السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب
.
.
.
.
.
.
.
.
"بين ثِقَل الذكريات وخفة الأمنيات، يولد القرار الذي قد يغير مجرى العمر."
.
.
ماذا تقول؟ بماذا ترد؟ لم تعلم…
تلاطمت أفكارها في رأسها كتلاطم الرياح بالأشجار. كانت تفكر وتفكر:
بماذا تجيب على هذا الطلب؟
وكيف توقف ذلك النبض في فؤادها الذي أبى أن يسعفها؟
اختلجت عيناها بمشاعر لم تعهدها، رفعت بصرها المرتعش نحو أخيها،
ولم تدرك الجملة التي ستنطق بها إلا وهي تنفلت من بين شفتيها بنبرة خافتة مرتعشة،
تخالطها رهبة:
"لكن أخي… أنت… أنت تعلم ما حدث قبل سنتين… أنا… أنا…"
توقفت الكلمات وهي ترتجف على طرف لسانها.
كان سيف، ومعه العائلة بأكملها، يراقبونها. كلهم يعلمون ما تصارع، ويعرفون حجم الوجع الذي يحيط بها الآن.
لكن… إلى متى ستظل سجينة الماضي؟
تكلم سيف محاولا ألا يزيد حالتها سوءا:
"ميس، ما حدث قد حدث… مرت سنتان، ويجب أن تعيشي حياتك"
رفعت عينيها المرتجفتين إليه، ترددت كلماتها بنبرة خافتة بالكاد سمعها:
"لكن…"
قاطعها سيف بخفة محسوبة،
بينما كان أسيد يربت على ظهرها محاولا تهدئتها:
"أنا لا أفرض عليك و أنت تعلمين وقد أتى الكثيرون من قبل… فقط فكري. وأنا أعاهدك أن روانس سيكون خير زوج لك، ولن تجدي مثله شريك حياة، ليس كغيره… صغيرتي"
صمتت وهي تنظر إلى وجهه،
ثم أدارت بصرها نحو والديها.
تكلم والدها بهدوء:
"لا تضغطي على نفسك… خذي وقتك في التفكير، يا دُرة أبيك"
وأردف أسيد وهو يربت على يدها:
"لا تقلقي… القرار قرارك، ولن يجبرك أحد… حسنا؟"
نظرت إليهم ميس بعينين تحملان امتنانا صامتا، ورجاءً خفيا أن يهدأ اضطراب قلبها.
ثم أومأت بخفة مجيبة:
"حسنا… سأفكر بالموضوع، وعندما أقرر سأخبركم، إن شاء الله"
نهضت بعدها بخفة من مكانها، قبّلت رأس والديها وأختها الصغيرة، وقالت بصوت مبحوح:
"أستأذنكم الآن… سأذهب للنوم، السلام عليكم "
خطت بخطوات واهنة نحو الدرج تحت أنظار عائلتها، ثم بدأت تصعد إلى غرفتها، علّها تجد هناك بعض الراحة…
.......
يقف في شرفة غرفته مرتديًا قميصًا خفيفًا وسروالًا رماديًا يماثله في اللون، شعره ما زال مبتلًا قليلًا من أثر استحمامه.
يراقب السماء الصافية التي يتوسطها القمر بصفائه الكامل، لا تشوبه شائبة.
كان غارقا في أفكاره، يتساءل: هل ستقبل؟
أم سيرتطم قلبه برفضها ؟
هل سترفق بفؤاده المحب فتقبله زوجا لها،
أم تحطم أمانيه بعائلة لا يراها إلا معها؟
لم يقطع شروده سوى رنين الهاتف.
استدار سريعا ودخل الغرفة متجها نحو هاتفه الملقى على الطاولة الجانبية بجوار الفراش.
لم تمض سوى ثوان حتى تسارعت نبضاته حين أبصر اسم "سيف" على الشاشة.
أمسك الهاتف بلهفة، وضعه على أذنه، فسمع صوت سيف يحييه بتحية الإسلام.
أجابه بنبرة امتزجت فيها اللهفة بالقلق:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... أخبرني، ماذا حدث؟"
جاءه صوت زفير سيف من الطرف الآخر،لا يعلم إن كان من هم أخته أو من غيرته عليها،
تبعه صوته الهادئ:
"لقد أخبرت العائلة، ولم يمانعوا... لكن..."
توقف قليلا.
قال روانس بلهفة تقاومها أنفاسه:
"لكن ماذا؟"
أجابه سيف بصوت خافت بالكاد يسمع لولا أن صديقه يرهف السمع:
"أختي... ميساء قالت إنها ستفكر في الموضوع، وحين تصل إلى قرار ستخبرنا"
خفق قلب روانس بعنف، وارتسمت على ملامحه مسحة من الترقب وهو يهمس:
"لا بأس... لا بأس... لها كل الوقت"
تكلم سيف بعد برهة من سكوته مردفا:
"روانس غدا هلا تكلمنا قليلا"
أجابه روانس مصرحا:
"طبعا لا مشكلة"
ثم أضاف بثبات يخفي خلفه بحرًا من الأمل:
"شكرًا لإخباري يا صديقي، نلتقي غدًا إن شاء الله"
لم يترك فرصة للرد، أنهى المكالمة وألقى بنفسه على الفراش، يسند وجهه بين كفيه.
لكن ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيه رغما عنه،
وهو يرفع بصره نحو ضوء القمر المتسلل من النافذة.
تمتم في خشوع:
"اللهم إن كان فيها الخير لي في ديني ودنياي فاقدرها لي، واجعلها قرة عيني.
أنت حسبي ونعم الوكيل"
وسكنت نفسه على أمل أن من توكل على الله فلن يخيبه الله أبدًا.
......
في صباح اليوم التالي في الشركة:
في الطابق العلوي من الشركة، كان أسيد يتفحص جدول الاجتماعات بينما يقف علي،
مساعده، بجانبه يحمل بعض الأوراق.
قال أسيد بصوت هادئ لكن جاد:
"علي، استدعِ الآنسة ليا من قسمها… أريد التحدث معها بخصوص المشروع"
أجابه علي بتردّد:
"ليا؟ المتدربة الجديدة؟"
أغلق أسيد الملف بين يديه وقال بثقة:
"نعم، أريد أن أرى ما يمكنها تقديمه. لا تستهن بأحد، فالله يفتح الأبواب أحيانًا بمن لا نتوقع"
ابتسم علي بإعجاب وهمس:
"صدقت"
ثم خرج لينفّذ الطلب.
بعد دقائق
طرقت ليا الباب بخفة، ثم دخلت وهي تلقي السلام تاركة الباب مفتوحا وراءها:
"السلام عليكم"
رد أسيد دون أن يرفع رأسه عن أوراقه:
"وعليكم السلام، تفضلي آنسة ليا"
اقتربت بخطوات واثقة تحمل دفترها.
عندها رفع أسيد عينيه وقال مباشرة:
"أريدك أن تقدمي مشروع الشراكة غدا أمام الإدارة"
تسمرت ليا في مكانها للحظة،
ثم تمتمت بنبرة مرتبكة بعض الشيئ رغم الدهشة:
"سيد أسيد، لم يمض أقل من خمسة أيام على عملي هنا… أليس من المبكر أن أكون واجهة العرض؟"
ابتسم أسيد ابتسامة صغيرة وقال:
"المبكر أن نختبرك بعد أشهر.
لكنك منذ أول يوم أثبت أنك مختلفة"
شعرت ليا بتردد داخلي، لكنها قالت بجدية:
"أنا لست خائفة من المسؤولية… إنما أخشى أن أسيء لصورة الفريق"
رد أسيد بثبات:
"توكلنا على الله يا آنسة ليا.
وأنا متأكد أنك ستؤدين الأمر كما يجب.
الفشل الحقيقي أن نضيع الفرص التي يهبها الله لنا"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، ثم أومأت قائلة:
"بإذن الله… سأفعلها، لكن بطريقتي"
قال أسيد وهو يعيد نظره إلى الأوراق:
"هذا واش بغيت بالضبط"
(هذا ما أردته بالضبط)
...........
في الجامعة:
كانت ميساء تسير رفقة هالة متجهتين نحو قاعة المحاضرات، وقلبها يخفق بشدة من التوتر.
فاليوم لديها محاضرة معه، مع من صرح عن مراده فيها.
ارتبكت وشحب وجهها قليلا وهي تسير بجانب هالة.
لاحظت صديقتها توترها وشحوبها،
فوضعت يدها على كتفها متسائلة:
"ميس، ما بك؟ تبدين شاحبة"
انتفضت ميساء عند سماعها، تحاول استرجاع أنفاسها، ثم نظرت إلى هالة قائلة:
"لا... لا شيء، موضوع سأخبرك به فيما بعد"
أومأت هالة رغم عدم اقتناعها وقالت:
"حسنا، لنذهب كي لا نتأخر"
أومأت ميساء وسارت معها، تهمس في نفسها:
"وهذا ما يؤرقني أساسا..."
وصلتا إلى القاعة وجلستا في مكانيهما، تنتظران وصول الأستاذ.
إحداهما تجلس وقد اعتراها الارتباك، تتخبط في مشاعر غير مفهومة... أو لعلها لا تريد الاعتراف بها.
أما الأخرى فكانت تنتظر ما ستتعلمه اليوم، بينما عقلها شارد في مكان آخر.
من جهة أخرى، كان روانس يسير شارد الذهن،
غارقا في أفكاره التي لم تكن تخصّ سوى إياها.
خطواته الثقيلة قادته صوب القاعة،وفكرة واحدة لا تفارقه:
"كيف ستنظر إليه؟"
وصل إلى باب القاعة، رفع يده ليفتحه،
لكنّها توقفت بتردد، وهو شعور يختبره للمرة الأولى منذ بداية مشواره التعليمي.
كان مغلوبًا على أمره، فمن تجلس خلف ذلك الباب، ورغم وجود جميع الطلاب، هي وحدها من سكنت ذلك القلب بعد ما يراه هو سنوات عجاف.
وأخيرا، بعد تردده، فتح الباب ودخل القاعة،
وما إن خطا حتى عمّ صمت في القاعة،
كأن قنبلة ستنفجر إن تكلم أحدهم.
رفعت ميساء نظرها إليه بوجه مرتبك،
وعينين تركوازيتين لامعتين لا تعرف كيف تخفي بريقهما.
وما إن وقعت عيناها عليه، حتى رأته ينظر إليها.
تلاقت أنظارهما في سكون القاعة، ولم تكد تمر ثوان حتى غض بصره مستغفرا ربه.
لكنه ابتسم بخفة، وقلبه خفق بشيء من الراحة،
فقد أسعده أن يرى تلك اللمعة في عينيها،
اللمعة التي أردته قتيلا.
سار بخطوات واثقة صوب مكتبه، يمرر أنظاره على الصفوف أمامه، ثم وضع أشيائه وحاسوبه على الطاولة متحدثا:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عساكم بخير"
أجاب الطلاب دفعة واحدة:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… الحمد لله يا أستاذ"
نظر إليهم بابتسامة خفيفة، ثم استدار إلى اللوح يكتب عنوان الدرس بخط جميل:
"فقه غضّ البصر وحفظ القلب"
ثم التفت إليهم بخفة وقال:
"إذن، هذا هو درسنا اليوم"
مرّر أنظاره على السكون الجميل الذي عم القاعة،
ثم أضاف مرددا:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30].
أما بعد، فغضّ البصر لا يقتصر فقط على منع النظر إلى ما حرّم الله، بل هو وسيلة لحفظ القلب من التعلّق بما لا يرضيه سبحانه"
نظر إليهم مجددا وسأل:
"هل فهمتم؟"
هزوا رؤوسهم بخفة، ثم رفع أحد الطلاب صوته من وسط الصف قائلا:
"لكن أستاذ، ما هي فوائد غض البصر؟"
ابتسم روانس بخفة وأردف مجيبا:
"أحسنت، سؤال جيد… أما عن فوائده فهي كالتالي:"
استدار صوب اللوح وبدأ بكتابتها:
. يطهر القلب من الوساوس والشهوات.
. يجلب نورًا في البصيرة وصفاءً في النفس.
. يحفظ الحياء ويقوّي العلاقة مع الله.
. يجعل الإنسان يعيش بطمأنينة بعيدا عن الاضطراب الداخلي.
ثم استدار إليهم وقال:
"وقد قال ابن القيم: النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، من تركها لله أورثه الله حلاوةً يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه."
ساد القاعة سكون عميق، ولم يقطعه سوى أصوات الأقلام وهي تدون ما يكتبه روانس على اللوح.
كان الطلاب ينصتون باهتمام،
تتناثر من بينهم همسات إعجاب بالدرس وعبارات استحسان خافتة
أما ميساء، فقد كانت تحدق في كلمات اللوح بعيون متألقة، وقلبها يخفق بخفة.
همست في نفسها:
"وكيف لا أُسكِنُ في قلبي كلام كهذا…
حديثه يطرق روحي طرقا، يذكرني بالله ويقربني منه أكثر.
سبحان من جعل نصيبه أن يكون مذكرا بالخير حتى في حضرة القلب المضطرب."
ابتسمت بخفة وهي تخفض بصرها، محاولة أن تخفي تلك المشاعر التي تسربت إليها دون استئذان،
بينما ما زال صدى كلماته يتردد في أعماقها.
---
جالس في الحديقة الخاصة بالجامعة، في مكان شبه خال، يفكر في حياته وحياة أخته.
سرح بعيدا، يستحضر في ذهنه تلك التي بعفويتها لم تفارق أفكاره.
كان يرى نفسه مخطئا في هذا التفكير، ورغم ذلك كان يعلم تمام العلم أن من زرع في قلبه هذه البذرة هو الله، وما كان ليزرعها عبثا، حاشاه سبحانه.
شرد في المكان، وإذا به يبصرها تتهادى أمامه رفقة أخته، متجهتين نحو الكافيتيريا القريبة.
راقبها وهي تنصت لأخته بكل اهتمام، وفي غفلة منه، خرجت منه همسة بصوت واهن:
"سبحان من صورها في أحسن صورة"
ولم يكد ينهي كلماته حتى باغته صوت صديقه وهو يجلس بجانبه قائلا:
"السلام عليكم… آسف على التأخر يا سيف"
التفت سيف إليه، صافح يده الممدودة وهو يرد بابتسامة هادئة:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… لا بأس، لم تتأخر كثيرا"
ابتسم روانس بخفة وأومأ له قائلا:
"إذن، ماذا كنت تريد أن تخبرني؟"
نظر له سيف نظرة طويلة وهو صامت، ثم صرح بما يريد قائلا:
"في الحقيقة… روانس، أنت صديقي، وأعرفك جيدا وأعرف أخلاقك.
وبعيدا عن غيرتي على أختي، فأنا أعلم أنها لن تجد أفضل منك زوجا… لكن لا أعلم قرارها بعد.
إضافة إلى ذلك، هناك ما يجب أن تعرفه"
نظر له روانس بابتسامة أخوية ثم قال:
"أعلم يا صديقي، وأنت تعلم مكانتك عندي… ما الذي تريدني أن أعلمه؟"
أطلق سيف زفرة طويلة ثم تكلم:
"انظر… ميس مرت قبل سنتين بتجربة لم تكن بالهينة عليها، وقد تسببت لها في نوبات هلع وكوابيس.
و لا أريد الدخول في التفاصيل، فهذا ليس من حقي، وهي ستخبرك بنفسها إن أرادت بعد الزواج، إن قدر الله وجمعكما…
لكن أردت أن تعرف ذلك فقط، حتى تكون لديك فكرة"
كان سيف يتحدث مطرقا رأسه، وعيناه تحملان شيئا من الحزن وهو يسترجع معاناة أخته،
غافلا عن صديقه الذي شحب وجهه، وكل ما يدور في ذهنه: ماض مؤلم… ونوبات هلع!
"يا إلهي.. "
تنفس بعمق محاولا طرد تلك الأفكار من رأسه، ثم أردف يخاطب صديقه:
"حسنا، من الجيد أنك أخبرتني… ليست لدي أي مشكلة. والله لأضعها في عيني وتاجا فوق رأسي، ولا يمسها سوء إن شاء الله… فقط، فقط لتوافق، ولا أطلب شيئا آخر"
ابتسم سيف وهو يضع كفه على كتف صاحبه قائلا:
"لا تقلق… ما دامت قالت إنها ستفكر، فالغالب أنها ستوافق"
ثم ضربه على رقبته بخفة مضيفا بنبرة مازحة يغلفها بعض الغيرة:
"لكن لا تفرح كثيرا… أختي غالية، ولا تظن أني سأتركها لك بسهولة.
سأبقى أراقبك خطوة بخطوة يا هذا"
ضحك روانس وهو يرد الضربة على كتف خليله قائلا:
"ولا أنا سهل… سآخذها عاجلا أم آجلا، حتى لو بقيت لي حارسا على بابها!"
ضحك الاثنان معا، وتحول ثقل الحديث السابق إلى جو أخوي دافئ، تخالطه غيرة صادقة من سيف ووفاء صادق من روانس
---
صباح اليوم التالي:
في الشركة كانت قاعة الإجتماعات غارقة في صمت ثقيل، والأنظار معلقة على شاشة العرض التي أصرت على التوقف عن العمل في اللحظة الحاسمة.
أحسّ أسيد بانقباض في صدره، فالمشروع الذي ينتظر عرضه أمام الإدارة العليا لم يكن يحتمل خطأ كهذا.
التفت إلى ليا بعينيه الجادتين وكأنه يطلب منها حلا عاجلا، لكن قبل أن ينطق بكلمة، تقدمت بخطوات واثقة نحو السبورة.
بدأت ترسم بيدها المخططات الأساسية للمشروع، توضح الأفكار بأسلوب بسيط وجذاب، تضيف ابتسامتها الصغيرة في كل نقطة لتخفف من التوتر.
لم يكن العرض ارتجالا عاديا؛ بل بدا وكأنها تستحضر المشروع من قلبها لا من الأوراق.
جلس أسيد يتابعها بصمت، يخفي دهشته خلف ملامحه، فيما في داخله شعور مختلف يتشكل:
إعجاب خفي بقدرتها على تحويل مأزق محرج إلى نجاح باهر.
وحين أنهت حديثها وسط تصفيق الحاضرين، اكتفى هو بعبارة قصيرة موجهة إليها:
"أحسنت… لم أتوقع أقل من هذا"
أما هي، فاكتفت بابتسامة هادئة، لكنها أحست أن تلك الكلمات القليلة من فمه أثقل من أي مديح مطول.
بعد انتهاء الاجتماع، خرجت ليا من القاعة تحمل ملفها الصغير، تتنفّس بارتياح وقد هدأ قلبها أخيرا.
كانت خطواتها متزنة، لكنها في داخلها لا تزال تسمع صدى تلك اللحظات على السبورة.
تبعها أسيد بخطوات ثابتة، يرافقه مساعده علي.
وقبل أن ينصرف الجميع، التفت إليها قائلا بنبرة عملية:
"عمل موفق… تابعي بنفس الجدية"
اكتفت هي بإيماءة صغيرة، وردت باحترام:
"جزاكم الله خيرا على ثقتكم"
ثم مضت مبتعدة نحو مكتبها.
ظل أسيد يراقبها للحظة وهو يشيح بصره سريعا، حافظا على جديته.
لكن في داخله، كان صوته الخفي يهمس:
"قوة حضورها لا تشبه قوة أحد… ما شاء الله."
أدار وجهه نحو علي ليقطع خواطره، وقال:
"رتب للاجتماع القادم… نحتاج أن نستثمر هذا النجاح سريعا"
أومأ علي بالإيجاب، بينما أخفى أسيد ما اعتمل في صدره، مستعيذا بالله من أن يطغى الإعجاب على وضوح رؤيته.
...........
بعد أسبوع:
كانت جالسة على سجادتها بعد أن فرغت من الصلاة، تفكر فيما ستفعله، وهل سيكون قرارها صائبا بعد كل ما عانته.
هل ستجد الراحة بعد كل ما مر عليها؟
وهل ستتخلص ممّا هي فيه؟
أم أنها ستزيد الأمر سوءا فقط؟
لكنها، بعد طول تفكير، حسمت أمرها واتخذت قرارها. لن تدع الوقت يطول أكثر.
همست بدعاء خافت:
"اللهم أعني على قراري"
ثم استقامت تطوي سجادتها وتعيدها إلى مكانها، قبل أن تتوجه خارج غرفتها قاصدة غرفة أخيها.
ما إن وصلت حتى رفعت يدها وطرقت الباب طرقا خفيفا.
مرت ثوان، وإذا بالباب يفتح ويطل من خلفه سيف بابتسامة حنونة:
"صغيرتي... هذه أنت"
ارتبكت ميساء قليلا وردت بصوت خافت:
"نعم... أريد محادثتك، هل تسمح لي بالدخول؟"
نظر إليها سيف للحظة، ثم ابتعد عن الباب ليفسح لها المجال.
دخلت بخطى وئيدة وجلست على سريره، بينما جلس هو على كرسي المكتب المقابل لها.
رفعت نظرها إليه وقالت بجدية:
"فيما يخص طلب الزواج..."
تنهدت قليلا ثم أضافت:
"أخبره أن يأتي مع أهله للرؤية الشرعية، وإن كان هناك نصيب فلا بأس"
ابتسم سيف وهو يرى أخته تخطو خطواتها الأولى نحو التغيير وقال:
"لقد اتخذت قرارا جيدا، صغيرتي"
أومأت بخفة، بينما أضاف هو بشيء من الفضول الممزوج بالمشاكسة:
"إذن، هل هناك مشاعر نحوه؟"
ارتبكت ميس وهي تنظر إليه، لا تدري بماذا تجيبه، لكنها تمتمت:
"لنقل إنه مجرد إعجاب حاليًا، أخي"
ثم نهضت من مكانها متجهة نحو الباب، وما إن وصلت إليه حتى التفتت قائلة:
"ولا تظن أني لم ألحظ نظراتك لهالة... لست غبية يا أخي"
وغادرت تغلق الباب خلفها، تاركة إياه في دهشة من كلماتها، بقلب قد اضطرب وجيبه.
جلس سيف على سريره ما يزال يفكر في كلمات أخته، حتى قطع رنين هاتفه شروده.
نظر إلى الشاشة، فإذا هو "روانس".
ابتسم سيف ابتسامة صغيرة قبل أن يجيب:
"وكأنك جئت في وقتك يا صديقي..."
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
"ها قد انتهى الفصل، وأرجو أن ينال إعجابكم.
لن أطيل الكلام…
هو أقصر من المعتاد، لكنه يحمل الكثير.
بانتظار آرائكم وتعليقاتكم التي تسعدني."
لا تنسوا إخواننا في غزة بدعواتكم
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira