، قال بصوت رسمي للجميع:

"المحاضرة القادمة ستكون أكثر تفصيلًا، لذا راجعوا ما أخذناه اليوم."

ثم غادر بخطوات ثابتة، تاركا خلفه قاعة تضج بالطلاب، وترك ميس مع صراع لم تنجح في إسكات صداه.

......

عاد روانس إلى المنزل، ألقى حقيبته قرب المكتب، وتوجه مباشرة إلى الحمام . كان يومه طويلا، لكنه لم يكن متعبا جسديًا بقدر ما كان مشغول الفكر.

فرش سجادة الصلاة، وقف يكبر، صوته خافت،

لكن قلبه كان يضج بالدعاء. ركع وسجد، وكل سجدة كانت محاولة منه لإلقاء كل ما أثقله.

بعد أن سلم، جلس على السجادة، أطرق برأسه، وأخذ يردد:

"ربّ لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب."

أمسك بمصحفه، فتحه عشوائيًا، فوقعت عيناه على الآية:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].

ابتسم بخفة، وكأنها رسالة واضحة: الثبات ممكن، إن اخترت الطريق الصحيح

قام بتلاوة بعض الايات ثم أغلق المصحف وشرد في الأرض.

رغم الطمأنينة التي بدأ يستشعرها،تذكر تلك اللحظة القصيرة في القاعة، التقاء النظرات الذي لم يكن مقصودا، لكنه كان كافيا ليترك أثرا لم يعهده من قبل.

تنفس بعمق، وقال لنفسه بحزم:

"لا مجال إلا لغض البصر، وحراسة القلب."

ثم أعاد المصحف إلى مكانه، وهو يردّد في سرّه:

"اللهم ارزقني الإخلاص، واغسل قلبي من كل ما لا يرضيك."

جلس بعدها أمام نافذة تطل على الشارع، يراقب أضواء الليل التي بدأت تنتشر، يحاول ملء قلبه بذكر الله قبل أن يملأه شيء آخر.

......

أغلقت باب غرفتها بهدوء، رمت حقيبتها على السرير، وجلست على حافته وهي تطلق زفرة طويلة. خلعت وشاحها ببطء، وأسندت رأسها إلى الجدار، تحدق في السقف بعينين تائهتين.

كان اليوم مرهقا... لكنها لم تكن تفكر في التعب المعتاد من المحاضرات، بل في شيء آخر ظل يلاحقها منذ الصباح.

تذكرت تلك اللحظة القصيرة في القاعة، حين فوجئت به جالسا يقرأ القرآن بصوت خافت. لم تكن تتوقع أن يترك في نفسها أثرا غريبا كهذا.

ضغطت على صدغيها بيديها، وكأنها تحاول إخراج الفكرة من رأسها، ثم همست بحدة لنفسها:

"ما هذا يا ميس؟! ما بكِ؟ هو أستاذك، ورجل ملتزم، وأنت... ماذا تفكرين؟"

نهضت فجأة، مشت بخطوات متوترة نحو النافذة، أزاحت الستارة، وراحت تحدق في الأفق المظلم، تحاول تشتيت عقلها بأي شيء.

لكن قلبها كان يهمس:

"ذلك الصوت... تلك الطمأنينة التي شعرت بها... لماذا بدت مختلفة؟"

هزت رأسها بعنف، ثم قالت بصوت مرتجف:

"أستغفر الله العظيم..."

جلست على الكرسي المقابل للشرفة وشردت في أفكارها التي بدأت تستولي عليها شيئا فشيئا وتدفعها للتفكير في أمور قد حرمها الله عليها، نفسها بدأت تتصارع معها وميس وكأنها تحادث شخصا آخر معها

وما هي إلا لحظات حتى جفلت و مسحت وجهها

مرددة:

"أستغفر الله، أستغفر الله.. مالذي أفكر فيه، يا إلهي.. "

تقدّمت نحو مكتبها، سحبت المصحف من الدرج، فتحته وبدأت تقرأ بصوت خافت، تحاول أن تطرد عن قلبها كل وساوس النفس. لكن عينيها كانت تخونها أحيانا، تهيم بين الحروف بلا تركيز، لتعود الصورة نفسها إلى خيالها من جديد.

أغلقت المصحف، وأسندت جبينها على الطاولة

تشرد بأفكارها لدقائق.

ثم حملت نفسها وخرجت من غرفتها قاصدة الحديقة أين إجتمعت العائلة.

..........

خرج أسيد من الشركة مثقل الذهن،

خطواته ثابتة رغم الصخب الذي يضج في رأسه،

عيناه السوداوتان تلمع بتعب.

جلس خلف مقود السيارة، زفر طويلا مخللا يده في شعره الفاحم السواد قبل أن يدير المحرك،

و ينطلق نحو الطريق المزدحم. الليل يوشك أن يبتلع النهار.

بينما هو يقود، استسلم لأفكاره التي تسللت بلا استئذان؛ ملفات معلقة، وصوت في أعماقه يطالبه بالهدوء...

لكن شروده قطع فجأة عندما ظهر أمامه ظل أنثوي يقطع الطريق على حين غفلة.

ضغط على المكابح بقوة، وصوت احتكاك الإطارات بالأرض دوى في أذنيه، حتى شعر بانقباض في صدره.

تجمد للحظة، ثم انطلق من السيارة بخطوات متسارعة، وقلبه يخفق بجنون.

انحنى قربها، صوته مشوب بقلق حقيقي:

"هل أنت بخير؟"

رمشت بعينيها، وكأنها تعود إلى الواقع بعد صدمة قصيرة، رفعت نظرتها إليه بتردد، وقالت بصوت خافت:

" أه... نعم، أنا بخير. آسفة... لم أكن منتبهة، كنت شاردة."

شيء في نبرتها أوقف الزمن للحظة؛

طريقة كلامها، ارتجاف بسيط في صوتها، جعلت أنفاسه تتباطأ. ظل يحدق بها بوجهها حاد الملامح وعيونها العسلية ، يحاول أن يفهم ما هذا الانجذاب الغريب الذي اجتاحه بلا إنذار.

انتبه لنفسه حين رأى أنها تحاول النهوض، فمد يده بسرعة ناسيا عدم وجوب لمسها، لكنها سبقت حركته. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه مبعدا بصره عنها وهو يقول بنبرة أكثر هدوءًا :

"لا بأس... أنا أيضًا كنت شارداً."

لحظة صمت قصيرة بينهما، امتدت أكثر مما يجب. كان هناك شيء في نظراتها، شيء يشبه الغموض الذي يثير الفضول، قبل أن تتراجع خطوة للخلف وهي تضم حقيبتها بقوة. رفعت يدها في إيماءة بسيطة وقالت بهدوء:

"أظن أنني يجب أن أذهب، أعتذر مجددا على تعطيلك ."

أومأ أُسيد:

"بالطبع...السلام عليكم."

ثم ابتعدت بخطوات متسارعة، وذابت وسط الزحام، بينما بقي هو واقفا للحظة يراقب ظلها يبتعد، يشعر بشيء غير مفسر يشده إليها. زفر ببطء قبل أن يعود إلى سيارته، لكن شروده هذه المرة كان مختلفا.

قاد سيارته أخيرا، كل منهما يسلك طريقه، غير مدركين أن هذا اللقاء العابر ليس الأخير .

......

في صباح اليوم التالي، كان بيت آل سراج يعج برائحة الخبز الطازج وصوت فناجين القهوة وهي ترتب على الطاولة. التفت العائلة حول مائدة الفطور في جو يغلب عليه الهدوء الممزوج بطمأنينة الصباح.

قطع سيف الصمت وهو يرفع نظره نحو ميس قائلا بنبرة عملية:

"سأوصلك اليوم إلى الجامعة، فقد كلفت بتدريس القانون، للقسم الأخير."

رفعت ميس رأسها عن كوب الشاي، انعكست على عينيها لمحة خفيفة من الدهشة قبل أن تجيب بابتسامة صغيرة:

"حسنا... لا بأس إذن."

ما إن انتهوا من الفطور حتى نهض سيف أولا، التقط مفاتيحه من فوق الخزانة، ثم التفت إلى ميس قائلا:

"هيا، لا نريد أن نتأخر."

أومأت ميس بسرعة، جمعت كتبها في حقيبتها وأغلقت السحاب،وتبعت أخاها إلى الباب.

وقبل أن يخرجا، نادت الأم من خلفهما بنبرة حنونة:

"انتبهوا لأنفسكم، ولا تنسوا تناول الغداء."

ابتسم سيف وهو يجيب:

"لا تقلقي يا أمي، السلام عليكم."

فتحت ميس الباب وخرجت، لتستقبلهما نسمة صباحية عليلة، فيما كان سيف يغلق الباب خلفهما. تقدما بخطوات ثابتة نحو السيارة المركونة أمام المنزل،

جلست ميس في المقعد الأمامي. جلس سيف خلف المقود، أدار المحرك،

تحركت السيارة ببطء، ليمتزج صوت المحرك بهدوء الصباح.

انطلقت السيارة في هدوء، والشوارع لا تزال تنبض ببرودة الصباح. كانت ميس تحدق عبر النافذة في أشعة الشمس الذهبية التي انعكست على الأرصفة.

قطع سيف بينما يلقي عليها نظرة بعيونه السوداء الشبيهة بأخيه، وشعره البني الباهت،.. الصمت قائلا:

"كيف جدولك اليوم؟"

أجابت ميس وهي تصلح حجابها:

"مزدحم قليلا... أصول الفقه في الصباح، ثم العقيدة بعد الظهر...... اليوم طويل."

ابتسم سيف بخفة وهو يغير اتجاه السيارة:

"الفقة... هذا يعني أنك ستبدئين في مناقشة مسائل كبرى كالمعتاد، أليس كذلك؟"

ضحكت ميس بخفة:

"بالضبط... وأنت؟ أول يوم في تدريس القانون، جاهز ؟"

هز رأسه:

"جاهز، مع أنها أول مرة في التدريس، قأنا معتاد على المحاماة و الميدان.... لكن أتوقع جدالا طويلا مع بعض الطلاب الذين يحبون اللعب بالنصوص القانونية."

قالت ميس بابتسامة ماكرة:

"تماما مثل بعض مناقشاتنا في البيت"

ضحك سيف:

"صحيح، لكن الفرق أني هنا لن أستطيع الانسحاب مثلما أفعل معك."

ابتسم سيف ثم أوقف السيارة أمام المدخل:

"حظا موفقا يا أستاذة الشريعة."

ردت مازحة وهي تنزل:

"وأنت يا أستاذ القانون، لا ترهق طلابك."

وبينما كانت ميس تهم بالنزول، لمح سيف عند المدخل مجموعة من الطالبات يسرن في اتجاه البوابة. كانت من بينهن فتاة تحمل ملفات كثيرة في يديها، وتبدو منشغلة في ترتيبها أثناء السير.

فتحت ميس الباب ونزلت، ثم سمعت صوتا يناديها بفرح:

"ميس! صباح الخير!"

التفتت ميس لترى هالة تقترب بخطوات سريعة، تحمل ابتسامة مشرقة كعادتها، لكن فجأة انزلقت بعض الأوراق من بين يديها وسقطت على الأرض.

لم تتردد ميس في الانحناء لالتقاط الأوراق، لكن سيف كان قد ترجل من السيارة في اللحظة نفسها، مد يده والتقط إحدى الأوراق قبل أن تصل إليها. رفع نظره وهو يناولها الورقة قائلا بنبرة هادئة:

"تفضلي... يبدو أن الحمل كان ثقيلاً."

رفعت هالة بصرها نحوه لثانية، بدت عليها لمحة خفيفة من الارتباك و هي تقول:

"شكرًا... لم أكن منتبهة."

أخذت الأوراق بسرعة، فيما وقفت ميس تراقب بعض الكتب في يدها وهي تقول مازحة:

"هالة، دائمًا معك مكتبة متنقلة."

ضحكت هالة بخفة مجيبة

" تعلمين شغف المطالعة لا ينتهي "

ضحكت الاثنتان، بينما أعاد سيف النظر إلى ساعته قائلا:

"لن أطيل عليكما، عندي محاضرة الآن."

أومأت ميس:

"بالتوفيق. "

ابتعد سيف متوجها للداخل، فيما تبادلت هالة مع ميس نظرة فيها تساؤل طفولي:

"أخوك يبدو صارما جدًا..."

ضحكت ميس وهي تمسك بيدها لتدخلا معا:

"أنت لا تعرفينه فقط.."

ثم اختفتا وسط الحرم الجامعي، تاركتين خلفهما المشهد الصغير الذي مر سريعا، لكنه علق في ذهن هالة أكثر مما توقعت.

........

دخل الأستاذ روانس القاعة بخطوات موزونة،

وهدوءه المهيب كان كفيلا بأن يوقف أي حديث جانبي. وضع حقيبته على المكتب،

ثم اعتدل واقفا، وألقى التحية:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."

ارتفع صوت الطلاب:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."

جلس، ثم رفع نظره إلى القاعة و أردف بنبرة ثابتة:

"موضوعنا اليوم: فقه المعاملات... تحديدًا مسألة البيوع المعاصرة."

بدأ الشرح، ومع تقدم الدقائق اشتعلت القاعة بنقاش فقهي فتحه أحد الطلاب:

"أستاذ، أليس البيع بالتقسيط فيه شبهة ربا، باعتبار أن الثمن يتغير حسب الأجل؟"

ابتسم روانس بخفة، ثم قال وهو يستند بيده إلى الطاولة:

"سؤال مهم... هل من رأي آخر؟"

هنا رفعت ميس يدها ، فالتفتت إليها معظم الأنظار. أشار لها الأستاذ:

"تفضلي."

أجابت بصوت قوي:

"البيع بالتقسيط جائز، ما دام الثمن محددا من البداية، والمواعيد معلومة، ولا يتضمن العقد ربا ولا شرطا فاسدا. أما تغيّر الثمن لاختلاف الأجل فليس من الربا، بل من باب اختلاف السعر باختلاف الشرط قبل الإيجاب والقبول."

ساد صمت قصير، تبعه صوت الأستاذ بنبرة ثابتة:

"إجابة دقيقة... أحسنت."

لكن في أعماقه، كان يسجل هذا الموقف بعناية

أحد الطلاب عقب متحمسا:

"لكن، أستاذ، أليس هذا مدخلًا للتحايل؟"

هنا التفتت ميس لبرهة ثم عادت لوضعيتها ، وردت قبل أن يسمح لها روانس، لكن دون أن تفقد نبرة الاحترام:

"التحايل يحصل إذا انعدم الضبط الشرعي. الفقه ليس نصوصا جامدة، بل ميزان يعمل بالعقل مع النص، والضابط دائما: خلو العقد من الغرر والربا."

تعلقت العيون بها، وبعض الهمسات دارت في الخلف. أما نوارس، فقد طرق القلم على الطاولة مرتين، ثم قال وهو يخفي ابتسامة سريعة:

"يكفي النقاش هنا. نعود للدرس."

استكملت الحصة حتى أوشكت على الانتهاء. وبينما الطلاب يجهّزون دفاترهم، نهض الأستاذ روانس قليلا، صوته عاد صارما:

"قبل أن تغادروا... كلمة أخيرة."

ساد الصمت، والعيون اتجهت إليه. جال بنظره حتى استقر على المقاعد الخلفية حيث يجلس شابان برؤوس غير متناسقة الحلق:

"القزع... حلق بعض الرأس وترك بعضه، نهى عنه النبي ﷺ، وهو مكروه عند جمهور الفقهاء، ويتحول إلى تحريم إذا كان تشبها بالكفار أو أهل الفسق. العلم لا يكتمل إلا بالأدب، ومن الأدب طاعة أوامر الله. أترك لكم التفكير في هذا قبل أن نلتقي مجددا، وما هي إلا نصيحة. "

أعاد القلم إلى جيبه، حمل حقيبته، ثم قال بهدوء يخفي وراءه صرامة:

"انتهى الدرس."

خرج بخطوات ثابتة، وفي ذهنه فكرة عابرة لم يشأ أن يطيل النظر فيها:

"العلم... حين يقترن بالثقة، يترك أثره حتى في أستاذه."

أما القاعة، فقد بقيت خلفه بين من يراجع الملاحظات، ومن يتهامس عن النقاش...

إلتفتت هالة إليها بعد برهة مردفة:

"دائما تبهرينني بدقة الجواب و فيض معلوماتك يا صديقتي، كم انا فخورة بك"

إبتسمت ميس بخجل وردت:

"هذا من فضل الله، قولي هل نذهب للمكتبة"

ضحكت هالة بخفة وقالت

"ونعم بالله، نعم لا مشكلة هيا."

جمعا اغراضهما وقاما خارجتين من القاعة ذاهبتين الى المكتبة.

........

كانت ميساء تسير إلى جانب رفيقتها هالة في الرواق الطويل المؤدي إلى المكتبة المركزية، حيث سكون المكان لا يقطعه إلا وقع خطواتهما وصوت حوارهما الخافت.

وفجأة، اصطدمت هالة بما ، فتبعثرت الأوراق من يدها على الأرض.

......

انتهى الفصل الثاني بحول الله

اراءكم فيه

وكيف بداية الشرارة واللقاء

اتمنى ان يكون الفصل جميلا

واستفدتم منه اكثر مما استمتعتم

الفصل من 2900 كلمة

لا تنسوا الدعاء لإخواننا في غزة،

كتبت بأنامل جزائرية

نلتقي في الفصل الثالث من الرواية

في امان الله

"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة