وأَرَى الحَياة بِدُون وَصلك مُرّةً
وأرى جُروحي ما لهنّ طبيبُ!
مقتبس...
________________________
_أسكندريه !!! أسكندريه أزاي و أنتِ متعرفيش حد فيها؟!
ابتلعت ريقها تحاول الأبتعاد عنه قائلةً بمراوغه:
_ هحكيلك كل حاجه، بس الأول لازم تاكل عشان تاخد الدوا.. أنت تعبان ووو
أعادها كما كانت قائلًا بحده طفيفه وهو يتمسك بها:
_ مش هتتحركي سم واحد غير لما تحكيلي كل حاجه، بعدها بس مش هسمحلك برضوا تتحركي من جوه حضني، عشان وحشتيني أوي بصراحه..
انهى حديثه وهو يلثم وجنتها بحب، لتشعر هي بالخجل الشديد تخبيء وجهها بكتفه.. ليعلق هو قائلًا بخبث يهمس لها...
_" توردك وجنتاكٍ خجلًا، إذًا أحسنت أنا غزلًا.. وفعلًا ".
ضحكت برفق وداخلها يرقص فرحًا من سماعها لصوته وحديثه الذي اشتاقته، لتتنهد بعدها قائلةً بصدق:
_ كنت خايفه أوي تكون تعبت مني يومها وتطلقني فعلاً، أنا هربت وجريت من المكتب و أنا خايفه تأكد كلامه.. بالذات بعد اللي عملته معاك في العربيه قبلها..
أخفضت رأسها تتابع قائلةً بحرج:
_ أنا آسفه بجد عشان زقيتك وجرحتك وقتها... بس والله ما كنت أقصد ووو
قاطعها واضعًا اصبعه على فمها قائلًا بتفهم ورفق:
_ هششش، أنتِ مش محتاجه تعتذري يا سكن، أنا متفهم اللي حصل وقتها وانك كنتي منهاره وده حقك بعد موقف المحل اللي حرق دمي وقهرني انا شخصيًا..
ضمها برفق وهو يتابع قائلًا بوله..
_المهم دلوقتي أنك معايا، خلينا ننسى كل اللي حصل.. كفايه بالنسبالي أنك بخير ومعايا... أحكي يا حلوه يلا اللي حصل...
_ طب أبعد كدا وأنا هحكي..
قالتها وهي تحاول دفعه برفق، ليرفض هو قائلًا بمكر:
_ لا يا حلوه، ممنوع تبعدي عني تاني هتحكي وأنتِ جوه حضني.. يلا..
" يا مرك يا سكن، هتعملي ايه لما يعرف أنك لازم تمشي تاني وتسبيه؟! "
نبست بها لنفسها بحصره، لتستسلم بعدها تسند رأسها على صدره تقص له كل ما حدث، بدايةً من خروجها من شركته حتى مكالمة ساره لها وأخبارها بكل شيء لتضيف قائلةً بلهفه حتى لا يغضب منها:
_ بس والله كنت عايزة أرجع وقتها، أصلاً من تاني يوم وأنا قررت أني أرجع بس خالتو جميله و مريم منعوني عشان حالتي وقتها كانت صعبه.. أنا كنت محتاجه اتعالج واتخلص من الماضي ورتب دماغي عشان أعرف اكمل حياتي، متزعلش مني لو كنت أنانيه في اللي عملته يا معين..
كان يستمع لها بمشاعر متضاربه.. ما بين سعادة كونها بخير و تتلقى العلاج ومن بين حزنٍ كونها كانت تواجه كل ذلك بمفردها.. لذلك نبس قائلًا بعتاب وهو يبعدها قليلًا عنه ليواجه مقلتيها بأعينه:
_ بس أنتِ كنتي فعلاً أنانيه، ليه قررتي تمشي الطريق لوحدك؟ أنا من حقي أكون معاكي وقتها وقف جنبك.. هو انا فايدتي ايه في حياتك عشان تواجهي كل ده وأنا مش معاكي فيه..
امسكت يده تشرح له بهدوء قائلةً:
_ كفايه عليك اللي أنت فيه، أنت شايل هم كل اللي حوليك وأنا كنت لازم اواجه كل ده لوحدي..
_ بس أنتِ مراتـي، يعني غيرهم كلهم وواجب عليا ادعمك وأخفف عنك..
ردت عليه تلك المره بمزاحٍ قائلةً:
_ متخفش، لسه فترة علاجي ما انتهت يعني ممكن تعوض عادي..
زفر بضيق قائلًا بعتاب:
_ سكـن..
_ معين خلاص بقى، عشان خاطري ريح نفسك شويه ومتشلش فوق طاقتك، وبعدين يلا عشان تاكل وترتاح.. كفايه كلام نكمل بعدين..
تنهد بأستسلام لشعوره حقًا بالجوع، وكأن عوتها أعادت له شهيته، تحرك من فوق الفراش لتقبض هي على قميصه تعيده جالسًا كما كان بعدما تفحصت هيئته المشعثه وقميصه المفتوح اول ازراره...
نظر لها بذهول من فعلتها، لينصت إليها وهي تقول بتنبيه:
_ ظبط هدومك عشان مريم صحبتي بره ومينفعش تخرج كدا..
ضحك برفق ليقف أمامها ينحني قليلًا ناظرًا لمقلتيها بشغف قائلًا بمكر:
_ هو الحلو بيغـير ولا ايه؟
أتسعت ابتسامتها قائلةً بأندفاع وتهكم:
_ كان ممكن اغير فعلاً لو اللي برا دي حد تاني مش مريم، دي تطيق العمى ولا الرجاله..
تحركت تمر من جواره قائلةً:
_ هروح أشوفها لحد ما تخلص...
نظر إلى شعرها الطويل الذي تحرر بفعل يده لينبس قائلًا بغزلٍ استمعت هي له:
_"سبحان من زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب ".
_يعني ايه ذوائب؟
نطقت بها بجهلٍ، ليقترب هو منها يمسك بخصلات شعرها بين يديه قائلًا بشقاوة:
_ يعني خصلات شعرك يا حلوه، سحرتيني للمره التانيه من ساعة ما شفتهم ، وكأني كنت ناقص.. مش كفايه عليا عيونك!!
اخفضت وجهها بخجلٍ من حديثه، لتبتعد عنه بسرعه تهرب منه إلى الخارج..
______________________________
هبط من الأعلى بعدما تجهز للذهاب إلى العمل، وجد زوجته تضع الطعام على الطاوله بمفردها.. لاحظ هيئتها الضعيفه وملامحها المرهقه، ليتقدم منها قائلًا بتسأل بعدما وقف بجوارها:
_ فين الست اللي بتساعدك؟ واقفه لوحدك بتعملي الأكل ده كله ليه يا نور؟!
تابعت رص الأطباق قائلةً بفتور:
_ عمتك ادتها أجازة من أسبوعين، وعمو طلب مني أكون المسئوله عن كل حاجه وأهتم بيهم طول ما هما في البيت..
تهجمت ملامحه مستنكرًا ما يحدث، في كيف لزوجته ان تستطيع الأهتمام بهم وبالمنزل ونظافته وكذلك أبنـته!!
سحب منها ما بيدها واضعًا اياه على السفره، للتذمر قائلةً:
_ بتعمل ايه يا عمار؟ انا عايزة اخلص قبل ما ينزلوا وهمس تصحى..
_ نـور أنتِ هنا ست البيت، يعني أنتِ بس اللي من حقك تدي الست أجازة أو لا... ومن هنا ورايح أنتِ مش مسئوله غير عن بنتك وبس.. اللي عايز حاجه يخدم نفسه..
جهر بها بحده وهو ينظر لها، ليأتي صوت والده من خلفه قائلًا بضعف:
_ لو أنا متقل عليك أوي كدا أنت ومراتك، فتقدر تقولي وهمشي دلوقتي يا أبني..
التفت سريعًا يقترب من والده ممسكًا بكفه ملثمًا اياها قائلًا بحنو:
_ده انا اخدمك بعيوني والله يا بابا وأنت عارف كدا كويس، بس بالله عليك يرضيك اللي بيحصل ده، اللي حصل زمان بيتكرر، بيعاملوا مراتي على أنها خدامه وشغل البيت وهمس كله على دماغها، وهما بيتصرفوا كأنهم قاعدين في فندق.. نور يتيمه يا بابا وملهاش حد غيرنا وبعتبرك والدها وبتحبك والله.. أكيد مترضاش لبنتك تعيش في كل الضغط ده؟..
أستمع له وهو ينظر لزوجته والتي بهتت وأصبحت ضعيفه منذ قدوم شقيقته وأبنتها، يعلم بالضغط الذي يعيش به الأثنان منذ حادثة زوجة معين وكيف أصبحت علاقتهم متوتره....
نهر نفسه وذاته على أنصاته لحديث "يسرا" وتغيره مع زوجة أبنه، التي كانت تعامله برفق ولم تقصر بحقه يومًا.. أقترب منها ثم لثم جبينها قائلًا بندم:
_ حقك عليا يا بنتي، متزعليش مني لو جيت عليكي الفتره اللي فاتت، أوعدك ان كل ده هيتغير..
اسرعت قائلةً بذوق و هدوء:
_ متقولش كدا يا بابا، انا مش زعلانه منك وفاهمه كويس أنك بتحاول تراضي أختك وتجمع شمل العيله حوليك..
تنهد بيأس قائلًا بتقبل:
_ بس شكله كدا مش هيتلم ولا ينفع طول ما اللي جواهم مش هيتغير..
نظر إلى "عمار" قائلًا بتصميم:
_ روحوا الفترة دي واقعدو في شقة اهل نور يا عمار، ده انسب حل.. انتوا محتاجين كدا وهما مش هينفع نطردهم من هنا، هتبقى عيبه في حقنا..
_ بس يا بابا مش هينفع وو
رفض عمار الفكره، ليصر والده على ذلك، لكونه يعلم ان هذا افضل حل بالنسبة لراحة صغيره وابنته..
________________________________
خرجت من الغرفه لتجد صديقتها تقف في الشرفه التي تطل على المياه، تغمض عينيها تستنشق الهواء براحه و هدوء تغلغل بداخلها منذ ان شاهدت ذلك المنظر في الصباح...
_ صباح الخير يا مريوم يا احلى وأجمل و ارق وو
_ أهي أرق دي تثبت انك كدابه وبتحوري يا سكن، هاتي من الأخر وقولي عايزة ايه؟
قاطعتها قائلةً بتهكم بعدما سمعت حديثها المعسول، لتتلبك سكن وتفرك يديها بتوتر قائلةً:
_ بصي هما حاجتين، الأول اطلبينا أكل عشان مفيش حاجه هنا غير الماء والخضرة ووجه معين القمر.
انقضت عليها تدفعها على الحائط برفق محاصرةً اياها قائلةً بسخط:
_ بـت أنتِ، محن وتلزيق مش عايزة.. أنا نفسي بتجزع من الحاجات دي فلمي نفسك..
أومأت "سكن" بسرعه لشدة خوفها، لتبتعد عنها "مريم" تلتقط الهاتف لكي تطلب الطعام.. دقائق وعادت لها قائلةً بصبر:
_ نص ساعه والأكل يوصل يا غندورة، ايه بقى الحاجه التانيه؟
ابتلعت ريقها وهي تعيد خصلات من شعر رأسها إلى الوراء قائلةً بتلعثم:
_ أنا كنت عايزة، يعني..أفضل هنا شويه كمان ونأجل موضوع الرجوع ده..
كتفت ذراعيها وهي ترمقها بنظراتٍ حانقه قائلةً بتهكم:
_ نأجلها لحد أمتى يعني؟ بالليل مثلًا..
أجابتها بارتباك:
_ لا، أسبوع..
صرخ بقوة قائلةً بغضب:
_ نعم، قولي تاني كدا!! سكن أنتِ عندك التزامات و جلسات لازم ترجعي ليها، أنتِ هتسافري معايا بالليل يعني هتسافري.
_ مين دي اللي تسافر؟!!
كان هذا "معين" الذي جاء من الداخل بعدما هندم ملابسه وتوضى مؤديًا فرضه.. وقف بينهم ينظر لزوجته متجاهلًا وجود الأخرى قائلًا بصبر:
_ يعني ايه هتسافري!! والبت دي بتزعق فيكي كدا ليه؟
تارجحت نظراتها بينهم بارتباك و خوف من القادم، فهي كانت تريد المكوث هنا لمدة أطول حتى تخبره بشأن عودتها ولكن انقلب الأمر ووو، قاطع تفكيرها صوت "مريم" والتي جهرت بصوت عاليٍ قائلةً بعصبيه:
_ بـت!! بقى انا على اخر الزمن يتقال بت .. وبعدين انا وهي حرين ازعق فيها اااا
_ أخفضي صوتك يا فتاة وكفي عن الثرثرة..
نبس بها ناهرًا اياها وهو ما زال ينظر لزوجته والتي ابتسمت ببلاهه قائلةً بأعجاب:
_ الله بجد، وحشني كلامك بالفصحى أوي يا معين..
جزت على اسنانها بغيظ من تلك البلهاء قائلةً بنهر:
_ هو ده اللي لفت انتباهك، وبالنسبه انه زعق فيا وتطاول في الكلام وهبيتهولك في التخشيبه النهارده فدا ايه..
اتسعت اعينها بذهول تخشى ان تفعلها حقًا، فهي تقوم بعمل خمسين محضر في اليوم لكل من يزعجها وخاصةً الرجال.. وقف أمام زوجها تواجهها قائلةً بمراوغه:
_ لا اهدي يا مريم كدا، ده جوزي يا حبيبتي وبعدين هو ميقصدش يزعق والله... هو بيهزر بس..
_وانا اهزر معاها ليه؟ مين دي أصلاً وبتهدد على أساس ايه؟
تحدث "معين" بتلك الكلمات باستنكار وغيظ، كادت ان تجيبه "مريم" وتتشابك معه ولكن قاطعتها سكن حينما اشارت لها بأن تهدأ، لتسرع قائلةً بنبرة متحمسه:
_ دي مريم بنت خالتو جميله اللي حكيتلك عنهم يا معين، هي بس بتتعامل بحده شويه وكلامها دبش.. بس قلبها طيب والله متقصدش تزعل حد منها...
علقت الأخرى ببرود قائلةً:
_ لا أقصد، واللي يزعل مني يتفلق عادي..
نهرتها بنظراتها، ليتجاهل حديثها "معين" فأخر همه تلك الفتاة، قائلًا بعرفان رغمًا عنه:
_ عمومًا شكرًا عشان اللي عملتيه أنتِ ووالدتك مع مراتي ومساعدتكم ليها.. ولو أقدر ارد اللي عملتوا باي طريقه أنا مش هتأخر..
استمعت له بضيق لكونه يعرفها بانها تخصه وهم غرباء عنها، لذلك جهرت قائلةً بفتور:
_ العفو يا بشمهندس، بس سكن دي جزء من عيلتنا وبالنسبالي بقت اكتر من أختي الصغيره، ومن يوم ما جات عندنا وهي بقت مسئوليتي و هتفضل كدا، ولمصلحتها لازم ترجع معايا اسكندريه عشان تكمل علاجها.. وشغلها كمان..
غادرت فور أنتهاء حديثها، لتنكمش ملامحه بضيق مما سمع، لينظر إلى زوجته التي تتأفف منزعجه مما حدث..
أقترب منها ساحبًا اياه لمكان الجلوس، أجلسها برفق وجلس هو بجوارها ينظر لها بعمق قائلًا:
_ يعني بجد لازم تمشي تاني، طب وأنا وفرحنا اللي لسه معملناش اي حاجه فيه؟ وبعدين ازاي هتحمل فكرة أنك في محافظة تانيه وبعيده عني كدا وكمان شغلك ده انا معرفش بيه!!
اجابته بصدق تشرح له الأمر:
_ الشغل ده جزء من العلاج عشان اقوي شخصيتي وأحس اني بعمل حاجه مفيده واتخلص من فكرة أني فاشله ومليش لازمه، وبعدين انا قولتلك جوه ان لسه علاجي مخلصش ولازم امشي..
______________________________
_ موسى، يا موسى أصحى بقى الوقت أتاخر..
جهرت تلك الكلمات بغيظ وهي تجلس بجوار ذلك الذي يغط بنومٍ عميق ولا يشعر بشيء حوله..
تململ هو بكسلٍ قائلًا بصوتٍ ناعس ساخط:
_ سبيني نايم واصطبحي على الصبح يا ساره..
نكزته في كتفه قائلةً بغيظ:
_ ولو مصطبحتش هتعمل ايه يعني؟ قوم بقى انا زهقت وانا مستنياك تصحى والفطار برد بره..
همهم قائلًا لنفسه بضيق:
_ مش الفطار بس اللي برد، فيه حد كمان أبرد منه..
_ بتكلم نفسك وبتقول ايه؟ سمعني...
انتفض جالسًا وهو مازال ممددًا بعدما رفع جزئه الأعلى.. جزبها من ذراعها برفق لتواجه.. قائلًا بتذمر:
_ نَفسي واكلمها براحتي مالك أنتِ، من يوم ما اتجوزتك وأنا مش متهني في نومه.. ما تهمدي بقى..
حاولت امتصاص غضبه قائلةً بدلال وهي تنظر له ببراءة:
_يعني هو ذنبي أنك بتوحشني ومش بعرف أقعد من غيرك في البيت وخصوصًا وانت قاعد فيه سايبني ونايم..!
ضمها اليه بعدما فهم ما تفعله ليتحدث قائلًا بخبث:
_ وهو انا بنام بالنهار ليه؟ مش عشان سهران الليل كله بفضفضلك على اللي حصلي في غيابك يا جيلي أنت..
فهمت ما يقصده بكلماته ليتورد وجهها خجلًا، نكزته برفق وهي تبعده عنها قائلةً:
_ اقسم بالله ما اتربيت، ابعد عني يا قليل الادب..
تمسك بها وهو يقول بجكاره:
_ مش انا يتيم وملقتش حد يربيني، شكلك كدا نسيتي يا بطه أنتِ.. تعالي افضفضلك واحكيلك اللي حصلي تاني..
ضحكت بقوة وهي تضربه برفق، ليهلل هو قائلًا بمكر:
_ استعنا على الشقى بالله، يا معيـن..
انهى حديثه ليستمع إلى صوت الهاتف يرتفع بالغرفه، امتعضت ملامحه بضيق وهو يبتعد عنها ملتقطًا الهاتف ليرا من ذلك المزعج.. نظر للهاتف بدهشة عندما قرأ اسمه.. ليجيب فورًا وهو يقول بحنق:
_ أنا كنت أقصد ربنا يعيني مش أنت خالص ياللي بعدت وقولت غنولي..
استنكر الأخر حديثه متابعًا بنظراته زوجته وهي ترص الطعام على الطاولة داخل الشرفه...
_ ياريت الغناء يكون من غير موسيقى عشان الحرمانيه بس..
انكمش حاجباه بتعجب، لينبس قائلًا باستغراب:
_ رايق وبتهزر يعني؟؟ عرفت حاجه عن مكانها ولا ايه؟
أبتسم الأخر بعذوبة وهو يتأمل هيئتها امامه وخصلاتها التي تهبط على وجهها فتهلك قلبه، ليحمحم قائلًا بسعادة:
_ لا هي اللي جات لحد عندي، المهم اسمعني كويس واعمل اللي هقولك عليه..
استمع إليه بأهتمام حتى انهى الأخر حديثه واغلق معه الخط، نظر إلى التي أمامه تتصفح هاتفها ملتصقةً به... لينبس قائلًا بشك:
_ أفرحي يا ستي، صاحبتك رجعت وهتشوفيها كمان..
نظرت له الأخرى قائلةً باندفاع وبلاهه:
_ آه ما انا عارفه..
انتفض ممسكًا بملابسها من الامام قائلًا بغضب مفتعل:
_ وعرفتي منين يا هانم؟ ولا أنتِ كنتي عارفه مكانها من الأول وسيبانا نلف وندور!!
_____________________________
فتح الباب تاركًا اياه وهو يجر الحقيبه خلفه، دلف إلى شقة زوجته التي ورثتها بعد وفاة والدتها والتي رحلت بعد زواجهم بسنةً واحده...
دلفت هي خلفه ومعها ابنتها، تغلق الباب وتتبعه إلى الداخل... نظرت حولها بأعين تلمع وشوق لمنزلها الذي كبرت به، عصفت الذكريات عقلها تتذكر والدها وعائلتها الصغيره وحياتها داخل كل ركن يقابلها، لم تاتي إلى هنا منذ فتره كبيره لأنشغال زوجها واهتمامها هي بالمنزل وصغيرتها..
_ الحمدلله اني بعت لشركة تنضيف وجات روقت المكان قبل ما نوصل..
نطق تلك الكلمات وهو يجلس على الأريكه براحه، يفتح ذراعيه يستقبل ابنته بحب لتركض هي نحوه بسعادة وابتسامه خطفت بها قلبه..
تلقفها ضاممًا اياها بقوة وهو يقبل وجنتيها بصوتٍ عاليٍ لتقهق هي بمرح وتلف يديها الصغيره هو عنقه تتمسك به..
جلست نور على مقربة منهم تنظر لهم براحه وهي تقول بندم:
_ مكنش المفروض نمشي ونسيب باباك لوحدو هناك يا عمار، كنا فضلنا معاه ويحصل اللي يحصل..
اجابها وهو يلاعب صغيرته التي تجلس على قدمه قائلًا بحكمه:
_ بالعكس ده كان افضل حل، كدا هما هيزهقوا ويمشوا من نفسهم بعد ما يتأكدوا انه هدفهم في ان يفرقونا عن بعض خلاص فشل بعد ما سيبنالهم البيت ولو على بابا فأنا اكيد مش هسيبه وهروح اطمن عليه وكمان طلبت مساعدة هتجيله وتساعده وتهتم بيه طول فترة وجودنا هنا..
أومأت له بتفهم، لتتركه وتذهب إلى الداخل بهدوء، دلفت لغرفتها بشوق وحنين تنظر لكل ما يخصها به.. جلست على التخت بضعف وتيه بات يسيطر عليها منذ ذلك اليوم... علاقتها بزوجها أصبحت باهته وحديثهم أصبح قليل، تصرف عمته وابنتها معها وكيف يعاملانها كانها خادمةً كل ذلك تكتمه بداخلها وتتقبله رغمًا عنها فهذا ذنب تلك المسكينة التي أهانتها و ابتعدت بسببها عن الجميع..
وقف أمام الباب ينظر لها بتأنيب، ينهر نفسه على ما فعله معها وتجاهله لها طوال الفترة الماضيه..
اقترب منها بمهل، ليجلس بجوارها بهدوء قابضًا على كفها ملثمًا اياها باعتذار خفي.. نظر لمقلتيها التي تتابعه بضعف قائلًا بتأسف:
_ آسف يا نور على معاملتي الجافه طول الفتره اللي فاتت، حقك عليا متزعليش مني، بس أنتِ عارفه اللي حصل واللي بسببه علاقتي بمعين بقت متوتره وشبه منقطعه، أنا ومعين مع بعض من لما أتولد، اهلنا صحاب من زمان وانا اكبر منه بسنه.. أخويا في الرضاعه و اتربينا سوا وفي بيت واحد بعد ما والدتي توفت وبقيت تقريبًا عايش معاهم على طول، اللي بعدني عنهم هو جوازي منك وغيرة نعمان بصراحه..
ابتسم في نهاية حديثه متذكرًا حياته معهم وكيف كان سعيد حينها بمشاكساته مع نعيم ونعمان وكيف كان ياتي صديقه ويفرق بينهم بصعوبه، كيف كان يساعد نعيم في أزعاج والده وكذلك يجعله يغضب حينما يحتضن ليلى قائلًا له بخبث:
_ أمي ورضعتني خمس رضعات مشبعات و لحد ما اتفطمت كمان والله يعني براحتي وليا حق فيها..
وقتها كان يثور الاخر ويركض خلفه بغضب، واحيانًا يلقي بهم الثلاثة خارج المنزل، ليقضين الليل بطول داخل الحديقه وسط تذمرات معين:
_ طب انتوا اللي بتحضنوا مراته وتحرقوا دمه، انا مالي!!
اغرورقت اعينه بأشتياق وحزن لاحظته هي، لتشتد يدها على كفه الذي يمسك بيدها وهي تقول بوهن:
_ أنا اللي بعدتك عنهم صح؟ طول الوقت عيزاك جنبي وتشاركني كل حاجه بعملها لحد ما دخلتك عالمي وبعدتك عن عالمك أنت، بس والله ما أقصد... أنت عارف اني وحيدة اهلي وماما وبابا عانوا كتير لحد ما انا جيت عشان كدا كانوا متعلقين بيا ومش بيبعدوني عنهم لحظه واحده..
هبطت عبراتها وهي تتابع قائلةً بحزن:
_ مكنش عندي صحاب ولا اتعاملت مع حد غير بحدود بعد توصيات من ماما، لما اتجوزت منك وحبيتك كان عندي احلام و حاجات كتيره نفسي اعيشها واجربها معاك واشاركك فيها.. عشان كدا كنت بضغط عليك وبطلب منك تكون معايا وتهتم بيا طول الوقت عشان مليش غيرك... أنا كنت انانيه وبعدتك عن حياتك وعنهم صح؟
ضمها إليه برفق بعد ان استمع لحديثها بألم وضيق، هو يعلم جيدًا كل هذا، لقد اخبرته به وهو وعد ذاته ان يبقى بجانبها وألا يبتعد عنها كلما استطاع ذلك..
مسح على ظهرها قائلًا بحنو:
_ أنتِ حياتي وبيتي الدافي يا نور، أنا عارف كل ده ومتفهم أنك متعرفيش غيري ووقتك كله ليا ولبيتنا عشان كدا طبيعي تتصرفي بأهتمام بالغ ليا انا وبس، كنت حابب تتعرفي على مرات موسى ومعين بس..
ابتعدت عنه تقاطع حديثه قائلةً ببكاء:
_ بس انا بوظت كل حاجه ومراته اختفت بسببي..
كاد ان يجيبها ولكن قاطعه صوت الهاتف، التقطه من جيبه وهو يخبرها بأن تهدأ حتى يجيب على صديقه... والذي ما أن اجابه حتى سمع كلماته بسعاده وابتسامه شقت وجهه جعلت الأخرى تنظر له بذهول... اغلق معه فورًا وهو يلقي الهاتف قائلًا:
_ مرات معين رجعت وكل حاجه هتبقى كويسه..
______________________________
في المساء..
داخل مطعم موسى وكما طلب منه "معين".. حضر جميع الشباب بعدما طلب منهم هو ذلك... وهو ان يجهز المطعم الخاص به لهم فقط لكي يسهرن به الليله..
كان يجلس" نعيم" وبجواره "لؤي" ويليه "مازن" الذي اتصل به موسى وأصر عليه ان يأتي ويسهر معهم.. وكم استغرب "لؤي" الوضع!! هل حقًا شقيقه الذي دائمًا كان ينهره لرفقتهم يجلس الآن معهم وأيضًا يمازح "موسى" الجالس امامه ويضحك معه..
_ يكتشف الغامض والمثير، يستنتج بالعقل الكثير... فينك يا كونان تفسرلي اللي بيحصل حوليا ده!!
نظر له الأثنان بحنق ثم عاودوا النظر إلى بعضهم متجاهلين اياه.. ليعلق هو على ما حدث بسخط قائلًا:
_ لا مهو انتوا الاتنين بالذات مينفعش تقربوا من بعض، أنا مش هستحمل النتائج المترتبه على العلاقه دي..
_ يا نــغــــه.
جهر بها "موسى" بتهكم، ليضيف "مازن" قائلًا بجمود:
_ بيقولك المتهور قرب منه وحطه تحت عنيك عشان قبل ما يتهور تقدر تلجمه وتحميه هو و اللي حوليه، وأنت بعد الحادثه لازم مبعدش عيني عنك وافضل معاك وحوليك..
كاد ان يجيبه بحده بعدما غضب من حديثه فقد اعتقد انه مازال يراه طفل كما اخبره من قبل ولكن قاطعه موسى حينما قال بدهاء ساخر:
_ ما تقول أنك خايف عليه وحابب تكون معاه في كل حته!! هيبتك مش هتقل لو ظهرت محبتك يا نغه انت التاني..
انتفض قائلًا برفض وغيظ لسخريته منه :
_ لا معلش، نغه دي متتقالش ليا عشان مشمعش المطعم ده واحصرك عليه..
وقف الأخر وهو يجيبه بغرور ودهاء:
_ حاول كدا وشوف مين فينا اللي هيخسر أكتر، اصل خساره عن خساره تفرق وأنت خسارتك بتوجع أكتر يا أبن الشربيني..
التقط ما يرموا إليه وهو علاقته بشقيقه، وهذا بالضبط ما جعله يضغط على أسنانه بغضب متلزمًا الصمت، تاركًا نظراته تتوعد له وتنهره..
تركهم الأخر وسط ذهول " لؤي" مما رأى ومحاولة نعيم لكتم ضحكاته..كاد ان يتحدث ولكن قاطعه تلك الصغيره اللي يحبها كثيرًا والتى ما ان رأته حتى هرولت بأتجاهه تصرخ باشتياق له:
_ لـؤي، لـؤي انا جيت .
وقف وترك مكانه ملتقطًا اياها وهو يقبلها بقوه فقد اشتاق لها هو ايضًا وبشده.. دار بها قائلًا بسعاده:
_ يا قلب لؤي من جوه، وحشتيني يا همس وكان نفسي أشوفك..
تذكرت للتو انها كانت منزعجةً منه لتدفعه بيديها الصغيرتين وهي تقول بعتاب طفولي:
_لا انا زعلانه منك ومش هتكلم معاك تاني، عشان أنت مش بتيجي تلعب معايا ولا تتصل بيا وتكلمني.
_اوعى انت وهي كدا عشان انا زهقت منك ومنها، روحو بعيد وحلوا مشاكلكم مع بعض عشان انا تعبت من زنها وسؤالها عنك..
نبس بها "عمار" بضيق، ليرحب بعدها بمازن ونعيم ثم تركهم وتوجه إلى مكان النساء وهي طاوله كبيره تواجه طاولتهم التي لا تختلف عنهم كثيرًا فقد قام موسى بأفراغ المكان الداخلي بأكمله واضعًا طاوله بالخارج على المياه للشباب والتي بالداخل للفتيات والتي كانت تجلس عليها زوجته وهو بجانبها...
تقدم منهم هو و "نور" ليلاحظ موسى ذلك فيقف ويحث زوجته بان تتعامل مع الاخرى بلطافه فقد مال عليها قائلًا بتاكيد:
_ زي ما وصيتك يا ساره، قربي منها وعامليها كويس، بلاش تبيني أنك مش طيقاها..
_ طب والله كويس أنك عارف أني مش طيقاها..
قالتها بوجوم لكون الأخرى قد ساءت لصديقتها مسبقًا، لينكزها موسى برفق قائلًا بحده طفيفه:
_ ساره اعملي اللي قولتلك عليه وانتي لما تتعاملي معاها هتحبيها لوحدك..
وصل عمار بزوجته ليرحب بصديقه أولًا ثم القى السلام على زوجته التي ابتعدت عنهم قليلًا..
_ دي نور مراتي يا مدام "سارة" اتمنى تتعرفوا على بعض وتعتبريها أختك..
أبتسمت برفق قائلةً بذوق وهي تمد كفها لكي تسلم على الاخرى :
_ آه طبعًا، أزيك يا مدام نور تشرفت بمعرفتك..
نظرت الأخرى لزوجها الذي أومأ لها بابتسامه خفيفه.. عادت نظراتها لها وهي ترفع يدها تبادلها السلام بسعادة وحبور... ليغادر الأثنان تاركين زوجاتهم لكي يأخذن راحتهم، وليجلسن بالخارج مع الشباب.
وبالخارج كانت "همس" تجلس على قدم "نعيم" بعدما تركت لؤي قائلةً بتذمر طفولي:
_ أنا خلاص هلعب مع نعيم ومش هلعب معاك تاني..
ضمها "نعيم" مقبلًا اياها قائلًا بغيظ للأخر:
_آه أحنا هنلعب مع بعض وسيبك منه هو خالص..
مثل الأخر الحزن قائلًا بخبث:
_ وأنا اللي كنت هاخدك النادي ونلعب في البسين سوا، خلاص بقى هدور على همس تاني...
انتفضت من حضن نعيم تحتضن اياه بلهفه ودلال قائلةً:
_ لا انا بس اللي همس مفيش حد تاني، وبعدين مش انا زعلانه منك صالحني يا لؤي وخدني معاك..
جاء "عمار" من الخلف، ينتشلها من بينهم جالسًا بجوار نعيم وهي على قدمه قائلًا بنزق:
_ياخدك فين يابت أنتِ، وبعدين يقولوا ايه عليا دلوقتي بعد عمايلك دي؟؟ معرفتش أربي..
تململت بين يديه قائلةً بتذمر:
_ يا بابا هنروح البسين بس، وبعدين ده لـؤي..
امتعضت ملامح الاخر قائلًا بتهكم:
_ ايه لـؤي يعني ؟؟ مش راجل ده ولا مش راجل ؟
وقف "لؤي" ضاربًا على الطاوله بيده قائلًا بسخط:
_ ما تلم نفسك أنت وبنتك يا لاااا، ايه قلة القيمه دي!!
نبس تلك المره "مازن" ببرود ساخر قائلًا:
_ شكلي كدا هغير أسمك لزين فعلاً، قبل ما تجيب العار للعيله..
نظر "لؤي" لصديقه وهو يشير لمازن قائلًا بسخط:
_عاجبك قلة القيمه دي؟، اهو هيشمت فيا ويمسكها عليا زله..
_ محدش يقدر يقل منك ياض، واللي يعملها يبقى يستحمل الوش التاني مني..
نبس بتلك الكلمات "موسى" وهو يجلس امامهم بعدما تأكد من تجهيز كل شيء لهذه الليله..
اضاف قائلًا بلوع:
_ الشامت بكـره نشمت فيه، بس الحـراق بنقـعد قـدامـه ونـاخد منه دروس..
عاد يجلس مكانه بأبتسامه عريضه قائلًا بأمتنان:
_ أقسم بالله انت اللي ليا، أصلاً انا مليش حد غيرك في الدنيا دي..
أمتعضت ملامح "مازن" قائلًا بغيرة وحده:
_ ده على أساس اني مش طالع عيني عشانك وشايل عنك كل حاجه وووو
ادرك ما كان سيقوله ليتراجع قائلًا بجمود وصوتٍ مرتبك:
_ وأنت أصلاً تحتاج لي ولا لغيره ليه، ما تعتمد على نفسك ومتخليش حد يقل منك من الأساس..
رغم أستغرابه من حديثه أولاً إلا ان وجهه انكمش غيظًا مما قاله وتلميحه بأنه ضعيف ولا شخصيه لديه..
_ معلش، ما أنت متعرفش يعني ايه صداقه ولا علاقات قويه بنبنيها ونحافظ عليها..
دلف من باب المطعم بتلك اللحظه"عمر"برفقة شقيقته "فرح" والتي ما ان رأهم نعيم صاح قائلًا بصوتٍ عاليٍ ساخر لكي يغير الجو الشاحن بالتوتر:
_ أهلاً، أهلاً بالنجم الكبير اللي هيتواضع وهيقعد معانا..
انتبه الجميع لهم بعد حديثه ليقف "موسى" ويرحب بهم يشير لـ فرح بأن تذهب حيث النساء والتي ما ان رأها "لؤي" حتى تبدلت ملامحه بطريقةً استنكر هو حدوثها، راقب خطواتها وتحركها إلى الداخل بمشاعر غريبه يجهل رغبته في الاقتراب منها والحديث معها، حقًا يتوق لذلك..
لاحظ حالته شقيقه والذي راقب وجهه عندما دلفت تلك الفتاة بشك، ليتأكد اخيرًا ان صغيره يحمل لها شيئًا بقلبه.. أشفق على نفسه مما قادم إن رغب لؤي بالزواج منها.. ورغم ذلك مال على شقيقه يهمس له بتهكم قائلًا:
_ عينك يا حبيبي، ولا انت غاوي وجع قلب..
حمحم الأخر يبعد نظراته عنها بتوتر وهو خائف من مغزى حديثه..
عودة إلى ذلك الذي رحب بهم وهو يضحك على أستقبال "نعيم" له، ليجيب عليه قائلًا بتفاخر:
_ أصل التواضع ده من شيم الفنانين اللي زي، عشان الناس العاديه اللي زيك تتعلم مننا..
ضحك الجميع عدا ذلك الذي نظر إليه بسخط وغيره قائلًا:
_ كفايه عليك معجبينك وصحابك اللي في الحاره، ابقى اديهم درس خصوصي في التواضع وانت كاتب رقمك على السبورة... كرم منك يعني..
_اووووووه..
جهر بها الجميع بحماس وضحكات تعلوا في المكان..
وبالداخل بعدما تقدمت منهم "فرح" ورحبت بسارة محتضنتًا اياها بمحبه وحبور، كونها كانت تتحدث معها طوال الفتره الماضيه.. أبتعدت عنها وهي تنظر للأخرى بجهل والتي قامت "ساره" بتعريفها عليها بتوتر شديد:
_ دي نور مرات عمار صاحب معين..
اشارت لها بشك قائلًا بحده:
_ تقصدي اللي ضربت سكن وبهدلتها قدام الناس كلها في المحل..
وقفت الأخرى تحاول الشرح لها قائلةً بتوتر:
_ ده.. ده كان سوء تفاهم والله ووو
قاطعتها ناهرتًا اياها:
_ سوء تفاهم؟؟ قولتيلي سوء تفاهم آه... أنتِ تضربيها وتقولي سوء تفاهم.. والتاني يقل منها ويقولي سوء تفاهم.. وكلكم تدوسوا عليها وعندكم مبرر وفي الأخر هي اللي تتحمل كل ده وتسكت..
تقدمت منها بغلٍ، لتلاحظ ساره ذلك وتمسك بها، لتحاول الأخرى التملص من بين يديها قائلةً بعدائيه:
_ سبيني يا ساره، عشان لو كانت أختي غلبانه ومعرفتش تاخد حقها، فأنا قادره وهعرف أجيـبه..
تراجعت "نور" إلى الخلف بذعر وهي تنظر لها وإلى الخارج حيث يجلس الشباب، والذين أستمعوا إلى ارتفاع صوتهم فتحرك "موسى" وعمار برفقة "عمر" إلى الداخل ، ليبقى الباقي جالسًا لخصوصية الموقف، إلا ذلك الذي تسلل بفضول عندما استمع إلى صوتها الحاد..
دلفوا إلى الداخل ليجهر "موسى" قائلًا بجمود:
_ ايه اللي بيحصل هنا..
تركت "ساره" فرح بسرعه ليقف الأثنان بتصنم، عدا تلك التي عندما رات زوجها بكت بضعف قائلةً بندم:
_ عمار، تعالى قولها بالله عليك أني مكنتش اقصد أضربها وانه سوء تفاهم..
تقدم عمار من زوجته يضمها برفق عندما فهم ما حدث قائلًا بهدوء:
_خلاص طيب، اهدي والموضوع هيتحل... هي اكيد فاهمه غلط مش اكتر..
امتعضت ملامح "فرح" قائلةً باندفاع ورفض:
_لا مش فاهمه غلط، ولا هتنكر أنها ضربت اختي وبهدلتها بعد ما انقذت بنتكـم..
نبس "عمر" بحده قائلًا:
_ اسكتي يا فرح..اللي بتعمليه ده مينفعش..
_ويعني اللي عملتوا هي ينفع!!
اجابته بقهرٍ، ليتقدم منها "لؤي" بعدما لاحظ تبدل حالتها ووشكها على البكاء قائلًا برفق:
_ طب ممكن تهدي بس وتفهمي الموضوع من وجة نظرها، تخيلي تكوني خارجه مع بنتك وفجاة تختفي من جنبك وتفضلي ساعتين تدوري عليها في قلقل وخوف و أنتِ مش عارفه حصلها ايه وإذا ممكن تشوفيها تاني او لا... وبعد ما تعرفي انها اتخطفت ومن واحده ست.. تلاقيها فعلاً مع واحده فنفس المحل المشكوك فيه.. هتقعدي تفكري وقتها ولا هتتصرفي زي ما هي تصرفت؟؟
تكتفت ترفض الأصغاء لحديثه وتقبل تلك الفتاة، لتجهر قائلةً بعند وسخط:
_ طب ما تحطوا نفسكم انتوا مكاني، هي لقت بنتها في الاخر ورجعت بيتها مبسوطه ومرتاحه، لكن اختي أنا فضلت الليل كله تبكي ومكسوره وتاني يوم طلعت ومرجعتش...
تابعت وهي تنظر لهم بكره قائلةً:
_ أنا بسببكم معرفش أختي لحد دلوقتي عايشه ولا ميته..
_ أختك جات بنفسها عشان تلحقك قبل ما تاكلي المسكينه وتيتمي بنتها..
أتـت تلك الكلمات من صاحبة الشأن بنفسها والتي دلفت منذ قليل برفقة زوجها "معين" الذي يقف بجانبها بوجه مشرق وابتسامه احتلت ثغره منذ رؤيتها... ومن الجه الاخرى تقف بجوارها "مريم" والتي جهرت قائلةً بعدم رضا:
_ ما كنتي استنيتي شويه يمكن كانت الاجواء ولعت اكتر..
تجاهلت حديثها وتقدمت من تلك التي انكمش وجهها باستنكار وألم لا تصدق أنها تقف امامها، لقد عانت الكثير بغيابها الغرفه كانت تضيق بها.. المنزل باكمله كان يخنقها لعدم وجود شقيقتها الوحيده به والتي كانت كل ما لديها.. تضعها بمكانة الصديقه فقد كانت تسألها وترافقها طوال الوقت والشقيقه التي تنصحها وتتعارك معها أيضًا والأم التي تحنو عليها وتحتضنها عندما تحزن او تشعر بالضيق من اي شيء..
أنفجرت بالبكاء عندما ضمتها إليها لكي تعانقها، لتتمسك بها الأخرى وهي تخرج كل ما كتمته بداخلها في هيئة بكاء جعل الجميع يتأثر ويشفق عليها..خاصةً هو والذي لاحظ حالتها منذ البدايه وكم آلمه قلبه من رؤية انهيارها.. فقد اعتاد عليها قويه وذات لسانٍ حاد وكم يتمنى عودتها كما هي..
_ أنا آسفه، حقك عليا يا فرح.. أهدي يا حبيبتي اهدي متبكيش كدا..
قالت تلك الكلمات وهي تمسح على ظهرها باعتذار لما تسببت به لها.. ليتقدم كذلك "عمر" يربت على كتف شقيقته ضامًا الأخرى له وهو يقول برفق ومزاح :
_ خلاص يا فرح، سكن رجعت اهي... وبعدين انا متعود عليكي بارده ومش بتحسي، جبتي الدموع دي من فين؟
دفعت الأثنان عنها وهي تمسح وجهها قائلةً بسخط وصوتٍ ضعيف حتى تعيد ماء وجهها وتخفي تلك الفتاة الهشه بداخلها:
_ دموع ايه؟ مفيش دموع أنت بيتهيألك بس.. وبعدين أنت متفجأتش ليه؟ هو انت كنت عارف أنها عايشه..
قالتها بشك ولم تتركه يجيبها حتى فهمت ما حدث فجهرت قائلةً بتمهل:
_ أستنى؟ هو أنت شفتها قبل كدا صح؟
لثم وجنت شقيقته "سـكن" قائلًا بسعاده قبل ان ينسحب إلى الخارج بسرعه:
_ السكره دي كانت سبب اني العب كدا واكهرب الملعب.
زفرت بغضبٍ وهي تتحرك خلفه قائلةً بحنق:
_ده انا اللي هكهربك يا عمر عشان تخبي عليا..
عادت ثانيةً لشقيقتها تقبل وجنتها الأخرى وهي تقول بوعيد:
_هرجعلك عشان تحكيلي كل حاجه حصلت معاكي وعشان اعاقبك على اني بكيت قدام الكل بسببك... وعشان وحشتيني برضوا
قالت الاخيرة بابتسامه واشتياق لها ولكنها الآن ستتحجج بـ عمر وتهرول إلى الخارج تتعبه لشعورها بالخجل من الداخل من كل من حولها بسبب ما فعلته..
ضحكت "سـكن" برفق لتشعر بزوجها بجانبها لتنظر له ولنظراته الحذره، بتنبيه لوجود اصدقائه حولها.. فوأدت ضحكتها سريعًا..
اندفعت بتلك اللحظه "ساره" تعانقها بقوة وهي تقول بفرح:
_ أخيرًا شفتك، وحشتيني اوي يا سكن..
ضمتها الأخرى بمحبه كبيره وهي تبادلها الكلمات المشتاقه بصدق، لتتقدم "مريم" منهم قائلةً بتهكم:
_ ده على أساس أنك مقرفاش أهلى معاكي ليل ونهار رن وزن عشان تكلميها..
نظرت الأخرى لها وهي تسأل سكن بخوف:
_ هي دي نفسها ولا واحده شبها؟
أومأت لها بموافقة، لتتجه ساره تعانق "مريم" بحذر وتوتر قائلةً بتلعثم:
_ أهلًا، أهلًا بالغاليه، ده القاهره نورت بوجودك فيها..
ربتت الأخرى على ظهرها ببطيء قائلةً بهمس سمعته هي فقط:
_ أهلًا بهند رستم اللي كانت السبب فاننا نيجي القاهره.
تركتهم "سكن" وتوجهت لتلك التي تنكمش بجوار زوجها، وقفت امامها قائلةً بهدوء:
_ متزعليش من فرح، هي بس كانت خايفه عليا عشان كدا عاملتك بالأسلوب ده، زي ما انا تفهمت كويس وعذرتك لما حصل اللي حصل في المحل..
تأثرت من حديثها وذوق تلك الرقيقه التي امامها لتقترب منها وتقف امامها تعانقها ببكاء وهي تقول بندم:
_ آنا آسفه والله، انا فعلاً كنت خايفه على بنتي وقتها ومكنتش اعرف انك مرات البشمهندس معين..
بادلتها الاخرى العناق بسعة صدر قائلةً بمزاح:
_ هو حضني فيه مسيل للدموع ولا ايه؟ كل اللي تحضني تعيط!! يا ستي والله انا ما مشيت بسببك ومش زعلانه منك أبدًا.. ربنا يباركلك في بنتك ويحفظها يارب..
ابتعدت عنها وهي تمسح عينيها قائلةً ببراءة وهي تنظر لها:
_ أنتِ طيبه أوي بجد، عمار قالي ان هيعرفني عليكي أنتِ وساره عشان انا معنديش صحاب وكان نفسي تبقوا انتوا صحابي، فـ ممكن تديني فرصه تانيه وتبقي صحبتي؟
_لا مش ممكن..
جهرت بها "مريم" بحده، لتنظر لها سكن بحده تشبهها لتتابع الأخرى حديثها قائلةً بنزق:
_ايه؟ أنتِ مش فاضيه ويومك مشغول، انا مش ناقصه حاجه تشغلك عن آولوياتك تاني..
تجاهلت حديثها ونظرت لنور تبتسم لها بحبور قائلةً:
_أكيد يا حبيبتي، اتشرف بمعرفتك وأنك تكوني صحبتي و أختي..
اندفعت الاخرى تعانقها بسعاده وامتنان فقد أحبتها بشدة...
مرت ساعه كامله تناول فيها الجميع الطعام وسط جو مليء بالضحكات والحديث المتبادل بمحبه صادقه..
خرجت من الحمام بعدما اغتسلت ورتبت هيئتها، لتسمع صوت أحدهم يتحدث في الهاتف قائلًا بأمر وغرور:
_ أنت تسمع الكلام وتنفذ وبس، بلاش شغل النسوان ده وخليك راجل..
لم تستطع أن تتجاهل ما سمعت، فقد ضغط على جرحها بهذا الحديث وهو أن يقلل أحدهم من أنثي... لذلك جهرت قائلةً بتهكم:
_وأنت اشتغلت مع نسوان قبل كده، ولا ده تشبيه سمعته وخلاص؟؟ نصيحه مني بلاش تقوله تاني عشان ده شغل النسوان العاطله اللي بتفضل طول اليوم قاعده تنم وتلقح..
رأت نظراته المشتعله عندما التف ليرى من المتحدث، لاحظت أيضًا ضغطه على الهاتف وأنتفاخ اوردته، لتتجاهل كل ذلك وهي تضيف قائلةً ببرود قبل ان تغادر وتتركه يأكل في نفسه...
_سـلام يااااا.... يا راجل..
وفي الخارج وجدها تقف بمفردها ليقترب منها قائلًا بمكر:
_ طلعتي كمان عيوطـه..
علمت من المتحدث وما يرموا له، لتتنهد بضيق متجاهةً اياه، ليجاورها هو متابعًا حديثه لكي يجاكرها :
_نضيف على القائمه أنك عيوطـه ونسيب القوس مفتوح عشان أنتِ غريبة الأطوار وبقيت متوقع منك اي حاجه بصراحه..
تأففت بضيق من أزعاجه لها لتتحدث قائلةً بحنق:
_ لو سمحت انا دلوقتي مضايقه ومش طالبه معايا هزار، سيبني لوحدي..
أمتعضت ملامحه بأستغراب من حالتها، ليجلس ليجلس بجوارها على درجات جانبيه داخل المطعم تطل على المياه حيث الأنوار تسطع والهدوء يعم المكان.. نبس قائلًا باستنكار:
_ بس ليه؟ مش أختك رجعت واطمنتي انها عايشه وكويسه.. مضايقه ليه؟
_قالت أنها لازم تمشي تاني..
قالتها بحزنٍ تكمل بعدها بنفس النبره:
_ بقى عندها حياه تانيه والتزمات لازم تكملها، بس أنا هعمل ايه من غيرها؟ أنا كنت بتعذب كل ليله وهي مش جنبي. البيت كان كئيب وبحس اني وحيده فيه من غيرها، هي صحبتي واختي والوحيده اللي بتكلم معاها براحتي وبتفهمني وبتنصحني..
نظرت له باعين باكيه قائلةً بوهن:
_الحياه من غيرها صعبه أوي عليا، أنا مش هقدر.. مش هقدر اعيش من غيرها يا لؤي..
كان يستمع إليها بتأثر وحزن انكس عليه منها هي، رأى مقلتيها الباكيه والتي لمعت من ضوء القمر المنعكس عليها، لتصيب نظراتها قلبه فتجعله ينبض بقوة شعر هو بها.. مد يده بغير وعي لوجنتها ماسحًا بجوار اهدابها بلطف... تاه في سحر اللحظه مقتربًا منها.. ليفيق على كفها الذي هبط على وجنته تصفعه بقوة..
اتسعت عيناه بصدمة مما حدث واضعًا يده على وجنته، لتقف هي امامه قائلةً بحرقه وغضب:
_ أنا كنت فاكره انك انسان متربي وعندك مباديء واخلاق، بس طلعت عكس كدا خالص.. لو كنت فاكر انك تقدر تضحك عليا وتستغل للحظه كنت ضعيفه فيها وعشان أنت غني وأبن زوات أنا هتأثر تبقى غلطان.. من النهارده مش عايزة أشوف وشك ولا تحاول حتى تتكلم معايا..
تركته وهرولت إلى الداخل بغضب ، ليبقى هو كما كان ينظر أمامه بتيه وصدمه لما حدث وبما كان مقبل على فعله!! لقد خسرها بنفس اللحظه التي ادرك فيها كونه يحمل مشاعر لها بداخله...
**********************
وقفت تواجه المياه وهي تشعر براحه تغلغل بداخل تتنفس الهواء بعمق وهي مغمضة الأعين، لتلتقط انفها رائحته ويشعر جسدها بقربه عندما وقف ورائها بمسافةً قصيره، قائلًا بعتاب طفولي:
_ يعني نازله أحضان في صحابك وخواتك من الصبح وقولت ماشي عديها يا معين، لكن تبعدي عني وتيجي توقفي هنا لوحدك وكمان شويه هتمشي وتسبيني كدا ظلم لقلبي يا سكن..
أبتسمت برفق تلتف بجسدها كي تواجهه، لتتأمل ملامحه ومقلتاه بحب عصف بداخلها وأصبح ينمو طوال الوقت...
_سلامة قلبك يا معين، الدنيا كلها تهون عندي إلا هو ميهنش عليا أظلمه ولا اوجعه..
نبست بها بحب وتلقائيه جعلت قلبه يخفق بقوة، ليبتلع ريقه مقتربًا منها يمحي المسافة التي بينهم..
وضع يداه على السور الحديدي من حولها محاصرًا اياها قائلًا بخدر ولهفه:
_ قوليها يا سكن، قلبي حاسس بيها بس نفسي أسمعها..
أغمضت جفونها من تأثيره عليها بقربه قائلةً بصدق:
_ بـحبك يا معين، بحبك أوي..
ابتلع ريقه يكرر الكلمه بداخله وهو يشكر ربه على أنه استطاع أن يحظى بمحبتها ، ضربات قلبه تتسارع وعيناه تتأمل ملامحها بعشق غرق به أكثر عندما فتحت اهدابها تحارب قلبه بها فيخسر هو منصاعًا لها.. اختطفها داخل احضانه قائلًا بسعاده وحب :
_ بحبك يا أحلى هفوة دخلت حياتي..
اصبر علىٰ قَدَرِ الإلهِ فإِنّما
بالصبر يَهْدَأُ قلبُ كلّ حزينِ
ـ
وخُذِ البِشَارةَ مِن إلهكَ إنها
للصابرين علامةُ التمكينِ
مقتبس...
__________________________________
يتبع....
ميريـت