حين يجد القلب مُتكأه

حين يجد القلب مُتكأه

15 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب

.

.

.

ملاحظة:

علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.

الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟

.

.

.

​"لا تُطفأ النيران بالماء فحسب، بل بكف حانية تمتد إليك، لتنتشلك من لهيب الذكرى"

.

.

.

ثَمَّةَ لحظة قديمة لا اسم لها، لا تضفصح عن نفسها، تختبئ في عمق لا تصل إليه اليد ولا الفكر.

لكنها تظل هناك، كصدى معلق في هواء لم يعد موجودا، يكفي أن يمر الشيء الذي يشبهها.. لمحة باهتة، ظل نصفه في الضوء ونصفه في الظلام... حتى تستيقظ الحركة الخفية في الداخل، وترتجف الروح رجفة لا يُعرَف سببها أو ربما فقط يحسب نفسه غير عالما بها.

لا يظهر الماضي صريحا... بل يمر كطيف يلامس أطراف الوعي ثم يختفي، تاركا وراءه دوامة صغيرة لا ترى تربك القادم دون أن تدل على موضعه.

تتكرر اللحظة بلا ملامح، كأنها نقش ممحو يعود إلى السطح كلما مسه غبار التشابه، شيء ما يتحرك ولا يُعرف ما هو كأن القلب يعترف به قبل العقل، وترتسم على الزمن رعشة لا تُنسب إلى أحد.

وهكذا تبقى العقدة القديمة كخيط رفيع يمتد بين الأمس والغد، لا يُمسك ولا يُقطع، يشتد فجأة كلما مر الشيء الذي لا نعرف لماذا يوقظه أو عندما تعاد الذكرى فنعرف لماذا يوقظه... ولا كيف يُسكِنُه ولكن يُسْكن بعد ذلك بالعودة للمتكأ الذي يزيل جميع الهموم عنك.

.

كانت تنظر أمامها بعينين شاخصتين لا تبصران الطريق، فيما عقلها يغوص في مكان سحيق... مكان لا اسم له، ولا باب، ولا ضوء.

كلُّ امرئٍ يُخبِّئ في أعماقه وجعا يخشاه، صغيرا كان أو عظيما، أما رهابها الذي كان يزلزل أفنان قلبها ويذيب ما تبقى من تماسكها، فكان النار... تلك النيران التي لا تعرف شفقة، والتي تلتهم ما أمامها التهام الجائع، تحول الحطب رمادا، والنبات ترابا، والحيوان صراخا، والبشر أثرا بعد عين.

تهطل دموعها هطول المزن، بلا إرادة ولا استئذان، وتخرج أنفاسها من صدرها بطيئة كأن كل نفس ينتزع انتزاعا، وهي تحدق في ذلك اللهيب المتصاعد من الجهة المقابلة.

مطعم صغير اشتعلت جوانبه، ويبدو أن شرارة خائنة من سلك كهربائي قد أوقدت فيه نارا لا تُخمد.

وفي اللحظة نفسها، انفتحت في رأسها أبواب الذكرى على آخرها... ذلك اليوم الأسود الذي طُبع على روحها كالكَيّ، يوم رحيل والدها وسط ألسنة اللهب، ألسنة تراها إلى الآن وحشا كاسرا انتزع أعزّ ما كانت تملك من بين يديها الصغيرة.

ارتجفت يداها ارتجاف العصفور المبتلّ، وعيناها لا تزالان معلقتين على النقطة البعيدة نفسها؛ حيث تتعالى صرخات الناس، وتمتزج في مسمعها بصيحة أمها يومها:

"زوجي ما يزال بالداخل! إنه في الداخل!"

في ذلك اليوم لم تتحرك... بقيت كالصنم، تحدق في النيران التي تزداد ارتفاعا، وكل ما يدور في رأسها أن والدها لا يزال هناك، يناديها، ينتظرها، يحترق.

ومن بين طبقات الذاكرة، عادت اللحظة لتتجسد أمامها... ففتحت باب السيارة دفعة واحدة، نزلت بخطا مضطربة، وأخذت تركض نحو اللهيب، قد طمس الخوف وعيها فلم تعد تبصر شيئا سوى النار... النار وحدها.

لكن قبل أن تدنو، أحاط ذراعان قويتان جسدها المرتجف، كأنما انتشلت من هاوية.

همس دافئ قريب من قلبها لامس سمعها وقال بصوت يكاد ينكسر عليها:

"هالة... يا منيّتي، ترفّقي بنفسك، ما بالك؟ علامَ تبكين هكذا؟"

اهتز صدرها شهقة بعد أخرى، غصّ صوتها، وارتعشت شفتيها وهي ترفع إصبعا مرتجفا نحو النار، صيحتها تمزق الهواء:

"سيف... دعني! أبي... أبي في الداخل! أبي يحترق... سيف أرجوك، افعل شيئا... أبي سيموت... سيغادرني مرة أخرى!"

كان الكلام يخرج منها كأنه نزيف قديم انفتح فجأة... كأن روح الطفلة التي فقدت أباها ما زالت واقفة هناك، تصرخ في حضرة النار، ولا تجد يدا تمتد إليها إلا الآن.

شد عليها سيف بيديه بقوة المحب لا قوة المانع، وصوته يتهدج كأنما يخشى عليها من انكسار لا يلتئم:

"هالة... بالله عليك أنظري إلي، أنا هنا... أنا معك"

لكنها لم تسمع منه إلا رنينا بعيدا، كأن المسافة بينهما فجأة صارت سنوات من الحزن، كانت نظراتها معلقة بالنار، تتسع كلما تراقص اللهب، كأن في كل شرارة طعنا يعيد فتح جرحها القديم.

أخذت تدفع صدره بيديها المرتجفتين وهي تهتف:

"سيف... لا تمنعني! سأذهب إليه... لا أريد أن يساق إلى الموت وحده كما حدث يومها... لا أريد أن أقف متفرجة مرة أخرى!"

تكسر قلبه لرؤية ارتجافها، لم يعد يرى أمامه امرأة تبكي، بل طفلة صغيرة تصرخ بفقدها، تحمل هم عشر سنين فوق كتفيها.

اقترب من وجهها، أمسك وجنتيها بين كفيه، وجعل نظره يطابق نظرتها، وكأنه يريد انتشالها من غرقها بالقوة.

قال بصوت خفيض، لكنه ثابت كالسيف الذي سمي به:

"هالة، أقسم لك... أنت لست وحدك أنا هنا الله معك، النار التي خطفت والدك لن تخطفك أنت، ولن أدعها تبتلعك"

توقفت أنفاسها لحظة، والدموع تهوي على وجهها كحبات مطر ألقيت من غيمة متعبة.

ارتخت أصابعها، ثم التصقت بقميصه وكأنما تبحث عن شيء تتشبث به ليمنعها من السقوط.

تمتمت بصوت أشبه بطفل خائف:

"سيف... هو... كان يصرخ... ولا أحد استطاع إنقاذه... وأنا... كنت أنظر فقط..."

عض سيف على ألمه، فالحادثة التي عرف تفاصيلها من أخته، لم يكن يتوقع أن يراها تتجسد أمامه بهذا العنف.

أدارها برفق إليه، أمسك وجهها بين كفيه، وقربه من وجهه حتى لا يبقى بينها وبين صوته أي مسافة يمكن للذكرى أن تتسلل منها.

قال بثبات يخفي اضطرابه:

"هالة، أنظري إلي... أنت هنا، الحريق هناك، لكنك لست فيه. أبوك رحل في حادث مضى، وليس في هذا المكان. ما ترينه الآن ظل من الماضي، لا الحقيقة"

ارتجفت شفتاها، وانهد صوتها انهدادا موجعا:

"لكنني... سمعت صراخه... كنت أقف ولا أتحرك... كان يريدني!"

ضمها سيف إلى صدره، ضمًّا يشبه الحماية أكثر من العناق، كأنما يخشى أن تذوب بين يديه:

"كنتِ طفلة، يا هالة... طفلة لا تقوى على مواجهة نار ترعب الكبار، ليست خطيئتك، وليست يدك التي عجزت... النار هي التي خطفت، لا أنت، ما كان لأحد أن ينقذه ذلك اليوم ما لم يشأ الله، ولا تنسي أنه أجله و الله يعلم أنك تقدرين على الصبر فإبتلاك قما كان أن يجعلها عسيرة يا حبيبة الفؤاد فقط هوني على نفسك فما إبتلاك إلا لأنه أحبك"

اشتد بكاؤها حتى كادت تنهار، فشد ذراعيه حولها أكثر، وأسند رأسها إلى كتفه وكأنه يحاول إخماد الحريق الذي اشتعل في قلبها لا في المطعم المقابل.

ثم همس بصدق يقطر ألما:

"أعرف ما مررت به... وأعرف كم ينهشك كلما رأيت نارا. لكني هنا، ولن أتركك تساقين خلف ذكرى لم تعد موجودة، مادمت بجانبك... لن تعودي إلى ذلك اللهيب وحدك"

كانت أنفاسها تهدأ ببطء، كمن يعود إلى جسده بعد غياب، بينما ظل سيف ممسكا بها، لا يتركها لهول اللحظة ولا لثقل الماضي.

سكنت أنفاسها شيئا فشيئا، وكأن روحها التي كانت معلقة بين نارين نار الماضي ونار الحاضر وجدت أخيرا مكانا تستقر فيه.

ظلت مضمومة إلى صدره، ويبدو أن العالم كله قد تراجع خطوة إلى الخلف، ما عاد هناك سوى صوت دقات قلبه القريبة، تحاول أن تطفئ في داخلها شيئا ظلت تشعله السنون.

مرت لحظات قبل أن ترفع رأسها قليلا، وجفناها ما يزالان مثقلين بدموع لم تجف بعد.

نظرت إليه بعينين تلمعان كمرآتين امتلأتا بالوجع، وبقايا خوف ما زال يصر على التشبّث بملامحها.

همس سيف وهو يمسح دموعها بإبهامه، بلطف من يخشى أن يخدش فراشة:

"هالة... أنا معك. ما دمت أتنفس، لن أسمح للنار ولا للذكرى ولا لأي شيء أن يأخذك مني يا منيتي"

ازدادت شهقتها هدوءا، لكنها ما تزال تهتز، كمن يحاول الوقوف بعد عاصفة أطاحت بجسده.

قالت بصوت مبحوح، يكاد لا يسمع:

"أنا... لست بخير يا سيف... كل شيء يعود إلي بعنف كلما رأيت حريقا... وكأنني ما زلت تلك الطفلة... لا أستطيع الهرب منه... لم أستطيع"

اقترب أكثر، وقال بصوت يقطر ثباتا:

"لا تهربي، لا تحتاجين إلى الهرب، فقط دعيه يمّر... ودعيني أكون معك حين يمر"

أغمضت عينيها، وانسلت دمعة جديدة من طرفها:

"كنت وحيدة وقتها... وحيدة جدا... لا أحد رأى خوفي... ولا أحد احتواني... ولا أحد صدق أنني لست قوية كما يظنون، صحيح أن أمي كانت موجودة وحاولت لكن حتى هي فقدت زوجها ومعينها"

مسح سيف دموعها مرة أخرى،يردف:

"أنت قوية... لكن القوة لا تعني ألا نخاف، بل أن نجد من يوقف سقوطنا حين نخاف، ودعيني أقول لك شيئا..."

رفع وجهها قليلا ليجعلها تنظر إليه مباشرة:

"لو كنت هناك يوم رحيل أبيك، ورأيت النار تلتهم المكان... كنت سأرتجف مثلك.

النار حين تخطف شيئا نحبه... تترك خلفها خوفا لا يطفئه شيء. أنت لست ضعيفة، بل ناجية... وهذا أشجع ما يكون"

ارتخت شفتيها المرتجفتان، كأن الكلام لامس جزءا عميقا منها لم يصل إليه أحد منذ سنوات.

في تلك اللحظة، علت أصوات سيارات الإطفاء من بعيد، وارتفع دخان المطعم أكثر، لكن سيف لم يلتفت.

لم ينظر حتى ناحية الحريق، كل انتباهه كان منصبًّا عليها، كأنها هي من يحتاج للإنقاذ، لا المكان المشتعل.

بعد لحظة صمت، قالت هالة بصوت ما يزال يحمل بقايا خوف:

"سيف... أرجوك... لا تتركني يا مُتكئي"

عانقها، عناقا طويلا لا يشبه العناق... بل يشبه وعدا، ثم أردف:

"لن أتركك... لن أتركك مهما حدث.

أنتِ عندي أغلى من أن أتركك لذكرى أو خوف.

ومهما اشتعل شيء أمامك... لن أسمح له أن يشعل قلبك يا منيتي وسأكون دائما المتكأ لك في كل سقوط لك"

تنفست هالة بعمق، لأول مرة بلا شهقات، بلا ارتجاف حاد... فقط نفس طويل، يشبه الخطوة الأولى لطفل ينهض من جديد.

وعندما رفعت رأسها عن صدره، كانت الدموع لا تزال موجودة، لكن نظرتها صارت أكثر ثباتا... كأن حضور سيف أعاد تشكيل عالمها خطوة بخطوة.

أمسك يدها، وضم أصابعها بين أصابعه بقوة جعلت يدها الصغيرة تختفي داخله.

"تعالي... نبتعد قليلا، أنتِ لم تعودي هناك، ولن أسمح للنار أن تعيدك إلى الماضي."

هزت رأسها موافقة، بخطوات مترددة، لكنها تسير معه... تمشي نحو مكان بعيد عن الحريق، بعيد عن الذكرى، قريب فقط من ذلك الأمان الذي وجدته فيه.

عاد سيف معها بخطى هادئة حتى وصلا إلى السيارة. فتح لها الباب برفق، كأنما يخشى على روحها من الارتجاف مرة أخرى.

جلست في مقعدها بصمت، ثم دخل هو من جهته وأدار المحرك على مهل، حتى خيّم الهدوء على المكان.

لمّا لمح ارتجاف يديها، قال بصوت خفيض مطمئن:

"هالة... إذا شعرتِ أنك لا تستطيعين المتابعة، أقول الآن... بإمكاني آخذك لأي مكان ترتاحي فيه"

هزّت رأسها نفيًا، وصوتها لا يكاد يسمع:

"لا... أوصلني إلى البيت، أرجوك"

سار بالسيارة في طريق هادئ، بينما كان يلقي عليها نظرات متقطعة، يتحسس حالها من ارتعاش أنفاسها.

وما إن لمح ارتجاف يدها أكثر، حتى مد يده ووضعها فوق يدها بطمأنينة تفيض حنانا.

"تمسكي بيدي، حتى نصل، ما دام بين يديك ما يثبت قلبك... فلن يعود الخوف لفؤادك من جديد"

أغمضت عينيها وهزت رأسها بإيماءة صغيرة، كأنها تشكره دون أن تنطق.

وبعد لحظة طويلة، خرج صوتها ضعيفا، متكسرا:

"سيف... أنا آسفة... ما كان ينبغي لي أن أدفعك... أو أن أصرخ في وجهك هذا ليس من الإحترام في شيئ"

أجابها بنبرة هادئة، وقد ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة تطفئ شيئا من ألمها:

"لا عليكِ، يا هالة، من يشتعل الخوف في صدره لا يُعاتَب، وأنتِ لم تفعلي ما يجرحني ما جرحني أكثر هو رؤيتك تتخبطين و أنا لا أقدر على فعل شيئ"

رفعت عينيها نحوه، تلمعان بدموع لم تجف بعد.

قالت:

"أ... شكراً لك... لأنك لم تتركني وحدي يا سيفي"

شد على يدها، وجعله قربه أوضح من كل الكلمات:

"ولن أتركك ما حييت يا هالتي"

وصلت السيارة إلى باب منزلها، فأوقفها سيف بهدوء، ثم التفت إليها وقال:

"ها قد وصلنا. إن احتجتِني... في أي ساعة من الليل أو النهار، فأنا هنا، غدا سأمر عليك لإيصالك. تصبحين على مسامع آذان الفجر يا منيتي"

وضعت يدها على مقبض الباب، ثم توقفت لحظة وكأنها لم ترد أن تنهي هذا الأمان سريعا.

التفتت نحوه، وصوتها يخرج كهمس متعب:

"يا سيف... لو تعلم كيف أنقذتني الليلة... لعلمتَ أن وجودك كان أعظم من أي نجدة"

ابتسم ابتسامة خفيفة، لها وحدها:

"حسبـي أنك بخير... والباقي يهون، والله هو من أنقذك أنا كنت سببا فقط"

نزلت هالة من السيارة، وخطت نحو باب منزلهم.

قبل أن تدخل، التفتت إليه مرة أخيرة، نظرة قصيرة لكنها مشحونة بالامتنان والثقة... ثم دخلت.

ظل سيف في مكانه لحظة، يراقب الباب الموارب حتى أغلق، وكأنه يطمئن على آخر نبض في قلبها... ثم أدار المحرك ومضى.

وهكذا عاد الطريق إلى صمته، بينما ترك سيف خلفه نارا أُطفئت على كتفه لا على يد الإطفاء.

"حين يجدُ القلبُ مُتكأهُ، تهدأُ كلُّ العواصف."

..........

في الصباح التالي، وحين بدأ الخيط الأول من نور الفجر يتسلّل في رفق عبر شقوق الستائر، انسكب الضياء على أرجاء الغرفة الرحبة كأنه نسمة من سكون السماء، ثم تساقط على وجه ميساء المتمددة فوق سريرها كقطرة ضوء توقظ الندى.

كانت ميساء تغذ في نوم عميق، ولا يقطع ذلك السكون إلا رنين الهاتف الذي مضى عليه عشر دقائق لم يكلّ فيها ولم يملّ.

ومع ذلك، بدا أن التعب قد أثقل جفونها حتى صارت لا تسمع شيئا.

خرج روانس من الحمام الملحق بالغرفة، تتعلق ببشرته قطرات ماء باردة، فتقدم نحو المنبه وأطفأه بلمسة هادئة.

ثم جلس إلى جوارها على حافة السرير، ومد يده إلى شعرها الأسود المنسدل، يمرر أنامله خلال خصلاته بنعومة تشبه دعاء يتردد في الصدر.

وانحنى قليلا وهو يهمس بنبرة دافئة كدفء الفجر حين يتهادى فوق القلب:

"ميس... هلمي يا صغيرة القلب، آن أوان الفجر، والمنبه يبكي منذ عشر دقائق"

لم يسمع منها إلا همهمة رخيمة بالكاد تدرك، ثم تقلبت إلى الجهة الأخرى متشبثة بنومها تشبث عطشى بقطرة ماء، وكأن الليل يأبى أن يفارقها.

لم تكن هذه عادتها، غير أن الإرهاق الذي أثقل كتفيها بالأمس قد غلب يقظتها المعتادة.

وحين رأى أنها لن تصحو بتلك اللين، مد يده إلى الغطاء وسحبه دفعة واحدة جاعلا موجة برد تضربها، ثم وضع كفه على كتفها يرفعها قليلا، ففتحت عينا نصف مغلقة وهمست بنبرة متذمرة يعلوها النعاس:

"أسيد... دعني أنم... كفاك لعبا في هذا الصباح..."

تجمد روانس لحظة، كأن الزمن توقف ليراقب المشهد، ثم انفجر ضاحكا ضحكة صافية لم يعرف كيف يكتمها، فيرتج السكون بها ارتجافا لطيفا.

اتسعت عينا ميساء بغتة، واستدارت تواجهه وقد تورد خداها، وقالت في عجالة يملؤها الارتباك:

"يا إلهي يا روانس... نسيت أنني هنا... اعتدت مزاح أسيد في الصباح أحيانا... فسبق لساني دون وعي"

ومن بين ضحكاته التي استعصت على التوقف قال وهو يمسح دمعة ضحك سالت على خده:

"لا عليك... لا شيء في الأمر.

هلمي، فقد حان وقت صلاة الفجر، وأنا عليّ الخروج إلى المسجد الآن"

أطرقت رأسها بخجل، ثم رفعت نظرها إليه في لطف وقالت بصوت خفيض يكاد يكون همسا:

"حسنا... سر في حفظ الله، واعتنِ بنفسك"

ابتسم لها تلك الابتسامة التي تبعث في فؤادها الراحة، ثم نهض متجها للباب، فيما بقيت ميساء لحظة تحدق في موضعه، تشعر أن رائحته ما تزال معلقة في الهواء، وأن دفء ضحكته يرف على صدرها كما يرف جناح طائر صغير عند الفجر.

بينما نهضت من فراشها تحمل ذاتها بخفة نحو الحمام، كأن نسيما من سكينة الفجر يدفعها دفعا لتتطهر وتتهيأ للقاء ربها.

وما هي إلا لحظات حتى خرجت وقد انساب على وجهها نور الوضوء، تتجه بأنامل هادئة لتسحب سجادتها، تبسطها على الأرض بخشوع، وتكبر تكبيرة امتلأ بها قلبها قبل أن يلفظها لسانها.

أدت صلاتها بقلب منطرح على أبواب الرحمة، ثم مكثت فوق سجادتها نحو خمس عشرة دقيقة، تمسح بيدها على صفحات مصحفها، تفتح كتاب الله كما يفتح باب من جنان الخلود.

بدأت تتلو آيات تتهادى بين شفتيها رخيمة، تحرك في روحها بساتين من الطمأنينة، تتدبر وتراجع وكأنها تغتسل بنور القرآن من جديد.

ومضت دقائق أخرى، نحو عشر، حين انفتح الباب ببطء، يدخل منه روانس بخطوات متوجّسة، يظنها ربما غفت من التعب.

لكنه ما إن رفع طرفه حتى رآها جالسة في نور الصبح، والمصحف بين يديها، وصوتها ينساب كجدول ماء رقراق.

توقف قلبه لحظة، ثم ارتسمت ابتسامة على ملامحه، ابتسامة لم تكن على شفتيه فقط، بل شقت طريقها إلى أعماق صدره وهو يهمس بصوت متعبد:

"الحمد لله الذي رزقني زوجة صالحة، بل سكينة لروحي"

تقدم نحوها بخطوات خافتة، كأنه يخشى أن يقطع خيط النور المنسدل حولها.

فلما اقترب، رفعت بصرها إليه وابتسمت ابتسامة لطيفة لم تعكر خشوعها، بل زادته جمالا.

جلس بقربها، ثم دون إنذار وضع رأسه في حجرها، وقطع عليها صمت التأمل بقوله بصوت منهك بالعشق:

"أكملي تلاوتك وتيني بصوتك المريح هذا، فلا أعذب على أذني من ترتيلك، ولا أهنأ لقلبي من حضورك"

أجفلها فعله أول وهلة، ثم ما لبثت أن أرسلت ابتسامة دافئة، ومررت أصابعها في خصلات شعره الأشقر، تتلمس دفء قربه ولين ملامحه، وكأنها تحمد الله في سرها على هذا السكن.

وتابعت تلاوتها، فكان صوتها القرآن وصوته هو أنفاسه الهادئة في حجرها، وتلك اللحظة بكامل طهرها وسكينتها بدت وكأنها آية منسابة من الجنة نفسها.

وتابعت تلاوتها بصوت هادئ كنسيم الفجر، وكل آية تقرؤها كانت تهبط على قلبه كما تهبط قطرة ماء على أرض عطشى فترويها لتنبت نباتا أخضرا يانعا؛ تهدئه، وتطفئ ما في داخله من عناء.

كان مستلقيا في حجرها، يداه مسترخيتان على جانبيه، وعيناه مغمضتان كأنه استسلم لطمأنينة لا يريد منها فكاكا.

ومع كل حركة من أصابعها وهي تعبث بخصلاته الأشقر، كان يشعر أن الدنيا تضيق حتى لا يبقى فيها سوى همس صوتها ودفء ملمسها، وكأن الزمن توقف عند عتبة تلك اللحظة كي لا يفسدها.

كان يسمع ارتجافا خفيفا في نبرة تلاوتها، ارتجافا ليس من خوف أو تعب، بل من امتلاء قلبي دفع الكلمات لتخرج محملة بخشية وتعظيم.

فتح عينيه نصف فتحة، ينظر إليها من أسفل، فرآها مغمورة بنور الصباح، والرقة في ملامحها كأنها شطر من لوحة خُلقت لترى في هذا الوقت تحديدا.

شعر بأنها أقرب إليه من نبضه، وأبعد من أن يشبهها بشيء آخر في الدنيا.

همس، بصوت يكاد يختفي بين تقاسيم السكينة:

"بمثل هذا المشهد يُرزق المرء طمأنينة العمر كله... يا نعمة ساقها الله لقلبي لا حرمني منك يا وتيني"

التفتت إليه قليلا و احتسبت توقف التلاوة، يدها ما تزال تنسدل في شعره بحنان، وقالت بصوت خافت يشبه النسيم:

"ما أنا إلا أَمَة تتقرب إلى ربها... وأنت مستقري الذي أحمد الله عليه يا زوجي"

أغلق عينيه من جديد، كأنه يحبس الكلمات في صدره حتى لا يفسد رقة اللحظة، ثم شد على طرف ثوبها بخفة تشعره بالأمان.

أما هي، فقد أكملت تلاوتها، لكن قلبها كان يقرأ شيئا آخر آيات الشكر، وآيات الامتنان، وآيات الحب الصامت الذي لا تدركه اللغة.

مر الوقت ببطء جميل، حتى خُيّل لهما أن السجادة صارت بساطا من نور، وأن الغرفة امتلأت ببركة تنبع من المصحف وصوتهما وأنفاسهما المتقاربة.

وعندما أتمت ما كانت تتلوه، أغلقت المصحف برفق، ووضعت يدها على رأسه، تلمس جبينه بحنان امرأة ترى في زوجها دنيا كاملة.

رفع رأسه قليلا، وكأن ما يسمعه من نبضها يوقظه، ثم قال:

"لو علم الناس ما في لحظة كهذه من سكينة... لتركوا الدنيا كلها وسعوا إليها"

ابتسمت، وانحنت تقبل جبينه قبلة خفيفة، كدعاء لا ينطق، ودثار من المودة لا يُكشف.

وأحاط هو خصرها بذراع واحدة، يسند رأسه على معدتها يغرق في غفوة صغيرة ، وكأنه يعلن أن يومه لن يبدأ إلا من هنا...

من هذا السكن، من هذه المرأة، من هذا النور الذي تلت فيه آيات الله فوق جسده وروحه.

................

بعد انقضاء أسبوع كامل كأن الزمان فيه يتهادى على مهل، كان روانس قد ارتدى ثوبا أزرق داكنا، اختارته له زوجته بيدٍ خبيرة تعرف ما يليق به وما يزيده مهابة ووسامة.

جلس على طرف السرير، يعبث بأزرار كمه بين الفينة والأخرى، ينتظرها أن تخرج من الحمام، وقلبه يخفق بخفوت لا يسمعه سواه.

مرت لحظات قصيرة لكنها في صدره امتدت دهورا، حتى سمع أخيرا خشخشة المقبض، ثم انفتح الباب ببطء كأنه يكشف عن سر مكتوم.

وما إن ظهرت هي حتى تجمدت أنفاسه في حنجرته، وتسمر بصره عليها كأنه ربط بخيط خفي لا ينفصم.

خرجت في هيئةٍ تسلب اللُّبّ، كانت ترتدي الكراكو الجزائري بلونه الأزرق الداكن المهيب، وكأنها انبثقت من لوحة سلطانية مرصعة.

كان القماش المخملي يحتضن جسدها برفق، يزيده رقيا وهيبة، فيما تتلألأ الخيوط الذهبية المطرزة على صدر الكراكو وأكمامه كأنها مسارب ضوء من فجر ملكي.

تطريزات منمقمة، متشابكة كزخارف قصور الأندلس، تنحدر بانسياب على الخصر، فتجعل قوامها أبهى وأشد فتنة.

على كتفيها كان الوقار يرفرف، إذ برزت الزخارف الذهبية في تناسق بديع مع تلك الأحجار الزرقاء الصغيرة التي تلمع كلما لامسها نور الغرفة، فبدت كالنجوم وقد انتثرت على ليل مخملي.

خطواتها كانت هادئة، لكن وقعها على قلب روانس كان أشبه بارتجافة دهشة؛ فلما تقدمت نحوه، أضاء وجهها وهج ناعم انعكس من خيوط الذهب، فأضفى على ملامحها سحرا يربك النّظر.

رآها فتجمد في مكانه؛

بدت سيدة تشبه أميرات المخطوطات القديمة، تلك اللاتي يذكر جمالهن في الكتب وتظل الحكايات تعجز عن وصفهن.

كان الكراكو عليها أشد زينة من التاج؛ يزيدها رفعة دون تكلف، وأنوثة دون مبالغة، وكأن اللحظة كلها كانت معدة خصيصا لتبهره بها.

وبينما وقف مشدوها أمامها، لم يجد في صدره إلا جملةة واحدة تتردد بصوت مرتجف:

"سبحان من سوّاكِ يا امرأة... كأنك آية من نور خطت بخيوط الذهب"

اقتربت منه خطوة، فابتلع ريقه بصعوبة وقد ازدادت سحرا وهي بالكراكو.

ولما طال صمته، انفرجت شفتاه أخيرا بكلمات خرجت محملة بنبرة خفيفة من غيرة لم يستطع إخفاءها، غيرة تليق برجل انبهر حد الفتنة:

"وهل ستذهبين لعرس أُخويك... بهذه الهيئة؟

أترين أني سأدعهم يرونك هكذا؟"

كان صوته منخفضا لكنه حازم، وكأن شيئا في داخله يرفض أن تتجمل بهذا القدر أمام غيره، مهما كانوا من أهلها.

ابتسمت هي ابتسامة هادئة، تلك التي تطفئ غيرة الرجال كما تطفئ النسمة لهب شمعة.

تقدمت نحوه خطوة أخرى، ورفعت يدها ترتب ياقة طقمه بخفة، ثم قالت بصوت رقيق مطمئن:

"لا تقلق يا زوجي...

سأرتدي عباءتي ونقابي قبل أن نخرج، ولن أكشف عنهما إلا داخل قاعة النساء"

كانت كلماتها كبلسم يُسكب على قلبه.

وفي تلك اللحظة، شعر بشيء من الراحة يتسلل إلى صدره، لكن الغيرة بقيت تلمع في عينيه، غيرة جميلة تشعرها بمكانتها في قلبه.

مد يده يلامس بأطراف أصابعه زخرفة الكراكو على كتفها وقال بنبرة أكثر رقة:

"جيّد... فمثل هذا الجمال لا يليق أن يراه غيري ولو لم يكن منعي لك إجحافا في حريتك، لمنعت النساء رؤيتك يا وتيني"

فعادت بابتسامتها الخجولة، وقالت وهي تنظر إليه نظرة المحبة اللطيفة:

"وهو لن يكون لأحد غيرك أصلا يا مستقري"

...........

كانت ليا تجلسُ في هدوء أمام المرآة، كعروس خرجت من صفحة أسطورة.

انساب فستانها الأبيض عليها كغيمة نقية، قماشه الحريري ينسدل برقة ويحيط بها كهالة من نور.

وفي أسفله ذيل هادئ يلامس الأرض كخطوة مترددة لنسيم الفجر.

أما الرداء المترف فكان ينساب من كتفيها كجناحي نور خافت، تزيده الأكمام المزينة باللؤلؤ لمعانا كندى الصباح.

و رأسها المختبئ تحت حجاب رقيق أبيض ناصع بدا كقمر يتوارى خلف سحابة، يزيدها جمالا، ويجعل النظر إليها كالنظر إلى سرّ سماوي.

كانت ليا، في تلك اللحظة، قصيدة بيضاء تمشي على الأرض.

كانت لِيّا تحدّق في المرآة بلمعة دافئة، لمعة اختلط فيها الإعجاب بالنفس وارتجاج القلب.

بدت كأنها ترى نسختها الأصدق لأول مرة:

الفتاة الشجاعة، العنيدة، التي قاومت الدنيا حتى بلغت هذا اليوم.

ومع ذلك، تلمع في عينيها دموع صامتة، دموع لا تحتاج إلا شرارة صغيرة لتنسكب؛ دموع الفرح، والحنين، والخوف الجميل الذي يسبق كل بدايات القدر.

لم تمض لحظات حتى طرق الباب، طرقا خفيفا كأنه يستأذن قلبها قبل أن يستأذن غرفتها، ثم انفتح ببطء...

دخل والدها ووالدتها، فتوقفا عند العتبة كأن المشهد أخذ منهما أنفاسهما.

لمع البريق في أعينهما؛ خليط من الفخر، والدهشة، والوجع الحلو الذي يعتصر قلوب الآباء حين يرون طفلتهم تتجه نحو عالم جديد.

كان والدها أول من تكلم، وصوته يجرّ وراءه ألف ذكريات:

"تبدين فاتنة يا ابنتي... واللهِ إن في رحيليك اليوم كسرا في قلبي، ما كنت أظن أن الزمن يمضي بهذه السرعة حتى أسلمك ليدِ رجل آخر اليوم"

ابتسمت أمها، وارتعشت ابتسامتها من شدة التأثر، وقالت بنبرة يغلبها الحنان:

"يا لِيا جمالك اليوم خاطف، كأنك زهرة اكتملت لتوها. جميلة جدا يا غاليتي، كأنك قطعة من نور"

نهضت ليا، تتجه نحوهما بخطوات بطيئة، كأنها تخشى أن تذيبها العاطفة.

قالت بصوت يضطرب بين الفرح والبكاء:

"شكرا... يا أبي... يا أمي... أنتما عمادُ أيامي، وما كنت لأصل إلى هذا اليوم لولاكما"

اقترب والدها منها، فوضع كفه على رأسها كما كان يفعل حين كانت طفلة، وقال وهو يشد على كتفها:

"كوني راضية عن قدرك، ولا تخافي المجهول،

وثِقي أن بيتك سيظل مفتوحا لكِ مهما تغير كل شيء"

قالت أمها وهي تمسح دمعتها بطرف ثوبها:

"واذكري دائمًا يا ابنتي... أن المرأة تُزفّ بروحها أولا، لا بفستانها. كوني رحيمة، لطيفة، ثابتة على الحق.

وهأنذا أدعو الله أن يجعل زواجك باب خير لا يغلق"

لم تتمالك ليا نفسها، فمدت ذراعيها نحوهما، واحتوتهما في عناق طويل، عناق لا تقاس مدته بالثواني، بل بالقلوب.

ربت مصطفى على ظهرها برفق، كأنما يُخفي رجفة يده، وهمس قريبا من أذنها:

"كبرتِ... وما زلتِ طفلتي"

وفي تلك اللحظة، أحست ليا أن قلبها انقسم بين ماض تمسك بها، ومستقبل يمد إليها يده، وما بينها إلا دمعة على وشك الانحدار، تنتظر إذن الولادة.

خرج والداها من الغرفة، وقد خلفا وراءهما عبق دعوات تتردد في أرجاء المكان كترانيم من السماء.

كانت ليا تُتم آخر لمساتها، تثبت طرحتها البيضاء وتتحسس خفة قلبها المعلق بين رهبة وفرح، حين سمعت طرقا رقيقا على الباب، تبعه صوت روانس الدافئ:

"لِيـا... أتأذنين بالدخول؟"

ابتسمت بطمأنينة خفيفة:

"تفضل يا أخي"

فتح الباب ببطء، فوقف عند عتبته لحظة، كأن قلبه يأبى تصديق ما يراه.

وما إن وقعت عيناه على ليا بفستان زفافها، حتى علت وجهه مسحة حنين دفين.

اقترب منها وقال، وصوته يحمل بقايا ذكريات طفولتها:

"سبحان من غير صغيرتنا إلى عروس... كبرت يا ليا، والله ما أدري متى اختطفتك السنين من بين يدي"

ضحكت ليا بخفة خجولة:

"لو ترى وجهك الآن لعلمت كم تبدو وسيما... الأزرق لاق بك كثيرا يا روانس"

هز رأسه بمرح لطيف:

"هو اختيار ميساء، ولولاها لجئت بلباسٍ لا يليق بالمقام، بالمناسبة لقد أوصلتها لقاعث الزفاف لتشرف على بعض الأمور، تنتظركِ أنت وزوجة سيف"

ثم سكنت عيناه عليها وقال:

"أخبريني... كيف حال قلبك؟"

خفضت بصرها، وصوتها يخرج كهمس:

"أشعر برهبة يا أخي... وكأنني أخطو نحو شيء عظيم، وقلبي يتقلب بين فرح وهيبة"

وضع يده على كتفها بحنان الأخ الذي يبدد المخاوف:

"اسمعيني يا ليا... الزواج باب يفتح على حياة واسعة، قد كتب الله فيها السكينة لمن أراد وجهه.

تذكري قول الله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا...﴾ [الروم: 21]

فالسكن يا أختي ليس بكثرة الكلام، بل بحسن الخلق، وطيب المعاملة، وغض الطرف، والصبر.

واذكري دائما قول نبينا ﷺ:

"خيرُكم خيرُكم لأهله" [الترمذي].

كوني لزوجك روحاً هادئة... ولا تجعلي للشيطان بينكما سبيلا"

تنفست ليا عميقا، كأن الكلمات دخلت قلبها وسكنت فيه:

"وإن قصرت؟ وإن عجزت يوما؟"

ابتسم روانس مطمئناً:

"القلوب تصلحها النية يا ليا... وإن زللتِ فاستغفري، وإن ضاقت بك الأيام فارفعي يديك إلى ربٍّ كريم لا يرد سائلا، ولا تنسي صلاتك... فهي الحبل الذي يشد قلبك إذا اضطرب"

اغرورقت عيناها بدمعة صافية، مسحتها بلطف:

"بارك الله فيك يا روانس... كلماتك تشبه البلسم"

ربت على رأسها بحنان لم يتغير منذ طفولتها:

"أنتِ أمانة خرجت من يدينا إلى قلب رجل اختاره الله لك،أسأل الله أن يجعل بينكما مودة لا تنقطع... وأن يكتب لك حياة مباركة"

ابتسمت ليا ابتسامة غلب عليها الامتنان، ثم اندفعت تعانق أخاها عناقا يعكس ما امتلأ به قلبها من محبة وطمأنينة، كأنها تستند إلى آخر سند عرفته منذ صباها.

وفي اللحظة نفسها، شقت أصوات أبواق السيارات سكون المكان، تتقدم من بعيد حتى توقفت عند أسفل المنزل، كأنها تعلن وصول قدر طال انتظاره.

ضحك روانس بخفة محببة وهو يفك ذراعيه عنها قائلا بنبرة مازحة يغلفها دفء الأخوة:

"يبدو أن أسيد قد وصل... وقبل الوقت أيضا، ذلك العجول الذي لا يعرف للصبر بابا"

رفعت ليا طرف طرحتها عن كتفها لتستقيم، فضحكت بخفت، فتابع روانس:

"هَلّمي يا ليا... سأدع لك فسحة لتُهَيّئي قلبك، فالموقف أعظم من كل استعداد.

أسيد سيكون هنا بعد دقائق... وسيأتيك وهو يوقن أنك هدية ساقها الله إليه"

هزت رأسها موافقة، ولم تستطع أن تخفي اضطراب أنفاسها.

نظر إليها روانس نظرة أخيرة، نظرة أخ يودع قطعة من عمره، ثم خرج بخطوات هادئة.

ما إن غاب عن ناظرها حتى استدارت ليا، ويداها تشدان على بعضهما شدا يعكس ما يضطرب في داخلها من توتر وهيبة.

وقفت أمام المرآة لحظة، تتأمل انعكاسها بثوبها الأبيض، تسأل قلبها إن كان ثابتا بما يكفي، وإن كانت ملامحها تحمل الطمأنينة التي تليق بامرأة تزف إلى رجل اختاره الله لها.

كانت ضربات قلبها تتعالى شيئا فشيئا رغما شجاعتها الظاهرة على الوجه...

وكلما اقترب صوت خطوات في الممر، ازداد الرجفان في صدرها، كأن قلبها طائر يرفرف داخل قفص ضيق.

همست لنفسها:

"اللهم ثبت قلبي..."

رفعت رأسها، وجفلت حين سمعت وقع أقدام يقترب بوقار خافت وعجالة خفيفة.

ذلك الصوت الذي أيقنت أنه ليس لأخيها... بل لأسيد، الرجل الذي سيعقد اليوم ميثاقه معها.

وقفت بثبات يختلط برهبة، تنتظر اللحظة التي سيدخل فيها...

اللحظة التي سيرى فيها هيئتها كاملة لأول مرة كعروسه.

كانت اللحظات تتسع، والدقائق تطول...

حتى بدا لها أن الزمن نفسه يتهيأ لاستقبال قدومه.

دخل أسيد الغرفة بخطوات ثقيلة كأنها تسجل على صدر الزمان، كل خطوة منه تنبض بالحياة، وكل وقع على الأرض يشبه دقات قلبه المتسارعة كان يرتدي البرنوس الأبيض الجزائري الموشى بالذهب كعباءة ملك منتظر، فنسجت الخيوط المطرزة على صدره حكاية مجد عتيق، ليظهر كفارس من قصص قديمة، يخطو بثقة ومهابة.

عينا أسيد كانتا معلقتين بليا، تتفحصان كل جزء منها، كأنهما يحاولان حبس كل شعاع ضوء يلامس وجهها، وكل خفقة قلب تختبئ خلف صمتها العنيد.

توقف الزمن، وبدت اللحظة وكأنها خلود، كأن العالم بأسره انحصر في نظرة واحدة بين قلبين.

التقت أعينهما، وارتعش قلب ليا كأنها سمعت أنين الكون كله يختزل في هذه اللحظة.

همس أسيد وهو يقترب منها بصوت خافت، متداع بين الرهبة والشوق العميق:

"فتنتي العنيدة ... كل ثانية بعيدة عنك كانت كدهرٍ ضائع، واليوم، ها أنت أمامي... أقرب إلى قلبي من أي وقت مضى..."

ارتعشت يداها، وتقدم نحوها بخطوة واحدة فاصطدمت روحه بروحها، لتجد نفسها بين ذراعيه، عناق يذيب كل خوف، وكل رهبة، وكل انتظار.

احتضنت ليا جسده وكأنها لم تعرف أمانا قبل هذا العناق، وكأن كل السنوات الطويلة قد اختزلت في لحظة واحدة، لحظة تشبه الفجر في هيبتها.

همس أسيد على أذنها، وصوته يرتجف مع خفقات قلبه:

" لم أر شيئا يشبهك في حياتي هذه... لا ضحكتك، ولا نظرتك، ولا قلبك... أنت عالمي كله، ونور عيني، وملاذ قلبي"

دمعت عينا ليا، لكنها دموع فرح، وابتسامة خجولة ارتسمت على شفتيها تبدد كل توتر، بينما كانت أصابعها تتشبث بيده كأنها تخشى أن يفارقها للحظة، كأن أي انفصال عن حضنه سيكون أشبه بالموت.

ثم أطلق أسيد ضحكة خفيفة، تهز قلبه قبل أن تكسر ثقل اللحظة، لكنها ضحكة رقيقة تحمل في طياتها العشق والدهشة:

"أتعلمين؟ ظننت أني سأصمد أمامك... لكنكِ أسقطتِ كل حواسي، حتى عقلي لم يعد يعرف سبيله..."

ضحكت ليا، والدموع تتساقط كحبات اللؤلؤ، وهمست بصوت رقيف:

"وأنا يا نبضي... كنت أخاف أن أخسر شجاعتي أمامك... لكنك جعلت قلبي يجرؤ على الحب بلا حدود... بلا قيود... بلا نهاية"

أمسك أسيد وجهها بين يديه يمسح قطرات الندى من وجهها، ورفعها لتلتقي عينيه، وقال بصوت خافت لكنه يفيض شغفا:

"ليـا... سأحبك اليوم وغدا وكل يوم بعده... ولن أترك قلبك يضطرب لحظة واحدة، فأنت لي... وأنا لك... حتى ينتهي العمر ويستسلم الزمان"

ارتجف قلبها، وامتلأت عيناها بدموع حارة من الحب، كأنها تنثر دفءها في قلبه، واندفعت روحهما نحو بعضهما بعضا في لحظة لا يقاس فيها الوقت، لا يقاس فيها شيء سوى خفقات قلبين متشابكين، يكتبان على جدار الكون قصة حب عفيف طاهر.

وبهدوء خافت، وضع أسيد جبينه على جبينها، كأنهما أصبحا روحا واحدة، وابتسمت ليا بين دموعها، وقالت بصوت لا يسمعه إلا قلبه:

"انا... لك... كليا... الآن وكل العمر... وكل ما في قلبي ملكك وحدك..."

ثم تبادلا النظرات، صامتين، لكن صمتهما كان أبلغ من كل كلام، صمت يروي أعماق الحب، صمت يهمس بأنهما قد وجدا بعضهما أخيرا...

............

في الجهة الأخرى في منزل آزور تحديدا، جلست هالة على كرسيها أمام المرآة، ووالدتها خلفها تعدل حجابها الأبيض بعناية، كأنها تزين قلبها قبل أن تزين رأسها.

عيناها تلتقطان انعكاسها في المرآة، تتأمل كل خصلة شعر، وكل خط على وجهها ينبض بانتظار هذه اللحظة التي طال حلمها بها.

لم يكن الفستان مجرد زي، بل كان تاريخا مجسدا من الحرير الثقيل بلون الصدف ولمعان اللؤلؤ.

يبدأ بياقة عالية تحتضن العنق بوقار، وتنسدل منها زخارف فضية على الصدر، تمنحه هيبة وقوة تتجاوز الرقة المعتادة.

الخصر محدد بحزام مطرز بالخرز اللامع، والأكمام الطويلة الواسعة تتدلى بأناقة، مزدانة بأطراف تطريزية كأغصان الشجر المتشابكة، فيما يمتد الذيل العريض خلفها بخيوط فضية تحكي قصص المحاربين والملوك، محولا ظهورها إلى مشهد يجمع بين أنوثة العروس وروحها المهيبة.

جلست هالة هناك، تشعر أن كل خيط من الفستان يهمس باسمها، وأن كل انعكاس في المرآة يروي عن وعد بحياة جديدة، حياة مليئة بالحب والوفاء، بينما الدفء يملأ صدرها ويثبت في قلبها أن هذه اللحظة ليست مجرد لباس، بل بداية فصل جديدٍ من حياتها.

نظرت والدتها إليها بعينين تملؤها المحبة والحنان، وقالت بصوت خافت لكنه دافئ:

"يا بنيتي... لقد كنت دائما نور عيني، واليوم ستشرقين أمام العالم كله، تألقك لا يقارن إلا بسحر قلبك"

ابتسمت هالة ابتسامة خجولة، وهي تلمس خيطا من الحرير على كتفها، وقالت بصوت خافت:

"أمي... قلبي يخفق كأنه يخشى أن يخونني الفرح... أجد نفسي أفتقد أبي أكثر من أي وقت..."

لم تتعجب مروة حديثها يل علمته، ثم أمسكت بيدها برقة، وقالت:

"يا عزيزتي... أعرف أن قلبك يحن إليه، لكنه سيظل معك في كل لحظة... في كل خطوة تخطينها... لقد زرع فيك القوة والحب، وسيظل يرافقك دائما"

في تلك اللحظة، فتح الباب بخفة خالها إسحاق، ودخل مبتسما، عيناه تحملان دفء العائلة:

"هاه... أرى أن العروس جاهزة لتأسر القلوب"

ضحكت هالة بخجل، وقالت:

"خالي، كل شيء يبدو أكثر جمالا... لكن قلبي يضطرب من شدة الفرح والخوف معا..."

اقترب إسحاق منها، وأمال رأسه قليلا كما لو كان يهمس:

"الخوف شعورٌ طبيعي... لكن تذكري، أنك لست وحدك و أن بيتك دائما مفتوح سواء هنا أو في بلدك... واليوم، ستخطين خطوة بثقة... كما أراد لك والدك أن تفعلي"

هالة شعرت بدفء يملأ صدرها، وغمست عينيها في انعكاسها بالمرآة، وتذكرت والدها المتوفي بابتسامة حزينة ممزوجة بالشوق:

"أبي... لو كنت هنا لترى فرحتي... لترى سيف..."

فجأة، انطلقت أصوات أبواق السيارات من الخارج، توقفت القلوب معها للحظة، وارتجف جسمها، شعور التوتر يملؤها. قالت لوالدتها:

"أمي... لقد وصل..."

نظرت الأم إليها بابتسامة مطمئنة، وقالت صبل أن تخرج مع أخيها:

"اهدئي يا بنيتي... كل شيء سيكون على ما يرام... الآن حان وقتك لتتألقي"

تنهدت هالة بعمق، وأمسكت بحواف فستانها، وهي تحاول كبح توترها بينما وقفت السيارة أمام المنزل.

كانت لحظة الانتظار أشبه بسكون قبل العاصفة، لحظة يختلط فيها الفرح بالخوف، لحظة يلتقي فيها الحب بالشوق... لحظة كان فيها قلبها كله مشغوفا بانتظار رؤية سيف.

مرت لحظات، وها هو صوت الباب يفتح بهدوء، معلنا عن حضوره خلفها.

كانت يداها متشابكتان بإرتباك، بينما قلبها يخفق في صدرها كطبول فرح لم يسبق لها أن سمعتها.

وقف سيف خلفها للحظة، عينيه تراقبانها بمحبة صافية، كأنهما يحاولان حفظ كل تفصيل من جسدها في ذاكرته قبل أن يراها وجها لوجه.

ثم اقترب بخطوات هادئة، ووضع يده على كتفها برفق، فارتجفت هالة، وأحست بقلق ممتزج بسعادة لا توصف.

همس لها سيف بصوت دافئ:

"ألن تلتفي إلي يا منيتي... العين مشتاقة لرؤياك، والقلب يحن إليك... اليوم، أنتِ لي... وأنا لك..."

التفتت له هالة بوجه محمر بالخجل والفرح، فالتقت عيناهما بعينيها، وكل خفقة قلبها تتحدث بصمت عن فرحة الانتظار الطويل، ليس فراقا، بل لحظة اجتماع يكتمل فيها حلمهما.

كان سيف يرتدي البرنوس الجزائري الأسود الملكي، مطرزا بخيوط فضية كالخطوط العربية العتيقة، ينساب على كتفيه بفخامة كأن الليل نفسه يلفه بهيبة.

تحته بدلة داكنة أنيقة، تكاد تذوب في الظل، فيما يعلن البرنوس عن رجل يمتلك وقارا ، يجمع بين فخامة الماضي وأناقة الحاضر، ووقار الإسلام الذي يزينه.

ابتسم لها سيف، وعيناه تتحدثان قبل لسانه ثم ضمها لصدره، وقال:

"ها أنا أمامك... لن نطيل الانتظار بعد اليوم... لقد جاء الوقت لأخذك من بيتك إلى بيتنا... في أمان الله وبركة أهلك..."

ابتسمت هالة، ودموع الفرح تلمع في عينيها، وهمست بخجل:

"مُتكئي... قلبي مليء بالسرور... بالحمد لله الذي جمعنا... اليوم يبدأ حلمنا... حياتنا..."

مسح على ظهرها بتحنان قائلا:

"بسم الله... هالة، أنا آخذك اليوم تحت رضى الله، وقلبي معك في كل خطوة... لتكوني زوجتي الصالحة، شريكتي في الدنيا والآخرة..."

ارتجفت هالة، ووضعت يدها الأخرى على قلبها، وقالت بصوت خافت:

"آمين... وأسأل الله أن يبارك لنا... وأن يجعل حياتنا مليئة بالخير والحب والصلاح"

ابتسم سيف لها، وجعل يده تلتف حول يدها، ورفعها برقة، قائلا:

"ها قد جاء وقتك، لنذهب معا... في رضا الله... لنبدأ رحلتنا الجديدة..."

تنهدت هالة بعمق، وكل توترها تحول إلى فرح مطمئن، ورفعت رأسها لتلتقي عينيه مرة أخرى، وعيناهما تتحدثان بلغة الحب الصامتة، لغة لا تحتاج كلمات، لغة قلبين تفرحان بالوصال، بينما والدة هالة وخالها يبتسمان خلفها، يباركان الخطوة، متمنين لهما السعادة والبركة.

خرجوا معا من المنزل، بكل وقار واحترام، وكأن كل خطوة تؤكد أن الحب بينهما أصبح اليوم رسميا، مباركا من الله، وموثقا بالفرح والسكينة، وأن كل حياة تنتظرهما من الآن فصاعدا ستكون رحلة حب وطاعة ورضا الله.

...............

وها هي قاعة الزفاف ممتلئة عن آخرها، شطر النساء يضج بالفرح والأنوار، وشطر الرجال يجلس في مكانه، يفصل بين الشطرين حائط يحفظ حرمة اللقاء ويزيد من هيبة المناسبة.

عند النساء كان صوت الدف يتردد في أرجاء القاعة، كل نقرة تهز القلوب، وتدفع الأجساد إلى التمايل برقة وفرح.

جلست هالة بجانب ليا على مقعديهما، ترتجف يداها بخجل وسعادة، وعيناهما تتبادلان نظرات مليئة بالحب والبهجة.

اقتربت ميساء بخطوات هادئة وابتسامة تزين وجهها، وقالت بحنان:

"مبارك لكما، صديقتاي... أهلا بكما في العائلة.

اليوم تصبحان أختين، وابنتين، وزوجتين. تبدوان آية من الجمال"

ابتسمت هالة وليا برقة، ثم قالت ليا:

"أيتها الجميلة... تبدين رائعة باللباس الأزرق. يليق بكِ كثيرا، اللباس الجزائري التقليدي زادك رونقا وجمالا"

ابتسمت ميساء، ثم أضافت هالة بحب:

"نعم، تليقين بكل شيء، وكل شيء يليق بك

حفظك الله من كل سوء"

ثم همست هالة بابتسامة خفيفة:

"إذا، هل ستفي بالوعد الذي وعدتنا به يا ميساء؟"

ابتسمت ميساء ابتسامة عريضة، وأومأت برأسها مؤكدة:

"نعم، سأفعل كما وعدتكم... اليوم هو يوم الفرح، والوفاء بالوعد جزء منه"

وما إن أنهت ميساء جملتها الأخيرة، حتى تقدمت بخطوات واثقة نحو وسط القاعة، وكل العيون شاخصة إليها بتمعن، ووقف الزمن للحظة كما لو أن القلوب توقفت عن دقاتها احترامًا لهذه اللحظة المباركة.

ثم توقف النساء عن ضرب الدفوف، وصمت المكان كله، وكأن الصمت نفسه احتوى الترقب والاحترام.

وصلت ميساء إلى المقدمة وجلست في المقعد الموضوع، ووجهها المشرق يعكس نورا داخليا من الحب والوفاء، وعيناها تتلألأان بالحب والصدق، وخفق قلبها ينبض بسكينة وطمأنينة.

تنهدت قليلا، ثم قالت بصوت دافئ رقيق، ممتلئ بالوقار والمودة:

"السلام عليكنّ ورحمة الله وبركاته... أهلاً بكن يا نساء شرفتمونا بحضور زفاف أخوي وصديقتي، نسأل الله أن يكون هذا اليوم مباركا، مملوءا بالفرح والسكينة، وأن يجمع قلوبنا جميعًا على الخير والطاعة"

ابتسمت ابتسامة هادئة، ثم أضافت بنبرة تمزج بين الحنان والحكمة:

"اليوم، ستكون هديتي لهما ليست شيئا من الذهب أو الحرير، بل هدية معنوية خالدة... هدية تتجاوز الزمان والمكان، هدية تحمل بين طياتها نور المعرفة والبركة،

إذ سأقدم لكن موعظة، لتبقى أجرا ساريا في هذا اليوم المبارك، لنا وللعروسين، فلعل وعسى ينتفع بها كل قلب حاضر، ويكون لها أثر دائم في حياتهن الزوجية المقبلة"

رفعت يديها قليلا، ونظرت إلى هالة وليا، ثم إلى النساء من حولها، وقالت:

"إن الحب والفرح مشروعان في الإسلام، ولكن المشروع الحقيقي هو الذي يكون مقرونا بالوعي الديني، والذي يبدأ من الإيمان بالله، ومن إدراك أن الزواج رباطٌ مقدس، وميثاق غليظ، وعبادة لله سبحانه وتعالى...

فالفرح الذي لا يقترن بالوعي الديني قد يضيع، والسرور الذي لا يرتبط بالسكينة والبركة قد يزول"

أخذت نفسا عميقا، ثم تابعت بصوت يفيض بالحب والموعظة:

"يا أخواتي، لننظر إلى الحب كما أمرنا الله، لا كخليط من العاطفة العابرة، بل كزهر يروى بالاحترام، والصبر، والمودة، والرحمة.

لننظر إلى الفرح كما أمرنا الله، لا كمجرد صوت وضحك يزول، بل كنعمة تدوم في القلب، تتجدد مع كل صباح، وتزداد بركة حين نجعلها طاعة لله، وذكرا له، ونية صالحة تربطنا به"

ابتسمت ميساء،ثم تابعت:

"إن الزواج مدرسة، مدرسة للحب الصادق، مدرسة للصبر والرحمة، مدرسة للحكمة والمودة، والفرح فيه يكون حين نعي أن كل تصرف، وكل كلمة، وكل نظرة، هي عبادة وطاعة، وأن الله يرانا ويبارك لنا حين نجعل الفرح مقرونًا بالحق، والمحبة مقرونة بالاحترام"

أشارت بيدها إلى العروسين، وقالت بنبرة حانية:

"ها أنتما اليوم أمام هذا الجمع المبارك، والفرحة في القلوب، فلتعلموا أن الحب الذي تُظهرانه اليوم ليس للحظة عابرة، بل هو بداية حياة طويلة، مليئة بالسكينة والرحمة، مليئة بالبركة، مليئة بالحب الذي يرضي الله، ويثبت القلوب على المودة"

رفعت ميساء رأسها، ونظرت إلى النساء مرة أخرى، وابتسمت:

"لذلك، أيها الأخوات، اجعلن الفرحة اليوم تذكيرا دائما، اجعلن الحب اليوم بداية حياة صالحة، اجعلن الزواج مدرسة للحكمة، والسكينة، والمودة، والرحمة، وليكن كل يوم يمر على هذا البيت، مصدر نور وبركة، كما أراد الله من الأزواج"

ثم أخذت تنقل بين الأمثلة القرآنية، والحكمة النبوية، مذكرة بالعلاقات بين الزوجين، وأهمية الصبر، والمودة، والاحترام، والصدق، والنية الصالحة، والدعاء، ووضعت أمثلة عملية لكيفية إدخال هذه المبادئ في الحياة اليومية.

زفرن أنفاسها وقالت:

"أيتها الأخوات، اجعلن الحب والفرح الذي تشاهدونه اليوم ليس مجرد مشهد جميل، بل درسا حيا، وفعلا طيبا ينعكس على حياتكم ، وكونوا دائما قدوة في نشر المودة والرحمة، واحترام النعمة التي وهبها الله لنا جميعا"

ارتفعت أصوات التصفيق الخافت، وابتسمت العروسين، وشعرت النساء في القاعة وكأن الكلمات قد زرعت في قلوبهن بذورًا تنمو مع كل يوم، وأن ما سمعوه اليوم لن يزول، بل سيكون أجرا لهدايتهن وسببا في سعادة دائمة.

بينما كانت النساء منشغلات بالدف والفرح، كان شطر الرجال يفيض بالحيوية والنشاط، والكل جالس يتبادل أطراف الحديث والضحكات، إلى أن ارتفع صوت إسحاق، قاطعا الأحاديث قائلا بصوت جهوري ممتلئ بالحماس:

"أيها العريسان وأصدقاؤكما، هيا انهضوا! لا يكتمل هذا اليوم المبارك دون دبكة سورية على أصوات الدفوف"

ابتسم الجميع بحماس، وارتجف الجو بالبهجة، فتقدم سيف، أسيد، روانس، وبعض الأصدقاء بروح مرحة، وتصاعدت أصوات ضحكاتهم في القاعة، وهم يصطفون على شكل نصف دائرة، يمسكون بأيدي بعضهم البعض بقوةٍ ونشاط، وكأنها رابطة أخوة ومودة تتجسد بين القلوب.

بدأ بعض الرجال يقرعون الدفوف بإيقاع متناغم، وأصبح صوتها يصدح في المكان، متناغما مع ضرب الأرجل على الأرض ورفعها في حركات الدبكة السورية، التي قادها إسحاق بمهارة، ورفع يده مع كل حركة، يوجه الأصدقاء بحماس وحب، فتعالت الضحكات والتهليل، وامتلأت القاعة بألوان الفرح والحيوية، كأن الأرض نفسها تهتز بالسرور، والقلوب تخفق بنغمة واحدة.

مر الوقت سريعا، والضحكات تتناغم مع الإيقاع، والعرسان يندمجون في الدبكة، وقد بدا التعب يلوح على محياهم، لكن فرحهم لم ينقص شيئًا من حيويته.

ومع انتهاء الرقصة، كان الجميع يلهث قليلا، يبتسمون لبعضهم، ويتبادلون نظرات التقدير والسرور، وكأنهم شاركوا في لوحة حية من الفرح والمودة.

لحظات مرت على هذا النشاط، حتى أخذ روانس موقعه وسط الرجال، وألقى موعظة قصيرة بمناسبة الزفاف، تحدث فيها عن الزواج وما يوجبه من المودة والرحمة والصبر، بأسلوبه الراقي المملوء بالحكمة، فاستمع الجميع باهتمام، وامتلأت قلوبهم بالموعظة والفائدة، وكأن الكلمات تنبض في الأجواء، تمنح العروسين قوة وطمأنينة لخطوات حياتهما القادمة.

وهكذا، وبعد يوم طويل مليء بالفرح والمسرات، اختتمت الاحتفالات بمزيجٍ من الضحك، والمودة، والدعاء، إذ خرج العروسان أخيرا، يده بيد زوجته، متجهين إلى بيوتهما الجديدة، محاطين بالحب والدعاء والتهاني، وكأن كل لحظة في ذلك اليوم المبارك قد غُرست في الذاكرة لتبقى خالدة في القلوب، علامة على الفرح والوفاء والبركة الإلهية التي أحاطت بزفافهما.

...........

توقفت سيارة سيف بهدوء أمام منزل مهيب مكون من طابقين، تتسلل أشعة الشمس الذهبية بين أشجار الحديقة المزهرة، فتتلألأ ألوان الأزهار كأنها ترحب بالعروسين.

خرج سيف من السيارة بخطوات ثابتة، وأمسك بيد زوجته بحنان، يوجهها نحو باب المنزل، وابتسامة رضى تزين محياه، وكأن رحلتهما إلى هذا اليوم الطويل كانت مجرد بداية للسكينة والفرح.

تبعت هالة خطواته، ممسكة يده، وقلبها يرفرف بالسرور والدهشة، بينما ارتعشت مشاعرها بين الترقب والحنين، فدخل الاثنان إلى بهو المنزل، حيث تزينت الجدران برسوم بسيطة وألوان دافئة، وأضواء ذهبية خافتة تنعكس على الأرضية، تضفي على المكان شعورا بالطمأنينة والسكينة.

ارتفعا إلى الطابق العلوي، حيث صعدا بخطوات متأنية نحو الغرفة، ووقف سيف أمامها، يلتقي عينيها بنظرة مليئة بالحب والتقدير، وقال بصوت خافت لكنه صادق:

"لدي هدية لك، يا منيتي... أتمنى أن تعجبك"

ارتعشت شفتي هالة بابتسامة، وعيناها تتلألأان شوقا وفضولا، فأجابت:

"ما هي؟ أرني إياها، لا تماطل"

ابتسم سيف بحنان، وهو يمسك يدها مرة أخرى، وتحرك بها نحو أحد الأبواب الجانبية في الغرفة.

كانت يده دافئة، ونظراته تحمل وعدًا بالمفاجأة والفرح، وكأن كل حركة منه تصنع سحرا في الهواء.

عندما فتح الباب، اندهشت هالة وعيونها اتسعت بدهشة لا تخفى، شهقت بأعذب صوت:

"يا إلهي... سيف! هذا... كيف عرفت أني أحبهم...!"

.

.

.

.

.

.

.

.

.

إنتهى الفصل و أخيرا

أخذ من جهدا 😖😖😖 كبيرا

آراءكم

كيف الاحداث

لن اطيل فالفصل طويل بمفرده

احبكن رونسايون

الى الملتقى

لا تنسو اخواننا في غزو و السودان بدعواتكم

"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة