الفصل الخامس

الفصل الخامس

15 0

.........

أولاً وقبل بداية الفصل:

سيتوقع بعضكم أنني سأقدم أعذاراً بخسة لتوقف روايتي، ولكي أتهرب من فعلتي. ولكن الحقيقة كانت في أنني أردت البدء في التخطيط الفعلي والموازنة في العالم والشخصيات، إلخ... فهذه الخطوة أهم من الكتابة الفعلية لأي رواية أو كتاب.

1

هنالك أسباب خارجية معتادة كالدراسة والمرض... ولكن هذا ليس خطأ في الوقت نفسه. فكل كاتب، حتى لو كان قد وصل لسمو مجده وعاشر الكلمات أكثر من أهله، قد يحتاج لوقت راحة نفسية لعدة أمور إيجابية ستتضح مع الوقت والموازنة بين حياته وهواياته.

وسأحاول أن أنزل فصلاً في أقرب الأوقات، فقد بدأت بمشروع ولدي مسؤولية لإكماله. وحتى لو لم تكن مثالية أو "جميلة"، فهذه طوبة الأولى لبدء رواية أخرى أكثر تنظيماً وحسناً وجمالاً.

وشكراً لكل من دعمني وقرأ من سطور كتابتي.

ولنكمل في فصلنا بالآتي:

.........

غفى أحدهم بين أحضان الغيوم والسحاب، في فراش مصنوع من ريش لتأخذه خيوط الأحلام إلى عالم يتناسى فيه مجازر الدنيا.

والمسكين لم تستجب رغبته، فالكوابيس تلاحقه. وجد نفسه في فراغ لا نهائي، مكان خاوٍ لا يملؤه إلا هو ونفسه. وقد قرص جبينه لعله حلم بغيض، ويبحث في الأرجاء: تارةً يحملق بعينيه، وتارةً أخرى يمشي بقدميه لعله يصادف مخرجاً.

وفجأةً، ظلام دامس توغل في المكان، وتوقف الآخر ليفهم ما حل. ولحسن حظه، بقي فتات شعاع يطوف حوله كأضواء مسرح راقصة. وبعد برهة، لمح شخصاً... لا، بل أمعن النظر ليجد طفلاً هيئته غريبة: مطمس الوجه، ممسكاً بسكين صدئ ملطخ بدماء، جسم مشوه هزيل بندوب حديثة العهد، مع ملابس مغبرة مقطوعة وبالية المظهر. يحمل رأس امرأة مطرزة الوجه بخيوط من قماش وآثار جراح عميقة تبدو لسكاكين، مع حبات زجاج ملتصقة في عيونها، ويحملها من شعرها ورأسها في اتجاه الأرض. وطريقة تنفسه وكأنه قد خاض سباق جري لألف الكيلومترات.

وبصوت قد دوى في المكان، يصم الأذان كتلاحم الحديد في معمل، ولكن بنكهة بشرية مزعجة، قال:

- لما.... تركتني...؟

ملامح استغراب من ذاك الذي لا يكاد يصدق ما قاله. ولم تمر برهة حتى بدأ الطفل بمهاجمته بخفة، وسكين بيد محكمة الإغلاق وكريشة حادة، يترامى في الأرجاء مباغتاً له. رغم أن سكينه غير مبرود، إلا أن إصابات كانت جسيمة في ظهر وصدر، وقد حالفه الحظ لتفادى معظمها.

1

ولاحظ شدة وهنه أمام طفل! وظلام دامس لا يساعد البتة. حتى أمسك من رقبته وسقط أرضاً، وطفل فوقه، رأسه في الأسفل، ولشعر طويل أسود ملحوظ للعين، وسكين في اليد اليمنى مصوباً بها نحو الأعلى، قائلاً بنفس نبرة الصوت المزعجة التي زرعت الخوف في من أمسكه:

-لما؟... لما قد ترغد في نعيم... بينما أنا أصارع شياطين الإنس... وحدي!!!

أذن الآخر قد ذرفت دماءً من طبلة أذنه، وقال بصوت جهوري طالباً مهلة ليستعيد رباط جأشه مما يحدث. فما مر لم يستغرق لحظات معدودات:

- أبعد تلك الأيدي الملطخة بدماء عني، أيها القاتل! ولا أعرف أمثالك.

1

صمت مطبق على المكان، وصدى صوت إجابة الآخر ما زال يترامى في المكان، ولم تسمع سوى بضع كلمات معدودات، بصوت هش كحبات الثلج:

· إذا... كل ما قمت به... ذهب هباء؟

استغراب على محياه، وبغرابة عجيبة فك أسر عنقه. وقبل أن يسأل ما به ليفهم كلمة مما قال، استقبلته طعنة في فؤاده. وبعدها استيقاظ من الفراش بفزع، وحبات العرق ملتصقة به، مذعوراً مرتجفاً، كيانه قد تزعزع من مجرد رؤيا مفرغة. أمسك بعنقه بتلمسه وتهدئة روعه، ومشى بخطوات خجولة لإعداد شاي أخضر مهدئ.

يتذكر كل كلمة مما قيل، وكأنه قد أحس بحنين ونفور من كلماته، ولم تأته هفوة نوم.

.....

مراطون لأحد الخدم في الممرات الشاسعة والمعقدة الاتجاهات، بصور كل أفراد العائلة وكأنها تتربص به بتلك الوجوه المتجهمة الخالية من أي حياة. والعرق قد تصبب من على جبينه، بأوراق تتطاير من على يده، وبعض الخصلات المتمردة من على شعره. ووصوله أخيراً وكأنه ارتاح من جزء من عذابه، فتح الباب بقوة وهو يلهث ويلعن نفسه (اللعن مكروه دينياً وأخلاقياً، ولا أروج له على أنه شيء عادي) لتأخره خمس ثوانٍ فقط على أحدهم.

وهو الذي يجلس في مكتب واسع بأثاث قديم الطراز، وملابس داكنة اللون راقية المظهر، ويبدو من ابن عائلة ثرية، وظهره في جهة الخادم بكرسي مطرز من أفخم الأقمشة. وبصعوبة ما زال يتنفس، ونصف رأس ذاك قد استدار وقال بابتسامة خفيفة وعيون مغلقة:

- تؤ، تؤ، تؤ! ألم يتعلم خدمي الأوفياء الآداب الأرستقراطية؟

وما إن سمع تلك الكلمات حتى انحنى بأدب مبالغ، ووضع الأوراق دون أن يجرؤ على رفع عينيه، والقشعريرة تسري في عروقه غريزياً.

هدأه الثاني بابتسامة، ورفع يديه وحركها في الأمام والخلف دليلاً على عدم فعل شيء له، وتلك اعوجاجة في فمه كالهلال ما زالت محفورة على معالم وجهه، وتكلم بفكاهة غير معهودة:

- على رسلك... فأنا لست مجنوناً لمعاقبتك فقط لأنك قد تأخرت خمس ثوانٍ وثلاثمئة وسبعة وخمسين جزءاً من ثانية وثلاثة ميكروثانية.

لم يهدأ قلب الثاني، ولا يعلم لماذا أحس بالانقباض في صدره، وظن الخادم أنه مريض وحسب، كأكثر فكرة منطقية، لأنه لم يجد في سيده سوءاً يذكر.

فأمره الآخر بالانصراف ليستريح من إجهاده، وأقبل على المستندات وكأنه يأكل مقبلات خفيفة. وعندما أكمل الفحص لم يقل سوى كلمة واحدة متناقضة تماماً على ما قرأه:

- جميل.

.....

احتجاج آخر أمام جامعات الأرستقراطيين المرموقة، بدعوة حق اللاجئين للتعليم وحرية التصويت. وشارك فيها ألف من الحشد، فتجهزت قوات العامة مسلحة في جانب المظاهرة لتجنب خطوط إرهابية قد تستغل عدد السكان وتتملص بينهم.

وكان من شارك ليحمي اللاجئين، كما يزعم، إليانور، والهالات سوداء في عينيه، فقد سهر على ملفات جرائم الأحياء الشعبية التي لا يستلمها سواه.

ولاحظ نظرات الازدراء من نبلاء بينما يرحلون بأفخم سيارات لهم. وكان أحد زملاء العمل يتنهد بنعاس، فقد جالس إليانور في ليلته، وقال بنزعاج وكأنه لا يعي ما يقول:

- لما لا يعودون لأوطانهم ويرحموننا؟... أريد فقط معانقة بطانيتي وسريري.

سمعته إحدى النساء، وهي تمسك لافتة بيدها ومارة من جانبهم، فنظرت له بكل حقد وقالت وهي ستخرمه بأظافرها:

- لو كانت لنا الفرصة لخرجنا من هذه البقعة القذرة، يا من لا تملك إنسانية في قلبك!

فأدرك الآخر ما قاله، ولكنه لم يأخذ الأمر بجدية، وسخر منها عن غير قصد:

- فليعودوا لوطنهم، هذا لا يهمني! الأمر فسريري أهم.

كانت ستشوه وجهه، ولكن إليانور قد أبعدهما، ونظر للمرأة وقال بلغة رسمية مهذبة، لعله يطفئ غليلها عليهم، لأنه تعب من المشاكل غير المرغوب فيها:

- أعتذر يا سيدتي نيابة عنه، فلديه حس دعابة سيء.

استدارت للآخر الذي بدا عكس الآخر، وقد وجدت فرصة الخروج من مشكلتها التي قد أوقعت نفسها بها وبكرامتها، فقبلت اعتذاره وغادرت. وقد نظر له وقال بحزن مصطنع:

- من أجل امرأة، قد ضحيت بزميلك في العمل ولمته.

لم يجب الآخر لا بابتسامة ولا سره كلامه، نظر له بتعبير صارم ليسكته. وبعد مدة قال:

- ألا تفهم أن أوطانهم قد خاضت حروباً مهلكة، ولكن المدينة لم تعد تتحمل زيادة عددهم؟

1

ونظر الآخر له، وقال وكأنه قد أمسك طرف لسان إليانور:

- إذا أنت تتفق مع...

لم يكمل الآخر كلامه حتى قال بصرامة أشد ولغة لا تحتمل المناقشة:

- ولكن هذا لا يعني أن نعايرهم! فلو وجدوا في مكان يستظلون فيه لما أتوا.

تنهد الآخر وقد شك بإليانور، وسأله باستغراب:

- لما تدافع عنهم باستماتة؟ هل أنت منهم؟

1

أدار الآخر له ببطء وملامح غريبة، وكأنه قد انصدم من هذا الاتهام، وأجاب:

- لا، أنا ابن هذه المدينة من والدين معروفين، ولست مثلهم.

تعطل دماغ الآخر، لم يعلم في أي جانب هو: هل يساند اللاجئين أم يمقتهم؟ فاكتفى بصمت وقال له بعد مدة:

- فلنكمل عملنا ولنعد للمخفر.

.....

- أرجوكم! طبيب!... طبيب ينقذ أبي!

كلمات طفل في مستشفى حكومي متهالك تستنجد بمد يد العون لوالده، ولكن ما من مجيب. دموع تذرف هباءً من أجل أخذ عطف محسن، وهو يحمل عكاز والده حافي القدمين، ويحمل نصف جسده على ظهره، ويدور على جميع الغرف كحلقة مفرغة، ولكن ما من مجيب.

2

حتى خرج أحدهم، وقال باستخفاء يتفحص الاثنين، فلا شيء سيستفيد من مساعدتهما، وقال للطفل:

- ألديك تكاليف العلاج؟...أعني المال

وملامح تساؤل واستغراب منه، فمكتوب بالخط العريض في باب المشفى "مستشفى حكومي"، مما يعني أنه مجاني، وقال بقلة حيلة:

- ليس لدي يا عمي... لكن أرجوك ساعده.

علم أنهم مجرد شزر من المتسولين المزعجين، هو يحملق بعينيه ويسحب دخان سيجارة كالمكنسة، وقال له:

(التدخين مكروه صحياً، محرم دينياً، غير محبب اجتماعياً)

- لقد عاش والدك ما يكفي، فلتجهزوا له كفناً.

1

أي حق لله تقول هذا لطفل؟ وأدار مقلتيه لترتكز على عيون والده، كرسالة له بقلة حيلة وشفقة على حالهما. تبادلا نظرات، وكان الأب هزيل الجسم بأسنان مسوسة، والمرض يأكله كالمقبلات، ولم يقل سوى:

1

- من أنت؟ وكم الساعة الآن؟... أحتاج للتجهيز لعملي.

انفجر الآخر ساعتها ببكاء يصم الآذان، لأن زهايمر والده بدأ يتفاقم للأسوأ. وغِلٌ وحقد دفينان في قلب طفل لم يكمل تاسعة، تذكر سنوات التي كان والده جندياً في الحرب: ترك عائلته ومضجعه ووقته!! ليدافع من أجل أرض بخيسة كهذه، لم تتحمل حتى تكاليف علاجه.

وطردا الاثنان كالجرذان، فلم يكن لصغير سوى مساندة أبيه ليعودا أدراجهما. وما زال يجهش بالبكاء، يحاول كتمه. أما الأب فقد مسح دمعته وقال بصوت مبحوح:

1

- لا تبكي، فأنت تذكرني بطفلي.

واستدارا بظهريهما للمستشفى، ولكن...

طلقة من زناد مسدس اتجهت صوبهما.

وبعدها...

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الآمال الزائفة

المؤلف ✿꧁𝕬𝖑𝖎𝖘𝖘𝖎𝖆 𝕬𝖒𝖔𝖗𝖊𝖙𝖙𝖊
2025/10/15 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة