الفصل الأول

الفصل الأول

26 0

صرخات تدوي بين حيطان إحدى قاعات رثة، أجسام هزيلة كالجثث تحمل سكاكين صدئة، تحاول اصطياد أرواح غيرها من أجل رغيف خبز واحد ورشفة ماء.

دماء موزعة بفوضوية، البعض قد أصابهم الجنون ورغبة دموية للقتل، والبعض أراد أن ينحر من معه ليعيش، ومهما تعددت الأسباب فالهدف واحد.

هل يعقل لإنسان أكرم بالعقل والمعرفة والأخلاق السامية أن يصبح أكثر انحطاطاً من حيوانات الشوارع؟

وخلف الحائط الزجاجي، ابتسامة خفيفة تعتلي شفتيه، بدلة بلون الأزرق الملكي مرتبة بلا شوائب، عينان ضيقتان وحواجب مستقيمة وشعر مصفف للوراء، يشاهد ولا يعلق على هذه المجزرة الواقعة.

2

حتى تقدم إليه أحد العمال، متردداً في طرح سؤاله، تشجّع ووقف منتصباً وقال:

– سيدي... لماذا نقوم بهذه التجربة... أعني ليس لها فائدة... بل أقصد...

قاطعه الآخر دون الالتفات إليه حتى، وعيناه مشدودتان على المنظر، وقال بنبرة رسمية مع تلحين خفيف:

– ألا ترى بنفسك مدى حقارة النفس البشرية... إنها أشبه بمعزوفة توضح لك همجيتنا.

1

وعلا الآخر صوته بخوف أمام هذه العقلية المريضة التي لم يستطع تقبلها:

– بل هذه مذبحة!!!... فلتعطهم شيئاً يسد جوعهم وينتهي الأمر!

1

لم يجب من تلقى هذه الكلمات، وطقطقة واحدة من أصبعه استدعت عملاقين بشريين لسحبه، وهو يصرخ طالباً الغفران، بينما تلك الابتسامة المشمئزة محفورة على محياه وكأنها ولدت معه، وقال بلا مواربة:

2

– جاهل آخر سيسجن بسبب حروف نطق بها... آه من مازال يظن أن حرية التعبير متاحة.

1

.

.

.

.

ونرى الرجل يحمل صحيفة بذراعه، متزن المشية، بين أحضان الليل وجمال القمر المضيء.

يحلق في الناس بشكل غريب، يدقق في كل حركة وكأنه سيكتشف لغزاً، وقد كانت هذه العادة الغريبة معه منذ أن تجاوز عقداً من عمره.

وفي غفلة منه، وهو يفكر في مالا يجول في عقول العديد، صادف أحد المقاهي ثم لمح روحاً عزيزة على قلبه، فابتسم بتلقائية وتوجه لطاولته.

ولم يكمل جلوسه حتى طلب الآخر كوب قهوة سوداء وشاي أخضر من النادل، ثم استدار وابتسم ليقول بمزاحه الذي لطالما خلق جواً من الألفة لكليهما:

– ألا ترى نفسك في الشارع... لو لم أكن أعرفك لتوهمت أنك أحد المكتئبين الذين أصيبوا بلعنة الوعي.

ضحك الآخر لينشرح قلبه لمن يجالسه وأجاب:

– وأنت أيضاً، طفل مدلل لا يكمل يومه إلا وكسب معرفة أحد.

وقال الآخر بنزعاج وحزن مصطنع:

– أنا لست مدللاً، بل أنت العجوز، تقرأ الجرائد في هذا الوقت يا إليانور... واكتسابي للمعارف سيكون ذا نفع مستقبلي.

1

لم يجب الثاني، ليعلم فادريان أن هناك سبباً جدياً أو أنه شرد كعادته، فتبدلت معالم وجهه مستعداً لتلقي كلامه.

كان إليانور يحرك تروس دماغه، ولاحظ تغير صديقه وسرعة بديهته، فأفصح بقوله مازحاً:

– يبدو أن تصرفاتي أصبحت متوقعة لديك، يا لك من نبيه... وليست قضية ولا تحقيق... بل هي مسألة شخصية، قليلاً ما أشك أنها مهمة...

1

لم يتلفظ بآخر حرف له حتى نطق الآخر:

– أتعني اختفاء أصحاب الطبقات الدنيا بشكل مريب؟ لقد أحسست به أيضاً... لكن المكان غير مناسب لخوض هذه الأحاديث.

أومأ إليانور، ووصلت طلبيتهما.

ومع احتسائه لشاي وقراءته لسطور الجريدة، وحطت عينه على جملة من الجمل، حتى بصق كل ما ارتشفه ونطق بصدمة:

– أتتذكر رئيس الوزراء الساقط الذي انتخب لثلاث مرات وفشل... لقد ترأس الحكم.

2

ملامح الاستغراب تعتلي وجه فادريان:

– أجل، لي علم بذلك، أنه حديث المدينة، هل أصبحت أصم؟... كنت أول من تعود لي بالأخبار، ولماذا ملامح وجهك كأنك رأيت الموت بعينيه؟

1

هدأ إليانور من روعه وأجاب:

– لا، لا شيء... فقط شعور سيء ينتابني ولا أعلم مصدره.

ربت فادريان على كتفه وقال:

– كان إحساس الهم والكرب يطاردك منذ الخامسة... ومع ذلك أنا معك، ليس كصديق بل كأخ.

لم يكن سوى ممتن لهذه النعمة، الصديق الذي التقى به ولم يضمر له سوءاً أو يشعره بالغرابة، وقال بصدق نادر:

1

– حسناً أيها الأخ، لنكمل عملنا في المكتب... الأوراق مكدسة ولم يرتح بالي حتى نزيحها من جانبنا.

نظر لإليانور بوجه بشوش وابتسامة وتلفظ بالتالي:

– هذا هو إليانور الذي أعرفه... ولكن أنت من ستنجزها.

.

.

.

.

وفي إحدى الغرف المعزولة بمكان مجهول، يمسح أحدهم سيفه من بقايا دماء، ثم جلست على أقرب جثة مقتولة وكأنها مجرد أثاث للراحة.

طعنات وطلقات رصاص مختلفة، آثار مروعة، ولكن لا خدوش عليها، ملطخة فقط بدماء من اقتلعت رؤوسهم، وكأنها آلة حصاد بشرية.

أمسكت بجمجمة أحدهم من أطراف شعره، وأخرجت ورقة لترى معالم وجهه وتقارنها مع صورة، وما إن انتهت حتى رمتها وكأنه شيء روتيني.

نهضت وتوجهت للشرفة.

ترمق بشكل عابر شكل ولون تلك الكرة البهيجة في أعالي السماء، التي لا تتناسب مع الأعمال الإجرامية للقابعين في أراضيها.

لا أكاد أستطيع وصف شكلها، لا تظهر سوى لمحة طفيفة لعين سوداء خالية من أي علامات حياتية.

وبعد أن أطلت لثوانٍ، أخذت خطوات للذهاب، مع أن صوت طقطقة حذائها لا يكاد يُسمع كالشبح، إلا أن البصمات واضحة على كل قتيل من كثر بشاعة تصفية تلك الأرواح.

1

٠

٠

٠

٠

"اهرب، أنج نفسك من هذه الدوامة، بقلبك وعقلك لا تستسلم، فحمل راية بيضاء مع كسر الكبرياء ليس إلا للضعفاء".

1

كلمات قائلها جنرال من الجنرالات الذي ترك بصمته حتى بعد أن صعدت روحه وخُلّد تاريخه، حفرت في قلوب الجميع ممن يعزمون على تغيير هذه العيشة.

صورته في المتاحف العريقة، وكلمته نقشت فوقها.

1

عرف بتسامي أخلاقه ونبله، رجل قد أوقد أول شرارة لتحرّد مكافحة شرٍ عُرف بسم "برافدا أوكيولتا" أو "بروداتا" كاختصار.

دعنا من هذا الشرح المطول فهو يبدو مملاً، فلننتقل لما هو أفضل.

.

.

.

.

1

تهرب إحدى النسوة بطفلها الرضيع حافية القدمين، هزيلة الجسم، صدرها يصعد ويهبط، ملابس بالية حالة يُرثى لها، تغطي طفلها بشبه لحاف ممزق.

ما الذي أوصلها لهذه الحالة؟

يتبعها شخصان بسكين وعصا خشبية مشبعة بالمسامير.

لم تكن تملك الطاقة حتى للجري، وتعثرت لخمس أو ست مرات، لحسن الحظ أنهما سكرانان.

وجدت زقاقاً خالياً، وبلا تفكير وضعت كبدة من روحها على أحد الأبواب متمنية له أن يعيش، وفرّت لتسلك المنعطف المعاكس وأن تموت هي.

كان لها بصيص أمل، متمسكة به كخيط رفيع، ولكن ماذا عساها أن تفعل؟ فرصها ضيقة لاتخاذ قرار ملائم والوقت لا يسعفها.

ومع اقترابهما، ومحاولة يائسة للهرب رغم أنها تعلم جيداً بنهايتها.

وفجأة، لم تعد تشعر بخطوات أحد، خافت أن تتوقف أو تنظر خلفها حتى، ولكنها ترددت أن تجري كالمجنونة وتبتعد عن زهرة حياتها.

وما إن توقفت واستدارت ببطء،

2

حتى تجد.....

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الآمال الزائفة

المؤلف ✿꧁𝕬𝖑𝖎𝖘𝖘𝖎𝖆 𝕬𝖒𝖔𝖗𝖊𝖙𝖙𝖊
2025/10/15 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة