على عتبات المجهول

على عتبات المجهول

18 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب

.

.

.

ملاحظة:

علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.

الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟

.

.

.

.

.

"الليل كان ينسج صمتًا غريبًا بين الجدران، كأن المدينة نفسها تحفظ سرًّا لم يُفصح عنه بعد."

.

.

.

.

تكون البدايات أشبه بفجر يولد من رحم الليل على استحياء، يمد خيوطه الأولى فوق صفحة العمر، فيوقظ في الروح رعشة لا عهد لها بها.

فالحياة بعد الزواج ليست اجتماع ظلين تحت سقف واحد فقط ، بل هي انبعاث روحين التقيا على سنة الرسول على المودة، فتحول كل منهما إلى مرآة تكون مودة و تراحما وملاذا وسكنا، حتى كأنهما قلبان يخفقان في هيكل واحد يضمهما، أو نفس واحد انشطر ثم عاد ليلتحم برباط لا يرى كأنه خيط شفاف رقيق بين قلبين مجموعين تحت سقف واحد.

وكان السكن أول الأمر جدرانا صماء، لا نبض يسري فيها، ولا دفء ينساب على أركانها.

بيت جامد كصخرة على سفح جبل تتعاقب عليها الفصول، لكنه ما لبث أن تنفس حين حلت فيه أولى الأنفاس، فاهتز كما تهتز الأرض حين تمسها أول قطرة مطر أو أول نسمة رياح تهب عليها.

صار البيت كائنا يفيق من سبات عميق تكتسحه أحاديث القلبين لبعضهما، يفتح أبوابه كذراعين مشتاقتين للعناق، ويستقبل ساكنيه كما تستقبل الأم وليدها لأول مرة بعد تسعة أشهر من التعب و الإرهاق، بحنو لا يحصى وحب كبير.

وينهض الدفء بين الزوايا نهضة الفجر حين ينسل متثائبًا عبر الأفق البعيد فيجعل للبيت طعما؛ يتدلى من السقف ضياء خافت، وتتزاحم اللحظات فيه كأنها لآلئ تنظم على خيط واحد، ضحكة تفلت قرب المطبخ  فتوقظ في المكان حياة يملأها الحسن، همس يمر كنسيم صيفي على خد الليل قبل أن تنطفأ المصابيح، وخطوات تتقاطع في الممر كأنها زقزقة عصافير على صباح مشرق يفتح النفس وتطرب له الآذان.

ومع امتداد الأيام، يتسع البيت حتى يغدو أرحب من الصدر حين يغمره الرضا بقدر الله والقناعة بما تملك، ويضيق حتى يصير بحجم قلبين متعانقين لا يريدان من الدنيا غير حضن يسعهما ويسع محبتهما واحترامهما لبعضهما البعض.

يصبح كالوطن الذي لا تقدر على الرحيل منه أو عنه، تعانق فيه الروح سكينة طال بها السعي، وتجد فيه الممر الآمن الذي تخلد فيه تعبك، وتبث على أرضه ما تبقى من أحلامك الصغيرة منتظرا إزهارها.

وهكذا تتحول البداية من سطر يشبه بدايات الناس أجمعين…

إلى خصوصية لا يملك سرها إلا اثنان جمعهما القدر وربط بينهما وعدا خفيّا، أن يكتبا معا فصلا لا يُشبه ما كتب قبله، فصلا يتنفس الحب كلما أغمض الليل جفونه، ويشمخ كغصن رطيب يعانده الريح ولا ينكسر…

فصلًا يُروى بمداد المودّة، ويُحفظ في ذاكرة العمر كأجمل ما ابتدأ وما اكتمل فصل كان البداية.و النهاية لبعض الأمور ربما الجميلة وربما السيئة.

فتتوارى الأيام وتكبر البيوت وتعمر و يخرج منها أناس ليعمرو بيوتا أخرى بلمسة خاصة و جمالية أخرى.

تبارك الله ما أحلى منازله       ​وما أرقّ وما أصفى مغانيه

​فطوبى لمن بالوداد حامله     ​ويا هنأه بمن يغدو ويسقيه

ابن الرومي (في وصف السعادة والبركة)

.

"يا إلهي... سيف! هذا... كيف عرفت أني أحبهم...!"

وما إن لفظت كلماتها حتى جمدت في مكانها، كأن الدهشة قد ألجمت أنفاسها.

رفعت بصرها تتأمل الغرفة التي وقفت على عتبتها، فإذا بها أشبه بواحة سُوّيت بعناية لأجل قلبها وحده.

امتدت المكتبة على الجدارين امتدادا يأخذ بالألباب؛ رفوف شامخة من خشب بني دافئ، تلامس السقف كأنها أعمدة معبد للعلم.

تزدحم بالمجلدات العتيقة ذات الأغلفة المذهبة، تصطف جنبا إلى جنب كجنود من زمن مهيب، وإلى جوارها كتبٌ حديثة بألوان ترابية وزرقاء، تضفي تنوعا يشرح الصدر.

وعلى الأعالي، تحف صغيرة تزيد المكان حضورا؛ ساعة خشبية أنيقة، ولوحة ذات إطار أحمر، وشجرة مصغرة توحي بالحياة الهادئة.

أما الأرض، فكانت تفترشها سجادة واسعة ذات نقوش عربية دقيقة، تتوسطها سجادة صلاة بديعة بخيوط ذهبية، كأنما نسجت خصيصا لتكون موطن سكينتها.

وإلى جوارها طاولة خشبية صغيرة تشبه مقاعد الكتاتيب، تنادي القارئ أن يجلس ويغرق بين صفحات الكتب وكتاب الله خاصة.

كان المشهد كله يبدو كأنه غرفة من عالم آخر... من حلم طال انتظاره، من أمنية خبأتها في صدرها أعواما.

ظلت واقفة لحظات، لا تحرك ساكنا، كأن عينيها تخشيان أن ترمشان فيزول الحلم.

ثم التفتت إليه ببطء، وفي نظرتها بريق امتنان يكاد ينطق قبل شفتيها.

ابتسم سيف وهو يراها هكذا، يقرأ في وجهها كل ما لم تستطع قوله.

تقدم خطوة نحوها، وكأن المسافة بينهما لم تخلق إلا ليقطعها.

قال بصوت خافت يشبه الاعتراف:

"كنتِ تذكرين الكتب كلما تحدثت عن راحتك... وكنت أرى عينيك تلمعان حين تتحدثين عن ركن صغير تصلين فيه... فخطر ببالي أن أصنع لك مكانا يحتضن روحك كما تستحق يا منيتي"

رفعت يدها إلى شفتيها، تكتم ارتجافا داخليا، ثم قالت وهي تقترب منه بنبض متسارع:

"سيف... لقد منحتني أكثر مما تمنيت... وكأنك تعيد غلق الفجوات التي تركتها الأيام في قلبي، إن هذه المكتبة أحد أحلام حياتي وها أنت تحققه"

اقترب منها حتى صار وجهه بمحاذاة وجهها، ورفع يده برفق ليمسح دمعة تجمعت عند طرف عينها دمعة فرح وسرور بما فعله لأجلها.

قبّل جبينها قبلة طويلة، كأنه يعلن عهدا جديدا بينهما، ثم أمسك يديها بكل دفء قلبه.

همس بصدق محمل بالعاطفة:

"يكفيني أنكِ سعيدة... فهذا وحده يُثقل ميزان فؤادي فرحا و يجعل إبتسامتي لا تخبو يا إبنة قلبي"

أغلقت أصابعها فوق يديه، وشدت قبضتها كمن يخشى أن يفلت منه مصدر الطمأنينة الأخير، ثم ارتمت في حضنه وهمست بصوت مرتعش:

"يا مُتكئي... يا من كان عوضي من الله... كل ما يأتي منك يعجبني، بل يحييني و يجعلني أرغب بالوقوف عنده وعند عتبته دون حراك فقط لأتأمله"

عانقها سيف كأنه يضم عمرا كاملا، ثم قال وهو يمرر يده على شعرها البني الذي يصل لكتفها بعد أن نزعت حجابها فور دخولهم الغرفة:

"وهذه المكتبة... بداية فقط"

رفعت رأسها بخجلٍ دافئ، متسائلة:

"بداية ماذا؟"

ابتسم وهو ينظر نحو ركن الصلاة والمكتبة الممتدة حولهما:

"بداية بيت يشبهك... ويُشبه أحلامك يا منيتي"

............

في الجهة الأخرى، كان أسيد و ليا قد دخلا منزلهما الجديد، ذاك البيت الذي بدا كأنه يفتح ذراعيه لهما لأول مرة.

وقفت ليا عند العتبة تتأمل التفاصيل واحدة تلو الأخرى؛ جدران يكسوها دفء اللون، وستائر تتحرك بخفة مع نفس الريح، وأثاث اختير بعناية كأنه حكاية صيغت لتليق بقلبيهما معا.

أما أسيد، فوقف غير بعيد عنها، يراقب انبهارها بابتسامة اتسعت كلما رأى عينيها تجولان باندهاش طفلة وجمال امرأة.

قال بلهجة يتدلل فيها على زوجته:

"هل أعجبكِ البيت يا فتنتي العنيدة؟"

استدارت إليه ليا ببطء، والضوء ينساب على ملامحها الجميلة وشعرها الأشقر الذي يصل لمنتصف ظهرها ، وقالت:

"أعجبني؟ قليل في حقه... بل هو جميل جدا يا نبضي"

قهقه بخفة، ووضع يده على صدره بتمثيل درامي، قائلا:

"آخ... نبضك سيذوب من كلماتك يا فتنتي!"

ضحكت هي ضحكة صافية ارتدت في جدران المنزل كأنها أول بركة تباركه، ثم فجأة خفت صوتها، واتسعت عيناها وهي تتذكر أمرا مهما.

تقدمت نحوه بخفة مدروسة، ترفع حاجبها بوقار ملكة على وشك إعلان حكمها، وقالت:

"تذكرت... أين هديتي يا أسيد؟ لا بد أنك جلبت لي واحدة... أليس كذلك؟"

اختفت ابتسامة أسيد كما تطفأ شمعة في مهب ريح، وأطرق قليلا يتمتم بكلمات لا يكاد يسمعها:

"راكي باغيا تنكدي عليّا ياك..."

( أنت تريدين أن تُكدّري صفوي، أليس كذلك؟)

رفعت حاجبها الآخر ببطء، واقتربت منه خطوة وهي ترفع سبابتها في وجهه:

"ماذا؟ أشتمتني بلهجتك الغريبة تلك يا أسيد؟"

زفر أسيد زفرة طويلة، رافعًا كفيه استسلاما:

"لم أشتمك يا زوجتي... واللهِ لم أفعل"

ضمت شفتيها للحظة، ثم أطلقت سراحهما بابتسامة صغيرة تحمل نصف تهديد ونصف دلال:

"حسنًا... إذن أين هديتي؟"

نظر إليها أسيد، ثم بدأ بؤبؤا عينيه يتنقلان في أرجاء المكان بحثا عن منقذ خيالي، قبل أن يهمس باستسلام تام:

"نسيت... نسيت هديتك يا فتنتي العنيدة."

أطلقت ليا "تشه!" طويلة متذمرة، وقالت بضحكة ساخرة:

"أخي أحضر هدية لميس... وأخوك يبشر زوجته بأنه يُحضر لها مفاجأة... وأنت؟ نسيت!

يا رجل، ما الذي سأفعله بك يا أسيد؟"

كان يدرك أنها تمزح... وكانت هي تعلم أنه يتعمد استفزازها، وهذه اللعبة الصغيرة راقت له منذ اللحظة الأولى.

اقترب منها بخطوة واثقة وقال:

"ليس من الضروري أن أفعل مثلهم... أوليس كذلك؟"

رمقته بنظرة حادة مصطنعة، ثم فجأة انحنت بسرعة البرق، والتقطت فردة حذائها العالي كمن يرفع سلاحا في ساحة حرب.

وما إن لمح أسيد ذلك حتى اتسعت عيناه، وصاح ضاحكا:

"يا ساتر! فتنتي رفعت السلاح!"

ثم انطلق يجري في المنزل، يركض كطفل يهرب من عقاب والدته، وهي تركض خلفه ملوحة بالحذاء، تصرخ بنبرة تخلط الغضب بالدلال:

"أسيد! تعال هنا! كيف تجرؤ أن لا تحضر لي هدية في زفافي يا أيها المغرور المتعجرف! تعال ولا تجعلني أريك بأس بنت الرواني!"

كان يضحك بصوت عال يهز جدران البيت الجديد، حتى اندفع إلى داخل غرفتهما وأغلق الباب خلفه بسرعة.

توقفت ليا أمام الباب، مصدومة من جرأته، ثم بدأت تضرب الباب براحتها وهي تقول:

"أسيد! افتح الباب! أتغلق باب غرفتنا في وجهي؟ ألا تستحي يا ابن آل سراج؟!"

ومن الداخل جاء صوته ضاحكا، مليئا بالمرح:

"وأنتِ أيضا أصبحت من آل سراج هؤلاء... يا فتنتي العنيدة!"

وبرغم الباب المغلق، تسرب الدفء بينهما... كأن الضحكات وحدها كانت كافية لتقول:

إن الحب بينهما أكبر من الهدايا، وأكبر من المزاح... إنه حياة كاملة بدأت تفتح بابها الآن.

لكن... هل ظننتم حقا أن أسيد لم يحضر لها هدية؟

لا، بل أنتم لم تصدقوا ذلك لحظة واحدة، أليس كذلك؟ وكيف تصدق القلوب أن رجلا كـأسيد الذي تحركه نظرة منها وتربكه ضحكة، سيترك يوم زفافهما يمر بلا أثر منه يسكن قلبها؟

كانت ليا خلف الباب تتذمر وتقرع الخشب بيدها، تتوعده بلهجتها الحادة التي يعرف تماما أنها ليست سوى عناد رقيق يخفي دلالا شديدا.

أما هو، فكان يقف داخل الغرفة، ظهره إلى الباب، يغمض عينيه على ابتسامة لا يملك منعها.

تسللت ضحكتها المتذمرة إلى قلبه كما تتسلل نسمة الفجر إلى صدر عاشق، وقال في نفسه:

كيف لي أن أقاوم هذا الصوت...؟ كيف لي أن أدع يومها يمر بلا أثر يليق بها؟

تنفس بعمق، كمن يتهيأ لإعلان سرّ ثمين، ثم تحرك بخطوات هادئة نحو الخزانة الخشبية الممتدة في جانب الغرفة. مد يده ببطء، يفتح الباب الخشبي للخزانة.

وفي تلك اللحظة تماما، ارتفع صوت ليا من خلف الباب غاضبا:

"أســيــد! افتح الباب وإلا جعلتك تندم عندما أراك"

ضحك هو ضحكة صامتة، يهز رأسه بخفة، ثم قال بصوت خافت كأنه يخاطب الهدية نفسها:

"رويدك يا فتنتي... لو تعلمين ما ينتظرك لذابت كل هذه الثورة في قلبك"

أخرج صندوقا خشبيا صغيرا، تتلألأ نقوشه كأنها خيوط خطها الزمن ، ثم أمسكه بكلتا يديه، وكأنه يحمل قطعة من قلبه هو.

توقفت ليا لحظة عن الطرق على الباب، وكأن وحدسها قد لمس شيئا... شيئا يتنفس على الجانب الآخر.

ابتسم أسيد ابتسامة رجل يعرف أنه على وشك أن يرى عينيها تلمعان بالطريقة التي يحبها، ثم سار نحو الباب ببطء...

وقف أسيد خلف الباب لثوان أدار المفتاح ثم وض ضع يده على المقبض، والصندوق المخملي في اليد الأخرى.

كان يسمع تنفس ليا خلف الخشب، وكلماتها المتقطعة التي تحاول أن تبدو غاضبة تلك العنيدة.

ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم فتح الباب بهدوء مباغت.

تراجعت ليا خطوة إلى الخلف، وعيناها تتسعان وهي تراه أمامها، شعره الأسود مبعثر قليلا من كثرة الركض، وملامحه تحمل مزيجا غريبًا بين الانتصار والعشق.

قال بنبرة خافتة، عميقة، كأنها خرجت من أعماق روحه:

"فتنتي العنيدة..."

رفعت حاجبها بعناد ما زال يقاوم الضعف الجميل الذي يسري في ملامحها، لكن عينيها تعلقتا فورا بالشيء الصغير الذي يخفيه خلف ظهره.

وضعت يديها على خصرها وقالت بنبرة حاولت جعلها قاسية:

"ها... جئت تبرر أم تهرب؟"

تقدم منها خطوة، وعيناه تلتهمان تفاصيل وجهها بشغف واضح.

ثم أظهر يده ببطء... ليكشف عن الصندوق المخملي الخشبي الذي بدا في كفه صغيرا.

شهقت ليا بخفوت، وارتفع حاجباها وهمست:

"أسيد...؟"

فتح الصندوق بينهما.

وانبثق منه لمعان دافئ... قلادة ذهبية، تماما كالشمس إذا انعكست على صفحة ماء ساكن.

سلسلة متشابكة الحلقات، جميلة ومتينـة، تحمل في نهايتها قلادة بيضاوية مزخرفة بنقوش دقيقة أشبه بزخارف القصور القديمة.

مدت ليا يدها المرتجفة تلامس النقوش بإصبع واحد، تقول بعينيها قبل صوتها: ما هذا الجمال...؟

لكن أسيد لم يدع السؤال يكمل طريقه...

حرك القلادة بخفة، وضغط على طرفها الصغير، فانفتحت كزهرة تتفتح بتلاتها.

وفي داخلها...

كان نقش ذهبي رقيق لكلمة: "فتنتي العنيدية"، وفي جهتها المقابلة صورة منقوشة ليديهما المتشابكين، وفي كل يد خاتم الزواج يلمع بنقش فضي كعلامة على وعد لا ينسى.

شهقت ليا مندهشة، وضعت يدها على فمها، وامتلأت عيناها ببريق خافت لم تفلح في منعه.

اقترب أسيد خطوة، وقال بصوت حنون:

"أردت هدية... تبقينها فوق قلبك، وتبقيني... معكِ"

رفعت ليا رأسها نحوه، والدمعة تلمع على طرف رمشها. لم تقل شيئا، فقط استدارت ببطء ورفعت شعرها بيد مرتجفة.

اقترب أسيد منها، يربط القلادة حول عنقها بهدوء كأنه يضع وعدا أبديا لا مجرد هدية.

وحين انتهى، وضعت يدها على القلادة، تغلقها على صدرها، وكأنها تحتضنه هو من الداخل وهو يقف أمامها من الخارج.

نظرت إليه بخجل وشغف وقالت:

"يا إلهي... نبضي... إنها... إنها أجمل من أن توصف"

ابتسم، يرفع يده ليمسح دمعة صغيرة تسللت دون إذن:

"بل أنتِ أجمل من كل هدية يا فتنتي العنيدة أو لنقل التي تتدعي العناد همم"

لم تحتمل...

ارتمت على صدره تعانقه بكل ما في قلبها من حب ودفء، فأغلق هو ذراعيه حولها كأنه يحتضن عمرا كاملا بدأ من هذه اللحظة.

وبينما تمسح دموعها على كتفه، همست بخجل و بعض العناد:

"سامحتك..."

فرد بخفة وهو يطوق خصرها:

"ومن قال إنكِ كنتِ غاضبة أصلا...؟"

وانساب في البيت الجديد صوتان وُجدا ليملآه:

ضحكهما... وارتجاف قلبين يعلنان بداية حياة طويلة معا.

بعد قليل أمسك يدها بخفة وجرها بلطف نحو الرواق.

يهمس لمن رفعت حاجبها بتساؤل:

"لدي هدية أخرى لك يا من إتهمتني"

ضحكت بخفة وهو كذلك.

وصلوا إلى غرفة صغيرة على جانب الرواق، نظيفة ومرتبة، تحتوي على سجادة مزخرفة، ورف كتب شرعية، ومصحف مفتوح على الطاولة.

أمام السجادة كرسيان صغيران متقابلان، وبينهما طاولة خشبية صغيرة، المكان كله يوحي بالسكينة والهدوء.

ابتسم لها وقال بحب وصدق:

"هنا سأحفظك القرآن كما وعدتك... يا حبيبة القلب"

استقرت ليا على السجادة، والدموع تلمع في عينيها، بينما جلس أسيد مقابلا لها، ويداهما تلتقيان برفق على الطاولة، وكأنهما يبدآن رحلة جديدة من المحبة والسكينة، رحلة الإيمان والوفاء.

............

وما أسرع ما انسلخ الأسبوع من بين يدي الأيام، يمضي كالطيف الخفيف، حتى ليخيَّل للمرء أن البارحة لم تغادر بعد. وكأن الزمن في عجالته لا يمهل القلوب أن تلتقط أنفاسها.

كانت هالة قد آثرت أن تتّبع خطى ميساء، فعادت إلى مقاعد دراستها من الأيام الأولى بعد زفافها؛ عودة يشوبها حنينٌ التعلم و الارتواء من مناهل الشريعة الغناء بدروسها، كأن العلم يناديها بندائه القديم الذي لا يخبو.

أما أمر العطلة، فقد طوته في صدرها طيّ الرفق، راضية بما كتبه القدر من مسؤوليات جديدة.

وفي جهة أخرى، كان سيف غارقا في قضية شائكة تشغل نهاره كله فوكيله علىما يبدو ليس كالعادة، فلا يهدأ له جنب إلا عند انبساط الليل وسكونه.

يمضي يومه بين الأوراق والتدريس في القانون والخطى المتعجلة، كأن الزمن نفسه يطارده.

أما ليا، فقد راودها خاطر الترفيه وأخذ عطلة قصيرة بعد زفافها، رغبة أن تستريح روحها قليلا من دوامة الأيام.

لكن أسيد المثقل بأعماله في الشركة، المحاصر بضغط متواصل لم يكن بقادر على مغادرة منصبه، ولو يومين.

فاكتفت بأن تريح جسدها يوما واحدا، ثم عادت للعمل إلى جانبه إلى أن يحين موعد تخرجها، كأن حضورها قربه راحة أخرى تغنيها عن سائر العطل، وكأنها لا تطيق الابتعاد عن نبض سيرته اليومية.

وفي الضفة الهادئة من القصة، كان روانس وميس يسيران بخطى وئيدة مطمئنة، علاقة يظللها الود، وتنضج على مهل، كزهرة ربيع لا تستعجل تفتحها.

يمضيان أيامهما بنسق لطيف، تغمره الألفة والانسجام، وكأن السكينة قد وجدت إليهما طريقها أخيرا.

............

كان صباح الأحد ينساب على منزل سيف و هالة انسياب نور خفيف يوقظ السكينة في زواياه.

وقد نهضت هالة مبكرا، تمضي بين أرجاء المطبخ بخطوات هادئة، وقفت تُعد فنجاني قهوة لهما، وترتب بعض ما يحتاجانه من فطور، فيما أنفاسها تتصاعد بخفوت، محملة بقلق مكتوم على حال زوجها.

منذ أيام وسيف يغرق في الأوراق غرق من لا يعرف للراحة مرفأ، رغم أن القضية بين يديه مضى عليها أسبوعان أو أكثر.

وبحكم مهنته لم تلح عليه بسؤال عن أسرار موكله، لكن كلماته أن القضية صعبة جدا كانت كافية لتزرع في قلبها مساحات من التفكير.

تعلم أنه رجل يحمل عمله في صدره كما يحمل الرجال هم القبيلة، لكنه يتعب روحه، لا يستريح إلا ليلا، ثم ينهض صباحا إلى الجامعة يدرس القانون، وبعدها يعود يغوص في ملفاته، إما في المكتبة، وإما في مكتب المحاماة، يراجع، ويحرر، ويعد.

كانت أفكارها تدور حوله كأنها دائرة لا تفتح بابا للخروج، حتى اخترقها صوته الدافئ يقول من خلفها:

"هل أنت جاهزة... منّيتي؟"

استدارت إليه، وعلى وجهها إشراقة صبح، وشعرها البني مربوط في ذيل حصان يعلو رأسها كأن خصلاته ترتفع بدلال، ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:

"نعم... نفطر أولا، ثم أرتدي حجابي ونذهب"

اقترب منها خطواتٍ تنضح بالود، وطبع قبلة خفيفة على جبينها ثم حمل عنها فنجاني القهوة، يتوجه بهما نحو الطاولة.

تبعته وهي تحمل صحن الأجبان، ثم سمعته يسأل بصوته الهادئ:

"وكيف حال دراستك؟ أتبليـن حسنا؟"

ابتسمت وهزت رأسها بثقة:

"أجل... أنت تعلم أنّي أستمتع بدراستي، فلا مشقة فيها علي"

أومأ مبتسما، فأضافت هي بصوت عذب:

"اليوم سأزور أمي... فإذا عدت من المكتب، مر بي من هناك... حسنا؟"

أجابها بنبرة يكسوها حنان:

"حسنا، منّيتي... إن شاء الله"

وحين فرغا من الفطور، صعدت غرفتها لترتدي حجابها، بينما بقي هو في الأسفل يتحدث عبر الهاتف.

ولم تمض دقائق حتى نزلت على الدرج، فرفع رأسه... وتجمدت أنفاسه في حلقه.

بدا كأنه يراها للمرة الأولى، وعلى رغم رؤيته لها كل يوم، إلا أن منظرها بالحجاب يوقظ في قلبه شيئا لا يزول:

يراها نقية، عفيفة، كأن الحياء ثوب ينسدل عليها، والجمال يشرق بلا تكلف.

وحين توقفت أمامه قال مبهورا:

"تبارك الرحمن من صورك... كلما رأيتكِ تذكرت عائشة"

اتسعت عيناها، لا حياء بل اندهاشا، ثم رفعت حاجبا واحدا رفع إنذار صريح.

وقد فهم سيف شيئا من ذلك الوميض قبل أن يسمع صوتها الجاد:

"ومن تكون هذه عائشة؟ هل تمازحني الآن أم ماذا؟"

اتسعت نظرة سيف بإندهاش، قائلا بلهجته:

"نتي بصح راكي باغية تنكدي عليّا على صباح ربي؟ وسيف ثاني ياه... مُتكئي راحت فذا الشي!"

(أيعقل أنّك تريدين بدء يومي بنكد؟ وحتى كلمة مُتكّئي ذهبت وجاأ سيف محلها ذهبت في ذلك الأمر!)

شهقت هالة ورفعت حاجبيها:

"ما الذي قلته الآن يا سيف؟ أتستغل عدم معرفتي بلهجتك؟!"

زفر أنفاسه بعصبية خفيفة، ثم قال:

"لا يا منيتي... والله ما فعلت"

ضمت شفتيها ونظرت إليه نظرة تحمل مزيجا من الغيرة الطفيفة والسؤال الملح:

"إذن أخبرني... من هذه عائشة؟"

وهنا... لم يستطع سيف أن يتمالك نفسه، فانفجر ضاحكا ضحكة هزت كتفيه. رمقته هالة بدهشة تامة وهي تقول:

"وما المضحك؟ سيف! أجبني وإلا..."

زاد ضحكه حتى اضطر لرفع يده يمسح دموعه التي سالت من شدته، ثم قال، محاولا أن يكتم ضحكته:

"بالله عليكِ... أي عائشة تظنين؟! إنما أقصد أمنا عائشة رضي الله عنها... زوجة النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت إنك تذكرينني بعفافها... لا أكثر"

ولم تكد الكلمات تخرج من فم سيف حتى خفت بريق الغيرة في عيني هالة، وتحول إلى لمعان آخر... لمعان خجل ناعم يتدلى من رموشها الطويلة.

نزعت نظرتها عنه لحظة، كأنها تضبط أنفاسها الهاربة، ثم قالت بصوت خفيض:

"ظننتُ... أنك تقصد امرأةً أخرى"

اقترب منها خطوة بطيئة، خطوة تشبه وعدا لا ينقض، ثم مد يده يرفع ذقنها برفق حتى لامست عيناه عينيها:

"أنا؟ أرى امرأةً أخرى؟ والله يا منّيتي... ما رأيتُ امرأةً بعدك، أنت لك في قلبي مقام لا يُزاحم"

ارتعشت أنفاسها، وكأن صوته لامس موضعا حساسا في روحها، ثم زادت ارتجافة خفيفة في أصابع يدها وهي تقول:

"ولِمَ تشبهني بعائشة رضي الله عنها؟ خِفتُ... أن تكون لك معها قصة أو... أو ذكرى"

ضحك سيف، لكن ليست ضحكة السخرية، بل تلك الضحكة التي تخرج من القلب حين يفيض حبا:

"قصة؟ وهل يجمع الرجال قصصا مع الطاهرات؟

شبهتُك بها لأنها كانت طاهرة القلب... رقيقة اللسان... نورا في بيت نبي الله.

وأنتِ... كلما رأيتك بحجابكِ، تذكرت ما قيل في عفافها و أنك صرتِ نور بيتي أيضا"

سكت لحظة، يتأمل ملامحها التي ذابت خجلا، ثم تابع بصوت أكثر دفئا:

"ثم إني... أحب حين تغيرين علي،

وكأن قلبك يقول: هذا الرجل لي وحدي"

نزلت الكلمات على مسامعها كنسمة دافئة بعد مطر طويل، فخفضت رأسها ونظرت إلى الأرض، لكن سيف لم يمهلها كثيرا؛ مد يده يحيط خصرها برفق، يقربها إليه حتى كاد يسمع ضربات قلبها:

"تعالي... لا نريد أن نبدأ يومنا بنكدٍ من صنع خيالك"

رفعت رأسها ببطء، ترتسم على شفتيها ابتسامة خجولة، ثم همست:

"ومن أخبرك أنه خيالي؟ ربما...ربّما خشيتُ أن أفقدك يوما.... أنت تعرف مخاوفي"

تجمد سيف للحظة، ليس صدمة، بل امتلاء... كمن لامس شيئا لطالما اشتهاه قلبه.

وضع كفه على خدها وقال:

"لن تفقديني ما دام في صدري نفس يتردد.

أنا لكِ... ما حييت، يا منّيتي"

ثم أمسك بيدها، وسارا معا نحو الباب. فتحه لها أولا، بعادة لم يتخل عنها منذ زواجهما، ثم قال بصوت ملؤه الدفء:

"هيا... كي لا نتأخر على المدرسة.. ومساءً

سأعود... أمرّ عليك، كما وعدت"

ابتسمت، تمسك حقيبتها، وفي اللحظة التي همت بالخروج قالت له وهي تلتفت:

"سيف..."

توقف، يرفع حاجبه مستفسرا،

فقالت بصوت خافت لكنه أثقل من كل الاعترافات:

"أحب أن تشبهني بعائشة... ولكنّي أحب أكثر

حين تقول لي منيتي"

ابتسم... تلك الابتسامة التي تحبها وتتمنى عدم زوالها أبدا يقول بهمس:

"ومن تكونين إن لم تكوني منيتي؟"

وخرجت معه، تمشي إلى جانبه، بقلب امتلأ طمأنينة كأنما انكشفت غيمة أخرى كانت تحجب ضوء الصباح.

...........

في الجهة الأخرى ، عند منزل ليا وأُسيد، كانت ليا واقفة في المطبخ، تتنقل بين الأواني بخطوات حائرة يختلط فيها العزم بالارتباك، وكأنها في معركة صغيرة لا تعرف لها نهاية.

يا ليتها لم تكن هناك في تلك الساعة، إذ كان أُسيد قد استيقظ ولم يجد لها أثرا في الفراش، فهبّ من مكانه ينزل الدرج بملامح امتزج فيها القلق بنفاد الصبر.

وما إن بلغ آخر درجة حتى انسابت إلى مسامعه أصوات من المطبخ؛ خشخشة أوان، ووقع خطوات مترددة، وأنفاس يخيل إليه أنها تستغيث.

فمال برأسه وهمس بلهجة تفيض تعبا وبغض الغضب الطفيف من عناد زوجته وهمس :

"اللهم سترك.. لازم تدخل الكوزينة كل صباح؟ مشحال من خطرة قتلك ما تخربيش يا فتنتي فموطن الهلاك.. يا درا اي مصيبة صنعتي هذي الخطرة)

(يا ربّ سترك… أيجب أن تدخل المطبخ كلما أشرقت الشمس؟ كم حذرتك يا فتنتي أن لا تعبثي بمواطن الهلاك… ترى أي داهيةٍ صنعت هذه المرة؟)

زفر أنفاسه المتعبة، ومسد جبينه كمن يستعد لمواجهة مصيبة مقدّرة لا مفر منها.

تقدم بخطوات حذرة نحو باب المطبخ، كأنما يخشى أن يطأ فخا نُصب له بعناية.

وما إن وقف عند العتبة، حتى شهق شهقة عالية، واضعا يده أعلى جبينه كمن رأى ساحة حرب مخضبة بالغبار.

"بالله… أأعلنت حربا هنا؟"

جفلت ليا بصوته، فرفعت رأسها إليه، وانسابت ابتسامة صغيرة على شفتيها، وقالت بنبرة تنضح عنادا وسرورا في نفس الوقت، لا تسألو كيف ذلك فلطالما كان العناد احد مصادر السعادة لديها:

"نبضي… انظر إلي، قررت اليوم أن أصنع لك بعض الفطائر لتأكلها صباحا قبل الذهاب للعمل، أردت أن أفاجئك"

رفع حاجبه بدهشة مشوبة بالذهول، وتبعها بفتح فمه قليلا قبل أن يقول بحدة لطيفة لا تخلو من الحب:

"فاجئتني حقا يا ليا، وهل في لغة البشر أن إعداد الفطائر يستوجب نثر نصف كيس الطحين على الأرض، وتكديس الأواني فوق بعضها كركام معركة، وطلاء وجهك الأبيض بنصف ما تحتاجه الوصفة يا فتنتي العنيدة؟"

ثم أضاف بنبرة خانقة يقول:

" يا ليا، ثلاث مرات دخلت المطبخ خلال أسبوع، وفي كل مرة تسجلين رقما قياسيا في قاموس الفوضى،

في مرة سكبت الماء فوق النار بدل إطفائها عند إحتراق الطبخة،  وفي أخرى أغرقت المطبخ كله ناسية الحنفية مفتوحة، وفي الثالثة… كسرت صحونا تكفي لعشاء قبيلتين"

كانت ليا بكل ما فيها مصيبة على المطبخ، نعم…

لكنها كانت مصيبة يحبها أُسيد حتى العظم.

وكان ينظر إليها الآن وهو يعض على شفتيه كي لا يضحك، ويكتم بين ضلوعه ذلك الفيض من الحنان الذي يوقظه ارتباكها الجميل في كل مرة رغم عنادها وجرئتها المعتادة…

وكأن الفوضى التي تتركها خلفها ما هي إلا طريقتها العجيبة في أن تقول له:

"أنا أحبك، فأردت أن أصنع لك شيئا بيدي"

وقفت ليا في منتصف المطبخ كمن ضبط متلبسا بجريمة جنائية، وبيدها ملعقة خشبية.

حاولت أن تبدو واثقة، لكنها ما إن رأت نظرات أُسيد حتى بلعت ريقها فهو قد حذرها من الدخول للمطبخ وهو ليس موجودا لكنها لا تستمع له:

"الأمر ليس كما تظن… لقد كنت على وشك إصلاح الفوضى، ثم وجب أن تشكرني على تعبي في إعداد هذه الفطائر"

رفع أُسيد حاجبيه عاليا وكأنما يحدق في ظاهرة غريبة:

"يا روح القلب،هذه الفوضى لا أظن أنك ستصلحينها بل ربما ستزيد لهذا لا تقومي بفعل ذلك"

أشارت ليا نحو المقلاة قائلة بثقة طفولية يتخللها العناد:

"لكن انظر! هذه أول فطيرة نجحت في قلبها دون أن تقع على الأرض"

اقترب أُسيد ينظر إلى المقلاة…

ثم صمت، طويلا.... طويلا جدا.

وأخيرا قال وهو يحدق في الكتلة البنية الغريبة:

"هذه… فطيرة؟ أم حجر كريم من العصر البرونزي؟"

شهقت ليا بإنكار:

"أسيد! إنها فطيرة… فقط ربما اسمرت قليلا"

قهقه أسيد، حتى انحنى قليلا وهو يمسك بخصره:

"يا فتاة، لو رميتها على الحائط ستعود إليك! هذه ليست فطيرة… هذه كرة سوداء من الطحين!"

وضعت ليا يديها على خصرها بغضب لطيف، لكنها لم تستطع منع احمرار خديها:

"حسنا… حسنا! سأصنع غيرها! لا داعي للسخرية!"

اقترب منها، يمسح بإبهامه شيئا من الطحين على خدها، ثم يقول بنبرة هادئة تشبه العتاب الرقيق:

"يا فتنتي، لو أردت قتلي، فافعلي ذلك بالحب، وليس بالفطائر الصلبة"

تراجعت ليا خطوة للوراء وهي تلوح بالملعقة أمامه:

"اخرج إذن! سأعد فطورا لائقا مهما كلف الأمر!"

قال أسيد مازحا وهو يخطو للخلف بخوف تمثيلي:

"يا رب سلّم… ها هي تعلن الحرب مجددا. سأنسحب قبل أن تصيبني رصاصة طحين طائشة"

لكن قبل أن يدير ظهره، حدث ما لم يكن في الحسبان…

هوت الملعقة من يد ليا أو لنقل أنها ضربتها بغضب طفولي، فارتطمت بالمقلاة، فانطلقت منها قطعة العجين القاسية بسرعة كأنها قذيفة، استقرت على صدره مباشرة.

تجمد الاثنان لثانية.

ثم قال أسيد بألم مصطنع وهو يضع يده على صدره:

"وهكذا… بدأت الحرب رسميا... أتريدين قتلي بصخرة من الفطائر يا ليا"

ضحكت ليا حتى دمعت عيناها، وارتفعت يدها تستسلم قائلة:

"حسنًا… حسنا… ربما ينبغي لي ألا أطبخ بعد اليوم"

اقترب منها أسيد يضع يده على كتفها برفق وهو يقول:

"لا، بل سنطبخ معا… فالفوضى حين تكونين فيها تصبح… محتملة"

ثم أضاف هامسا، وهو يمسح عن خدّها طحينًا آخر:

"ويا عنيدة… لو رأيت نفسك الآن، لأيقنت أن الفوضى أجمل حين تصنعها يداك... لكن الرجاء ألا تتكرر لأن قلبي الصغير لا يتحمل"

ومع آخر كلماته إنفجر الإثنان ضاحكان وبدأ كل منهما ينظف الفوضى حتى يتجهزا بعدها للعمل.

...............

أما عند الثنائي المسالم خاصتنا، فكان روانس جالسا على السرير يعدل أكمام قميصه، بينما ميس قد دخلت منذ زمن إلى الحمام، وإذا به يسمع صوت مقبض الباب يهبط، ثم تلوه خروجها.

رفع أنظاره نحوها فرأى المنديل في يدها وهي تضعه على أنفها، ثم عطست بخفة فقال لها و القلق يملأ صوته:

"ألن تصغي إليّ ونذهب إلى المستشفى ليصفوا لك دواءً للزكام؟"

فنفت برأسها، بصوت مبحوح خافت قليلا:

"لا بأس بي حقا مستقري… مجرد سعال خفيف سيزول. لقد تناولت الدواء، وأنا معتادة عليه، فلا حاجة للطبيب، ثم لدي محاضرة معك، ولا أرغب في تأجيلها"

زفر أنفاسه متنهدا، كأن ثقل الأيام يثقل صدره، ثم قال بصوت رقيق يختلط فيه الحنان بالقلق:

"حسنا، كما تشائين، لكن إن شعرت بأي تعب أو وهن، فلا تترددي في إخباري"

ابتسمت وهي تتقدم نحو خزانتها، تخرج عباءتها ونقابها، ثم استدارت وهي ترتديهما، كأنها ترتدي شيئا من هيبة الليل ووقار النهار معا، وقالت بلهجة رقيقة يختلط فيها الحنين بالاشتياق:

"لا تقلق… ثم أرغب في زيارة أمي، وبعدها والدتك مساء، إن لم يكن لديك مانع. لقد اشتقت لهم و إلى والدي و صغيرتي نور"

ابتسم ابتسامة دافئة، وعيناه تشع دفئا وهدوءا، وقال بصوت يفيض طمأنينة:

"بالطبع… مساء نمر عليهما، ومن ثم نعود إلى بيتنا معا، لنكون كالعصافير في عشه، بين دفء الأهل وحنان الليل"

ثم أضاف بصوت يملؤه الحنان والدفء:

"هيا، لننطلق حتى لا نتأخر، يا وتيني"

أومأت برأسها بخفة، وابتسامة خجولة تلمع على شفتيها، وهي تحمل حقيبتها بين يديها.

اقترب هو منها، وذراعه يلتف برفق حول خصرها، يسيران معا نحو الباب، كل خطوة منهما تنبض بدفء القرب وطمأنينة القلب.

وصلوا إلى السيارة، وفتحت هي النافذة لتستنشق الهواء العليل، لكنه أسرع وأغلقها بلطف، صوته منخفضا لكنه حنون:

"لا تفتحيها… فالهواء البارد سيزيد زكامك سوء"

أومأت برأسها مرة أخرى، وعيناها تشعان بالحب والامتنان، وابتسامة صغيرة ترتسم على محياها، فهي تحب قلقه عليها واهتمامه الذي يملأ قلبها دفئا وسعادة.

جلسا في السيارة، والجو المليء بالسكينة يحيط بهما، وصمت قصير يلتقطه فقط صوت تنفسهما المتزامن، وكل من حولهما يختفي مع وقع أنفاسهما.

شعرت وكأن كل حركة منه، وكل كلمة يقولها، تعانق قلبها وتحييه، فتتسرب السكينة إلى روحها وتذوب معها كل مخاوف الطريق أو المرض الذي يثقل صدرها .

هو ينظر إلى الطريق بعينين حذرتين، بينما قلبه يراقب كل حركة قلقا، أما هي، فتنظر من نافذة السيارة المغلقة، تشعر بالدفء يغمر صدرها من قربه، ومن شعورها بالاهتمام الذي يفيضه، فتبتسم لنفسها ولحظتها، كأن العالم بأسره أصبح خلفها، وما بقي أمامها إلا هذه اللحظة التي تتلألأ فيها المحبة والاطمئنان.

............

وها هي تجلس في الصف، وبجانبها هالة، تتبادلان النظرات والهمسات بينما ينتظرن وصوله للمحاضرة، والجو في القاعة يعبق بالهدوء المعتاد قبل بدء الدرس.

أما ميساء، فلم تقدر على كبح ضحكاتها المتكررة رغم تعبها وسعالها بين الحين و الآخر، فتعلو بين حين وآخر كسيل من الفرح، بعد سماعها لما حدث مع صديقتها صباحا، فقالت وهي تكاد تنفجر من شدة الضحك:

"حقّا يا هالة، لا أصدقك… لقد فعلتِ ما يملأ الصباح نكدا وغيرة!"

ردت هالة بتذمر خفيف، محاولة أن تظهر القليل من الجدية وسط ضحكات ميساء المتواصلة:

"أليس أخوك هو المخطئ، كان يجب أن يكمل بعد اسم عائشة ويضيف أم المؤمنين على الأقل؟"

ابتسمت ميساء، ودموع الضحك تتلألأ في عينيها، تقول بين انفاسها المرتجفة من شدّة الفكاهة:

"أنت محقة، ولكن…"

لم تستطع أن تكمل كلامها، إذ دخل روانس القاعة بهدوء، حاملا قيبته السوداء كمثل ما يرتدي ، وشعره الأشقر المبعثر قليلا على جبينه، مع ابتسامة خفيفة ووقار يملأ ملامحه، مردفا بصوت رزين:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

رد الطلاب جميعا بصوت واحد:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"

همست ميساء بخفة، وكأن قلبها يرف مع كل كلمة ينطقها:

"لننتهي بعد انتهاء الحصة"

أومأت هالة برفق، وأصغتا بعد ذلك إلى صوت روانس وهو يضع أشيائه على المكتب، كل حركة منه تحمل هدوءا ورزانة كالعادة وقال:

"قبل أن أبدأ… لقد قررنا تأجيل المحاضرة الشهرية التي كنت سأُقيمها الأسبوع القادم، إن شاء الله، وذلك لأسباب تنظيمية"

وقف روانس ببطء، مستندا على مكتبه، وعيناه تتفقدان الطلاب بحنان شديد وحرص، ثم بدأ حديثه بصوت عذب هادئ كنسيم يمر بين أوراق الصفوف:

"أيها الإخوة… حديث اليوم يحمل بين طياته درسا عظيما، درسا في شأن الأخلاق ومكانتها عند الله تعالى.

عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

  «إن من أحبِّكم إليَّ، وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنَكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضَكم إليَّ، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارون والمتشدِّقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبِّرون» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن] "

وقف للحظة، كأنه يترك لكل كلمة فرصة أن ترسو في قلب كل طالب، ثم رفع عينيه، وابتسم ابتسامة دافئة خفيفة، وكأنها لمسة حنان تخترق روح كل من يسمع.

"لاحظوا معي يا طلابي ، الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: من هو أعظم علما، ولا من هو أكثر مالا، ولا من هو أكثر قوة… بل قال: أحسنكم أخلاقا.

الأخلاق الطيبة، الصبر، التواضع، الرحمة، والصدق وغيرها من مكارمها هي التي تقربنا من الله، وتجعل مقاعدنا قريبة منه يوم الحساب وتجعل الحياة تسير بسيرورة تنظم قلوبنا وتُرسِيهَا"

رفع أحد الطلاب يده يسأل بصوت فضولي للإرتواء من العلم:

"أستاذ… هل يعني هذا أن العلم والمال ليس لهما قيمة؟"

ابتسم روانس ابتسامة دافئة، وكأن بتلك الأبتسامة فقط قد أجاب، وقال:

"بالطبع لهما قيمة عظيمة، ولكن القيمة الكبرى عند الله هي ما يزين القلب ويظهر في سلوك الإنسان من مكارم الأخلاق، فالعلم بلا خلق يشبه النهر الجاف الذي لا يفيد بشيئ، والمال بلا تواضع يشبه الأرض القاحلة التي لا تنبت زرعا. أما الأخلاق فهي الماء الذي يروينا جميعا ويغذينا فنعلو ونتطاول كالنبات في حياتنا هذه وفي آخرتنا بإذن الله"

تبادل الطلاب النظرات، بعضهم كتب ملاحظاته بسرعة، البعض الآخر ابتسم، وأحدهم رفع رأسه وقال:

"يعني يا أستاذ أن الإنسان قد يكون عالِمًا أو غنيا، لكنه بعيد عن الله إذا فقد الخلق؟ وقد يكون فقيرا لكنه بخلقه أقرب إلى الله؟"

أومأ روانس برأسه، وعيناه تلمعان بالحكمة والحرص: "بالضبط… الإنسان الذي لا يتحلى بالصبر، والصدق، والتواضع، والرحمة، حتى لو بلغ آفاق العلم أو جمع المال، فإن قلبه يظل بعيدا عن رضوان الله ورحمته ويظل هائما في حياته يتخبط بين شهواتها"

ميس، وهي تتابع زوجها، شعرت بدفء يغمر قلبها، عيونها لا تفارق كل حركة، وكل كلمة كأنها توزع على قلبها شعورا بالفخر العميق، بينما هالة أغلقت عينيها للحظة، وتدبرت كل حرف، شعرت وكأنها تستمع ليس للدرس، بل إلى شيء أعمق، إلى رسالة من الروح إلى الروح و إبتسمت بإستمتاع لما تسمع.

تقدم روانس خطوة إلى جانب مكتبه، وبدأ يسرد أمثلة عملية من حياتهم اليومية:

"تخيلوا، أيها الأخوة، طالبا في الصف معكم أو لا لا يهم، صادقا في كلامه صدقا جميلا، متواضعا مع زملائه لا يترفع عليهم أو يتكبر، يساعد من يحتاج، لا يسخر ولا يرفع صوته، ولا يتفاخر بما يعرفه… هل تتصورون مكانته عند الله؟ سيكون من الأقربين إليه يوم القيامة، لأنه لم يسع إلا للخير، ولم يجعل من نفسه حاجزا بين قلبه وبين الحق فعلم أنه لا فائدة لعلمه دون أخلاق ولا لشخصه دون تواضع"

رفع أحد الطلاب يده بحماس:

"أستاذ… وهل الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون حقا أبغض الناس إلى الله؟"

ابتسم روانس، وأجابه بصوت رزين:

"نعم، هؤلاء يكثرون الكلام بلا فائدة ولا هدف محبون له فقط، يسعون للظهور والتفاخر أمام الغير، ويعاملون الآخرين بغرور وتكبر لا يمد بصلة للإسلام، الإنسان الذي يرفع أنفه عن الآخرين وينسى الرحمة في قلبه، يبتعد قلبه عن الحق، ويبعده عن محبة الله، حتى لو كان عالما أو غنيا فلا فائدة لعلمه ولا لماله "

ساد القاعة صمت مطبق لدقائق، والطلاب ينصتون بعناية، بعضهم يكتب ملاحظات، البعض الآخر يرفع أعينهم نحو السماء، مستشعرين شعورا داخليا بالمسؤولية.

ميس همست لنفسها، وكأنها تخاطب قلبها:

"كم أحبك… ليس فقط لأنك زوجي أو حبيب القلب، بل لأنك المثال الحي للخلق الذي أحلم به يا مستقري"

وهالة، من جانبها، شعرت بدفء داخلي عميق، وكأن الكلمات تخاطب قلبها مباشرة، وتزرع فيه بذور الصلاح والتقوى.

عاد روانس إلى مكتبه، وجلس، وأخذ نفسا عميقا، ثم تابع:

"فلنحرص على أن يكون كلامنا دائما في موضعه، لا للظهور أو التفاخر أو حتى للغيبة و النميمة، بل للخير والفائدة، الصبر في الكلام، التواضع في السلوك، الرحمة في التعامل… كلها طريقنا الأقرب لرضا الله ومحبته ولرفعنا درجات يوم القيامة "

تقدم روانس ببطء، وابتسم قائلا:

"الأخلاق ليست مجرد كلمات على الورق أو أقوال نقولها، بل أفعال وسلوكيات نمارسها يوميا مع من حولنا  ومع أنفسنا، من الابتسامة الصادقة، إلى تقديم المساعدة، إلى قول الحق حتى لو كان صعبا أو ربما مؤذيا أحيانا… كل ذلك يقربنا من الله، ويجعل حياتنا أسمى من أن نعيشها لدنيا فانية"

ميس رفعت رأسها بخفة، وابتسامة خجولة تتسلل إلى وجهها، وقلبها يفيض بالفخر.

هالة أغلقت دفترها للحظة، وعيناها تتأملان الكلمات، تشعر براحة وسكينة عميقة، وكأنها فهمت معنى الأخلاق بطريقة تتجاوز مجرد الدرس النظري ولكن قلبها لوهلة نبض بشعور مفاجى جعلها تضع يدها على صدرها لوهلة.

تقدم أحد الطلاب وقال بحماس:

"أستاذ… هل يمكننا تطبيق هذا في حياتنا اليومية، مع أصدقائنا وعائلتنا؟"

أجاب روانس:

"بالطبع… كل يوم، كل موقف، هو فرصة لتطبيق ما تعلمناه، ابتسم لمن حولك، ساعد من يحتاج، كن صادقا، متواضعا، ومرنا مع الآخرين، بهذه الطريقة يكون كل يوم خطوة نحو القرب من الله و العيش لله"

الصف صمت لدقيقة، ثم بدأ الطلاب يتهامسون فيما بينهم، يخططون لتطبيق هذه القيم في حياتهم اليومية، بعضهم كتب على دفاتره: "الخلق قبل العلم…"

ميساء أغلقت دفترها، وضعت يدها على قلبها،هامسة لمن سمعها وهو يمر بجانبها:

"كم أنا محظوظة… لكونك زوجي وأستاذي معا، لكونك المثال الحي للأخلاق التي سأحاول الاقتداء بها دائما"

إبتسم روانس إبتسامة رضا و طمأنينة يكمل طريقه عائدا للمكتب.

أما هالة، فقد وقفت متأملة ، وقالت لنفسها:

"لقد شعرت بروح الحديث… وأن القرب من الله ليس في المال أو العلم فقط، بل في صفاء القلوب والأفعال."

روانس، وهو يغلق دفتره الأخير، رفع رأسه نحو نافذة الصف، يتأمل السماء، وكأنه يستمد قوة جديدة ليواصل دعمه لهؤلاء الطلاب ليكونوا سفراء للخلق الحسن في حياتهم اليومية.

وببطء، بدأ الطلاب ينهضون من مقاعدهم، بعضهم يهمس في أذن زميله عن الدرس، وبعضهم يخرج من الصف متأملا، وكأن الكلمات أثرت فيهم كالعادة وربما أكثر.

ميس نظرت إلى روانس مرة أخيرة قبل أن تغادر مع هالة، عيونها مليئة بالحب والفخر.

روانس جلس على مكتبه للحظة، يشعر بالرضا العميق، ثم همس:

"هذه هي قيمة العلم الحقيقي… أن يكون مرفقا بالخلق، وأن يكون سببا في قربنا من الله"

....................

كان سيف يخطو في زقاق موحش، خالٍ إلا من بيت قديم يلوح في الجانب، بيت يكتنفه الغموض، والرياح تعوي حول أركانه كما لو كانت تهمس بأسراره.

وكان هذا البيت مقصد سيف، فموكله أخبره أن زوجته كانت آخر من وطئت قدماها عتباته  على حسب أحد الشهود، قبل أن يعثر عليها مقتولة في أحد الأزقة القريبة، بجوار محل الزهور الذي تديره، مكان يشهد على عبور الخطر  و الخوف معا.

وبالرغم من الشك القوي الذي كان يساوره في جارهم المريب، والذي لا يغفل عنهم لحظة، فقد أراد سيف أن يلمّ بأدلة أكثر، أن يكتشف خيوطا خفية لا تراها العيون العادية.

لقد مضى على توليه القضية أسبوعان، وها هو لا يملك إلا بعض خيوط غامضة، غير مكتملة، كأوراق ممزقة تحمل نصف الحقيقة.

اليوم، استمسك بورقة الإذن بتفتيش البيت المهجور، أو هكذا ظن، فحين فتح الباب ودخل، صُدِم أي ما صدمة، البيت كان مقلوبا رأسا على عقب، أثاثه مبعثر كما لو أن عاصفة خفية اجتاحت المكان، والظلال ترقص على الجدران ببطء غامض.

تقدم سيف بحذر، عينيه تتفحص كل زاوية وكل ركن بحثا عن أدلة قد تنير طريقه، غير مدرك ما الذي يترقبه.

وما أن خطا خطوة واحدة قرب باب إحدى الغرف، حتى شعر بشيء حاد يخترق جانبه، نار الألم تجتاحه دفعة واحدة، ويطلق صرخة اختنقت في حنايا حنجرته، صرخة مزقت صمت البيت وكأنها استدعاء لشخص يساعده.

وفي تلك اللحظة، ظل الزقاق والبيت على حد سواء، يكتنفهما صمت ثقيل وصوت أنفاس سيف المتألمة و صوت أقدام أحدهم يركض خارج المكان تحت أنظار ذلك المتألم.

.

.

.

.

.

.

.

.

إنتهي الفصل

أعلم أعلم القفلة جميلة و هادئة لا داعي لشكري

🙂🙂🙂🙂🙂🙂🫣🫣🫣

🌚🌚🌚🌚🌚🌚🌚

أسفة أسفة لكن ماذا نفعل ولنقل أننا دخلنا مرحلة أخرى ولكنها مرحلة تقترب من النهاية 🔚

إذا آرائكم في الفصل و الأحداث

تحليلاتكم للقفلة وماذا سيحدث مع سيف.

اترككم مع صدمتكم.

احبكم رونسايون.

الى الملتقى.

لا تنسو الدعاء لأهلنا في غزو و السودان

"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة