فلاش باك

فلاش باك

72 0

لَولا التَّغافُلُ عَن أشياءَ نَعرِفُها

‏ما طابَ عَيشٌ ولا دامَت مَوَدَّاتُ

مقتبس>>.

___________________________________

عودة إلى ذلك اليوم...

أخذت تركض بالشارع تأبى التوقف.. تجهل أين ترغب بالوصول... لن تعود إلى المنزل.. هذا الشيء مستحيل تخشى العودة أكثر من اي شيء... أين يذهب المرء عندما لا يجد مكانًا يأمن به؟ حتى منزله أصبح يخشاه وينفر منه... ركضت وركضت حتى شعرت بانها تاهت في الطرقات.... ظلت تجول وتجلس هنا وهناك حتى وجدت نفسها أمام مياه النيل...

نظرت للمياه بأعين ضبابية تتذكر حديث والد زوجها وهو يسأله أن كان قد سأم منها ويريد الطلاق، كانت ستثق بأن الأجابه ستنصفها وتثق بكونه يتمسك بها، ولكن ما فعلته وإهانتها له قبلها بيومٍ جعلها تشك بأنه قد يرغب بتركها حقًا، لن تتحمل.. تقسم أنها لن تستطيع الأبتعاد عنه والعيش بدونه.. بعد كل هذه المشاعر والأهتمام الذي أعطاه لها وعاشته بسببه، لا تتخيل حياتها بدونه...

بكت بقوة وهي تضغط بيدها على حديد السور الذي يحيط المكان، ألقت الهاتف والحقيبه تنوي الأبتعاد عن الجميع، فقد سأمت من كل شيء، عائلتها، حارتها، حياتها بأكملها.. سأمت كونها ضعيفه، فاشله، ينبذها الجميع ويبتعد عنها...

شعرت بيدًا توضع على كتفها لتنتفض تنظر للفاعل بعدما التفت بجزعها تواجهه، وجدت أمرأة لا تعرفها والتي نبست قائلةً بقلق تحاول تهدئتها:

_ أهدي يا بنتي ، الأنتحار مش حل.. أنتِ كدا بتدمري نفسك..

مسحت وجهها بسرعه وهي تشهق تأن، قائلةً بألم:

_ أنا كدا كدا مدمره وحياتي ملهاش لازمه، لو كان الموت حل وبعدو راحه كنت موت نفسي من زمان..

نظرت لها بقهر متابعةً حديثها:

_ بس انا مش عايزه أتعذب في أخرتي، كفايه عليا عذابي في الدنيا... ومع كدا خايفه، خايفه يضغطوا عليا أكتر من كدا وأعملها بجد... أنا تايهة وعقلي هيموتني من الوجع.. أرجوكِ قوليلي أعمل ايه؟

أستمعت إلى حديثها بأهتمام و تركيز، أقتربت منها تربت على كتفها قائلةً بعمد:

_ أرجعي لأهلك، لو جوزك بيأذيكي هما هيساعدوكي..

أبتسمت بمراره وضعف تجيبها قائلةً:

_ أهلي هما السبب في أني وصلت لكدا، بقيت ضعيفه وغبيه وفاشله ومش عارفه أعيش حياه طبيعية.. الوحيد اللي ليه الحق يزهق ويبعد عني هو جوزي، بعترف أنه استحملني كتير بس لحد أمتى؟ أنا حتى مش هعرف أديلوا حقوقه أو أربي ولادنا تربيه سويه..

جلست بإنهاك وحزن قائلةً بتيه:

_مش هقدر، مش هقدر أرجع ولا أعيش معاهم، تعبت بجد تعبت ومش عايزة أكلم حد فيهم ولا أسمع حد..

انحنت تجلس بجوارها بعدما تأثرت بحديثها وتألمت بنبرتها تلك.. عرضت عليها المساعده لكونها تعلم جيًدا بأن أفضل حل بالنسبة لها ولحالتها هو الأبتعاد:

_ايه رأيك تيجي معايا، أنا عايشه مع بنتي لوحدنا في أسكندريه، تقدري تفضلي معانا فتره لحد ما تاخدي قرار وتكوني أحسن..

_ موافقه، أهم حاجة ابعد عن هنا، مش عايزة اواجه حد فيهم دلوقتي..

قالتها بضعف، لتعلق الاخرى قائلةً بمزاح:

_ موافقه كدا على طول، مش خايفه اكون بضحك عليكي وممكن أأذيكي!!

_الأول كنت بخاف وبقلق من نوايا اللي حوليا فعلاً، بس دلوقتي مش مهتمه بأي حاجه.. اللي يحصل يحصل..

تفهمت المرحله التي وصلت لها الآن، لقد تأخرت بأخذ العلاج والأهتمام بحالتها، الفتاة أصبحت لا تهتم بشيء، تعيش حاله من الفتور والا مبالاة قد توقعها بالخطر.. كونها طبيبة نفسيه تدرك كون التي أمامها تعاني الكثير ويجب أن تتلقى العلاج قبل ان تتدهور حالتها أكثر وأكثر...

حثتها على الوقوف دون التحدث بكلمه واحده، تحركت معها "سكن" ببلود وتيه.. ساعدتها على صعود السيارة ثم صعدت هي.. أنطلقت نحو وجهتها ومكان أقاماتها وهي محافظة الاسكندريه...

مرت الساعات في صمتٍ منها، حتى وصلت أخيرًا..

وقفت بالسيارة أمام بنايه راقيه بعض الشيء..  دقائق وكانت قد..

وصلت إلى الطابق الخاص بها والأخرى بجانبها، عقلها يقيم حربًا بالداخل بين ما فعلته وهل كان خطأ ام صحيح عندما رافقت امرأة لا تعرفها.. دقائق وفُتح الباب بواسطة فتاة تبدو علي هيئتها أنها اكبر منها قليلًا... والتي اندفعت تحتضن والدتها بحب وأشتياق قائلةً:

_ماما حبيبة قلبي، وحشتيني..

ضحكت الأخر قائلةً بمشاكسه وهي تبادلها:

_ يا بكاشه ده انا يدوبك خلصت المؤتمر ورجعت، لحقت أوحشك؟..

ابتعدت عنها تمسك بوجنتيها قائلةً بنفس نبرتها:

_ البيت من غيرك ملوش طعم والله، هو المؤتمر ده كان لازم يجي مع اجازتي ويبعدك عني يا مزة..

نكزتها برفق وهي تشير إلى تلك التي تقف بجمود لا تنصت لحديثهم من الأساس، قائلةً بتنبيه:

_ طب أحترمي أن معايا ضيفه ورحبي بيها..

نظرت إليها بتفحص لتستفسر قائلةً:

_هي مين دي يا ماما؟!

أدركت للتو أنها لم تسألها عن شيء يخصها، حتى أسمها لا تعرفه لذلك نبست قائلةً برفق:

_هو أنتِ أسمك ايه يا بنتي؟

توسعت عينيها بذهول لتعلق قائلةً بنزق:

_معقوله يا ماما تجبيها معاكي من غير ما تعرفي أسمها حتى!! ده تصرف تعمليه بجد؟

_ اوعي يا مريم من قدامي، خلينا ندخل، انا مش صغيره عشان تقوليلي أتصرف ازاي..

دفعتها برفق وهي تنهرها بمزاحٍ....

مر الليل بطوله، كانت "سكن" تلتزم غرفتها التي خصصتها تلك المرأة لها.. وفي اليوم التالي علمت أنها تعمل طبيبة نفسيه وأبنتها ضابط بالشرطه.. كما أنها أخبرتهم من هي وما حدث معها...

**********************

وفي ثالث  ليله لها في المنزل طلبت منها " جميله " تلك المرأة الحنونه بأن تتحدث معها قليلًا..

لذلك هي الآن تجلس معها داخل الشرفه تنتظر أن تخبرها ما تريده منها بالضبط...

نبست "جميله" بلطف قائلةً لها ما توصلت له خلال الفترة التي مكثت بها معهم:

_ أسمعيني كويس يا سكن، انا جبتك معايا بعد ما حسيت ان ده انسب حل ليكي، أنتِ مكنش ينفع تتعاملي ولا تعيشي في الجو اللي كنتي عايشه فيه أكتر من كدا، لانك كنتي هتنهاري وتفقدي أعصابك واحتمال كبير مع الوقت توصلي للجنون و تطري أنك تدخلي مصحه نفسيه..

أستمعت لها بعدم أهتمام وفتور، تعلم جيدًا انها ليست بخير وتحتاج لطبيب نفسي يعالج ما تراكم بداخلها ولكن كيف ستطلب من عائلتها هذا الطلب، تقسم أنها ترى ردة فعل والدتها الآن والتي ستخبرها أنها تريد إفساد سيرتهم بين الناس وان يشمت بها الجميع متهمين أياها بالجنون..

تنهدت بضيق تطرد تلك الأفكار من رأسها لتستمع إلى تلك السيدة الطيبه وهي تتابع شارحةً لها بهدوء:

_ سكن أنتِ بتعاني من كذا مشكلها منها اضطراب الاكتئاب (Depressive Disorder) وده بيكون

الشخص اللي بيتعرض للإهانة المستمرة والتقليل ممكن يبدأ يحس إنه قليل القيمة، وإن حياته ملهاش معنى، وده بيكون عرض شائع في الاكتئاب. مشاعر الحزن، فقدان الثقة بالنفس، الانسحاب من الناس..

وكمان اضطراب القلق العام (Generalized Anxiety Disorder): وده بيكون الشخص يفضل قلقان طول الوقت، عنده خوف داخلي من الرفض أو الفشل أو الناس، وده ناتج عن الإهانات المستمرة وفقدان الأمان.

كمان انخفاض احترام الذات (Low Self-Esteem):

مش مرض نفسي في حد ذاته، لكنه حالة نفسية بتأثر على تصرفات الإنسان وطريقة رؤيته لنفسه. ودي ممكن تكون نتيجة مباشرة للتربية أو بيئة مليانة نقد وسخرية وتقليل.

مقدرش اجزم بس ممكن نتاكد بعد ما نبدأ في العلاج وهو اضطراب الشخصية التجنبية (Avoidant Personality Disorder):

ودا لما الشخص يبدﭢ ينسحب من الناس لأنه خايف من النقد أو الرفض، ممكن يكون بدأ يطور سمات من الاضطراب...

وكمان متلازمة الطفل المُهمل أو المُهان (Complex Trauma / C-PTSD):

ودي حالة شبيهة بالـ PTSD لكنها بتنتج عن تعرض طويل الأمد للإهمال أو الإذلال، خاصة في الطفولة، وبتأثر على تكوين الشخصية والثقة بالنفس.

ده تحليل مبدأي عن اللي توصلت ليه و مع الجلسات

هعرف أحدد حالتك اكتر... المهم دلوقتي أنتِ حابه أنك تتعالجي وتبدأي من الأول..

شردت تفكر بسؤالها بضعف، هي تخشى العودة و مواجهة عائلتها بعد هروبها وكذلك ترتعب بأن يكون "معين" قد تخلى عنها وسأم منها... ولكن لما لا تفعلها من أجلها هي، لما لا تحاول أن تستعيد سكن التي فقدتها منذ سنين طويله؟ لن يساعدني أحد إن لم أساعد نفسي، لن يتحملني احد ويتقبلني إن نبذت أنا نفسي !.

_ أنا عايزة أتعالج، عالجيني.. نفسي اعيش من غير تفكير وقلق وخوف طول الوقت..

جهرت بها برجاء ترغب بأن تنسى وتتخطى كل ما مرت به وتشعر بالراحه ذات يومٍ، تشتاق بأن تصبح بخير وتعيش كفتاة طبيعية...

*********************

مر أسبوعين بعد تلك المحادثه..

قد قامت فيهم بجلساتٍ منتظمه، قصت فيهم ما تشعر به.. كلمات عشوائية خرجت منها لتخفف عنها ضوضاء عقلها وازدحامه..

طرقت على باب غرفتها ترغب بالدخول لتسمع صوت الأخرى تأذن لها بذلك..

دلفت إلى الداخل بخطوات سلحوفيه، لتجلس أمام "مريم" التي تتوسط السرير جالسةً عليه تتصفح الحاسوب..

حمحمت تلفت انتباهها لتلاحظ الاخرى ذلك لتنطق قائلةً بشك:

_ خـير يا سكن!! عايزة حاجة يا حبيبتي؟؟

ابتلعت ريقها قائلةً بتوتر:

_أنا بس، كنت.. كنت يعني..

_ايوااااا، تهتهي بقى ولفي ودوري وبرضوا لا يا سكن..

نبست بها مريم بسماجه مع أبتسامه ترعب الأخرى والتي مسكت يدها قائلةً برجاء..

_ والله هطمن عليهم بس، هعرف حصل ايه معاهم بعد ما أختفيت، خايفه يكون حد حصله حاجه..

سحبت يدها قائلةً بصرامه ودهاءً:

_ وبعد ما تعرفي هتنسي أنك محتاجه تبعدي وتتعالجي من كل اللي اتسببولك فيه وتجري تطمنيهم هما وتخبي وجعك وخوفك تاني جواكي صح؟ أنا بحاول ابعد اي حاجه توصلهم بيكي عشان تقدري تاخدي وقتك وتبقى كويسه و أنتِ مُصرة تشغلي دماغك بيهم، ومن الأخر كدا مش هجيبلك رقم عمر ولا الغندور جوزك.. ريحي بقى..

تأففت "سكن" بعجز بعدما علمت ان لا جدوى من الحديث معها فهي منذ ان علمت قصتها وما حدث معها، ثارت وصرخت بها تلعن وتسب الرجال فهي ان كانت تكره شيء في الحياة فهو بالتأكيد "الرجل"، أقسمت أنها ستدربها وتقوي شخصيتها منعدمة الوجود، و رغمًا عنها  ستفعل ما تريد..

حاولت المحاولة معها مرة ثانيه قائلةً برجاء:

_ طب هكلم ساره، ساره بس والله هعرف منها اللي بيحصل بس، عشان أرتاح واريحك يا مريوم..

نظرت لها بشك لتبادلها الاخرى بنظرة رجاء... جعلتها تستسلم أخيرًا وهي تزفر قائلةً بوعيد:

_ هتكلمي البنت دي بس، وتفهميها انها متقولش لحد مكانك وإلا هحبسكم أنتوا الاتنين في قفص واحد..

أومأت لها بإذعان، لتمسك الأخرى هاتفها تقلب به، تبعث رساله لأحدهم حتى يرسل لها الرقم المطلوب من على هاتف" سكن" الذي القت به في النهر فهي ولحسن الحظ تحفظ رقم هاتفها وهذا سهل عليها الكثير في أخذ اي رقمٍ كان مسجل عليه.. أحبتها وللحق الفتاة هادئة و لطيفه وكم تألمت عندما قصت لها ما حدث معها، كانت تعلم أنها ستضعف و تستسلم وتطلب الرجوع ولكن هي لن تسمح لها بذلك، ستردعها حتى تتعافى وتصبح قوية وبخير وبعدها ستفكر بامر عودتها..

ساعه وبعث لها الرقم المطلوب لتخبر سكن قائلةً بتنبيه:

_ الرقم اهو، هفتح الأسبيكر وتكلميها، بس بعد ما اكلمها انا واتاكد ان مفيش حد جنبها احسن..

تأففت من شخصية الضابط التي تتعامل بها معها طوال الوقت، لتسمع صوت صديقتها الضعيف قائلةً:

_ مين معايا؟

اجابتها الأخرى بحرص:

_ حضرتك سارة نصران صح؟

_ آه أنا، حضرتك مين؟

_ جوزك موجود؟

تحولت نبرتها الضعيفه لأخرى شرسه قائلةً بحده:

_ و أنتِ عايزة جوزي ليه أن شاءلله؟

ذُهلت من تحولها لتضحك سكن برفق على ملامحها المستنكره، لتجيبها "مريم" بتهكم:

_ هطلعله بطاقه، تحبي تكون ساده ولا ملونـه؟

ثم القت الهاتف على سكن دون أن تسمع رد الأخرى، بل اضافت قائلةً بسخط:

_ مش عارفه بتحبوهم وبتغيرو عليهم ليه! دول كائنات مستفزة و مؤذيه المفروض نعتزلهم..

_ مش كلهم، فيهم شويه كويسين على فكره..

كان هذا صوت "ساره" التي استمعت إليها، ليأتيها صوت صديقتها العزيزة قائلةً بتهكم:

_ ساره حبيبتي، أنتِ اكتر واحده متخزوقه منهم أصلاً.

اتسعت اعينها بصدمه وعدم تصديق عندما سمعت صوتها، لا تصدق انها بخير بل وتمزح معها؟ ماذا هل قضت تلك الأيام تبكي وتنوح لتأتي بكل برودٍ وتحدثها هكذا... لذلك جهرت قائلةً بغضب:

_ بتهزر! أنتِ بتهزري يا سكن وأحنا هنا هنتجنن عليكي، ده جوزك وأخوكي هيموتوا من الخوف وهما بيدورو في كل حته عليكي، الدنيا مقلوبه عندي و أنتِ بتهزري!! ده موسى كل يوم بيحكيلي على معين و حالته اللي بقت في النازل، الكل هنا بيلومه وحاطط الحق عليه في كل اللي حصلك، صاحبه عمار شايل الذنب وفاكر ان مراته هي السبب بعد ما ضربتك في المحل، الكل هنا مفكر أنك ميته أصلاً..

وضعت يدها على ثغرها بذعر لا تصدق ما سمعت، هل الجميع يعاني بسببها حقًا!! هل يعتقدن أنها ماتت ويحملن ذنبها..

أجهشت في البكاء لتلتقط منها الهاتف "مريم" وتجيب الأخرى قائلةً بتقريع:

_ و أنتِ فاكره أنها قاعده بتدلع يعني؟ ولا محدش قالك كانت حالتها ازاي لما مشت وأختفت، أهلها دول هما السبب الرئيسي في اللي وصلت ليه، وعمار ده، أنتِ بنفسك قولتي ان مراته ضربتها يبقى تشغل دماغها بيهم ليه؟ أما جوزها فدا فعلاً سبب أنها كانت هتضيع..

_لا، لا يا مريم هو معملش حاجه..

قالتها "سكن" من بين دموعها وهي تنوح وتشهق لتقطع الأخرى حديثها متابعةً بغضب:

_ لا هو السبب، تقدري تقوليلي هو قال ايه لابوه عشان يقوله لو زهقت طلقـها! هو فاكرك للعبه ولا ايه؟

رغم الندم الذي عصف بها، بعدما انفجرت تعاتب صديقتها إلا انها اندفعت تخبرها الحقيقه قائلةً بصدق:

_ لا والله هو مقالش حاجه، أسمعيني كويس يا سكن، معين بيحبك وهيموت من خوفه عليكي والله، هو مقالش حاجه لوالده ولا والده كان يقصد اللي فهمتيه، الحكايه كلها انه كان بيختبر أبنه ومشاعره ناحيتك بعد ما شافه متغير ومهموم، خاف ليكون مجرد فضول وأعجاب حسه ناحيتك وراح من أول مشكله فقرر يشوف ردة فعله وبعدها يتصرف ويحل بينكم.. اللي سمعتيه مش حقيقي وأكتر حد اتظلم بينكم هو معين.

أنفجرت بالبكاء وهي تضغط على رأسها بقوة، ألم انتشر بالداخل أثر انفجار الأفكار التي طاحت تدور بداخل عقلها، رأت "مريم" حالتها لتصرخ وهي تنادي على والدتها والتي جاءت مهروله لتعلم السبب...

رأت حالتها وما يحدث معها لتعود إلى الداخل وتحضر أبره مهدئه، أستطاعت أن تجعل الأخر تسترخي لكي تريح عقلها..

_ سكن، سكن.. ردي عليا أنتِ كويسه؟

أنتبهت "مريم" إلى صوت الهاتف، لتلتقطه وتخرج من الغرفه قائلةً بحده:

_ سكن أنهارت لانها في فتره علاج وبكلامك ده رجعتيها لنقطة الصفر تاني، المكالمه دي محدش يعرف بيها أبدًا، خليهم فاكرين انها ميته أحسن ما ترجع وتموت فعلاً، أياكي تحاولي تعرفي حد حتى جوزك..

***********************

توالت الأيام عليها ترضخ لتعليمات "جميله" وأبنتها الصارمه "مريم" والتي عرفتها على جارتهم لكي تتعلم و تعمل في الأشغال اليدويه خطوة مهمه في علاجها وهي ان تعتمد على نفسها وتشعر بالفخر بما تصنعه، جعلتها أيضًا تتمرن وتتدرب كما تعلمت هي وكم عانت من فكرة الأستيقاظ مبكرًا وعمل كل تلك التدريبات المرهقه لها.. كذلك ساعدتها بأن تسجل في كورس لتعلم اللغه الانجليزية والتركيه والتي هي طلبت بأن تتعلمها قائلةً ببلاهه:

_ فيه مسلسل تركي هموت واشوفه بس مش مدبلج..

وبهذا أصبح يومها مليء بالعمل والتعلم، لا تجد وقتًا لتفكر بأن تأكل حتى، من العمل بمحل تلك السيده التي لا تختلف عن "جميله" وحماتها "ليلى" إلى تعلم اللغات التي تظل طوال الليل تشاهد الفيديوهات وتكرر خلفها، إلى تدريبات "مريم" والأعتناء بقطتها وصغارها..

*************************

قبل المباراة بيومٍ واحد كانت تجلس على الأرجوحه داخل الشرفه، تمسك بخاتم الزواج الخاص بها، لتقرأ تلك الجمله التي طلب هو نقشها عليه والتي كانت.

"أنا هنا لأجلك، طامعًا في امتلاكك حتى المشيب."

أغمضت عينيها بألم من افتراقه، تشتاق إليه كثيرًا، حديثه، عناقه، غزله وحنانه، كل شيء به يجعل قلبها يخفق بقوة... إن كانت تبتعد عنه الآن فهذا فقد من أجل ان تشعر بأنها مناسبة له، ترغب بأن تبادله مشاعره دون خوفٍ وقلق، ترغب بأن تعانقه بقوه وتخبره بأنها ااااا....

قاطع تفكيرها صوت تلك الشرسه والتي القت الهاتف عليها قائلةً بسخط:

_ هند رستم عايزة تكلمك، خلصي معاها وحصليني عشان هنعمل تمارين الضغط..

_ اقسم بالله ما فيه ضغط غيرك، أرحمي امي العيانه وسبيني اخد نفسي شويه..

قالتها بسأم وملل، لتجيب الأخرى وهي تتحرك إلى الداخل ببرود:

_ عشر دقايق وأشوفك قدامي..

تنهدت بيأس منها، لترفع الهاتف تجيب على صديقتها قائلةً بسخريه:

_ اللي غاطسه في العسل وسيبانا نتلسع من نحله عامله ايه؟

ضحكت "سارة" بقوة على حديثها، فقد قصت لها ما حدث معها من تهديد الأخر و تحسن علاقتها بـ "موسى"..

أجابتها بدلالٍ:

_ والله اللي غيران مننا، يعمل زينا يا سُكيننه يا أختي..

تمددت إلى الخلف قائلةً بهيام:

_ تصدقي لسه حالًا كنت بفكر فيه، معين وحشني أوي.

_طب ما ترجعي، أنتِ ليكي أكتر من شهر غايبه، وحالة معين وعمر مش كويسه..

انتفضت بقلقل قائلةً بخوف:

_ ليه، حصل ايه يا سارة.. طمنيني..

نهرت ذاتها على ما قالته، فقد اكدت عليها" مريم" بأن لا تخبرها أي شيء عنهم يعكر صفوها..

حاولت ان تُحسن ما فعلته قائلةً بأرتباك:

_ مفيش، مفيش حاجه.. أنا قفل ووو

قاطعتها صارخةً بقوة:

_ بقولك معين و عمر مالهم يا سارة، قوليلي..

أتت"مريم "من الداخل هي ووالدتها بقلق بعدما استمعن إلى صوت صراخها..

لتزعن" سارة" لها قائلةً بتوتر:

_ بصراحه موسى قالي أن معين بقى شبه معتزل الكل، يعني بيشتغل وعايش جسم من غير روح، وكمان أخوكي عمر عندو مباراة مهمه بكره هتتزاع على التلفزيون.. بيقولي أن هو كمان تعبان نفسيًا و ممكن يخسر ويخرج من الفريق لو لعب بحالته دي..

حينها بكت وثارت تترجى طبيبتها و "مريم" لكي تذهب لهم، لم تعترض "جميله" بل شجعتها ودعمت قرارها قائلةً لها بأنها تستطيع ان تواجههم الآن، وايضًا يكفي ما عاناه الجميع في غيابها يجب أن تعود وتُصلح كل شيء، رفضت "مريم" ذلك ولكن مع الضغط ونهر والدتها لها رضخت بشرطٍ بأن تذهب معها وألا تعود إلا بها...

********************

وها هي الآن...

جاءت تهرول تبحث عنه بكل مكان بعدما ساعدتها "مريم" بأن تدلف إلى الداخل.. فقد بدلت ملابسها وصعدت السيارة الخاصة بصديقتها "مريم" والتي قادت بها ..

دلفت إلى هنا بصعوبه بمساعدة "مريم" و كونها شرطيه..

رأته يقف بين مجموعه من الشباب ويتحرك إلى الخارج لتسرع بخطواتها في اتجاه جاهرتًا بصوتٍ عاليٍ قليلًا:

_ عــمــر أستنى..

نظر إلى الخلف بسرعه، كونه يعلم لمن يعود ذلك الصوت جيدًا، رفض عقله أن تكون هي لثوانيٍ ولكن تيقن بكونها حقيقه عندما وجدها تركض بأتجاهه لينبس قائلًا بغير تصديق وصوتٍ منخفض:

_سـكــن !!

وقفت تلهث وهي تنظر له بأشتياق و سعاده كونه أخيرًا سيحقق حلمه ويصبح ناجحًا..

أما عنه فقد ترك الصف وركض بأتجاهها يحتضنها بقوة وعدم تصديق كونها أخيرًا عادت إليهم وبخير..

رفعها عن الأرض يدور بها قائلًا بسعادة وفرح:

_ كنت متأكد، متأكد انك بخير، وحشتيني وحشتيني أوي يا سكن..

بادلته حضنه تضمه لها بشوق قائلةً بندم:

_آسفه، آسفه لاني كنت السبب في تعبك..

_ كل التعب راح لما شفتك بخير قدامي والله..

أبتعد عنها قائلًا بلهفه و قلق وهو يمسك بوجهها بين يديه متفحصًا اياها باكملها:

_ المهم طمنيني، أنتِ كويسه وبخير صح؟ قوليلي حصل ايه معاكي وكنتي فين طول الفتره اللي فاتت دي؟..

تقدم منهم "عُمير" والذي التمعت عيناه بمجرد رؤيتها، هو أيضًا يتلهف للحديث معها ومعرفه ما حدث ولكن الوقت غير مناسب بالمره لذلك جهر قائلًا بتنبيه:

_ عمر الفريق دخل وفاضل أنت بس، وكدا مش كويس ليك..

نظرت له تمسك راسه من خلال وجنتيه قائلةً بحماس ومشاكسه:

_ أنا جيت عشانك، أفتكر ان ده حلمي قبل ما يكون حلمك، روح واللعب عشاني وعشانك يا عمر، وأفتكر اني هكون أول واحده من معجباتك واول واحده هتوقعلها بعد كدا.. ولا هتتغر عليا..

_ ده انا أديكي روحي لو عايزه..

قالها بتأثر وسعاده كبيرة لرؤية ضحكتها و ملامحها المشرقه تلك.. لتتركه هي قائلةً بحب:

_ يسلملي قلبك وروحك يا حبيبي، روح يا عمر ربنا معاك ويوفقك يارب..

_ هشوفك بعد المباراة صح..

سحبه "عُمير" قائلًا بتعجل:

_يلا لازم تدخل، مفيش وقت..

تحرك معه وهو ينظر للخلف بخوفٍ، بإن تذهب وتختفي مره أخرى... ليراها تلوح له بسعادة أنعكست عليه هو...

************************

دلف إلى الملعب بحماسٍ و سعاده جعلت الأدرينالين يرتفع بجسده، حاله تبدل فور رؤيتها.. اصبح بداخله طاقة كبيرة هو ذاته مستغربًا كيف باتت به..

بدأت المباراة، لينطلق هو بسرعه وخفه لاحظها الجميع، يبتسم ويضحك وهو يتنقل بينهم وكان اليوم عيد... البعض أستنكر حالته بل وعلق منهم بانه مجنون وأكثرهم صديقه "نعيم" الذي لاحظ حالة صديقه فنبس قائلًا بداخله بتحسر..

"الواد بيضيع مننا ولا ايه، يا خوفي يكون بلبع حاجه قبل ما يدخل"..

مال عليه" لؤي" الذي ذُهل من سرعة عمر وحماسه الغريب قائلًا بصوتٍ عاليٍ:

_هو صاحبك مسكوه سلك كهربا قبل ما يدخل ولا ايه؟

_ تصدق، يمكن ده اللي حصل فعلاً...

عودة إلى المباراة التي أستمرت وأنتهت بأفواه فاغره، واعين متسعه من ذلك الفتى الذي أرهق الجميع وبقى هو يتحرك بسرعه لم تهدأ ابدًا، سجل وراوغ والجميع يصرخ بحماس من حوله، أبتسامه وضحكات لم تتركه طوال الساعتين...

اعلن الحكم أنتهاء المباراة لصالح فريقه، الذي تكالب عليه يحمله ويلقيه إلى الأعلى ثم يمسك به مجددًا.. ليصرخ هو مهللًا سعيدًا بالمكسب والذي كان بالنسبة له في عودتها...

**********************

قبل ذلك وعندما دلف شقيقها إلى المباراة، التفت سريعًا تواجه "مريم" قائلةً بتلهف:

_عرفتي معين فين؟ خديني ليه بسرعه..

تأففت الأخرى قائلةً ببرود:

_ مستعجله ليه؟ ما تحضري الماتش الأول وبعدها ابقي شوفيه!!

دفعتها برفق وهي تسحبها إلى الخارج قائلةً بتصميم:

_ لا تعالي وديني ليه لحد ما الماتش يخلص، ونرجع أنا وهو سوا..

_ماشي بس أعملي حسابك أنك هترجعي معايا بكره..

قالتها بتنبيه، لتزفر "سكن" قائلةً بحنق:

_ حاضر، حاضر يا مريم باشا، خليني بس أشوف جوزي وبعدها ربنا يستر..

***********************

منذ أن غادر " لؤي" برفقة "فرح" ولومها له وهو يشعر بأنه ليس بخير، تكالب عليه كل شيء في وقتٍ واحد، معاناة موسى، حادث لؤي.. إهانته زوجته ثم أختفائها طوال الفتره الماضيه، يقسم أنه رجل مؤمن وراضيٍ بأمره خيره وشره..

جلس على الأريكه بضعف وأرهاق، ف منذ ذهابها وهو لم يعد يأكل كما السابق، حتى الطعام أصبح ثقيلًا ويصعب عليه أبتلاعه... أسند رأسه إلى الخلف بألم وحيره، عاجز عن فهم ما يدور حوله، والده وتأنيبه لنفسه على ما حدث معه...والدته وخوفها عليه.. صديقه الذي يعاني ملقيًا اللوم على نفسه.. ولؤي الذي يمثل انه بخير ويخفي الكثير عنهم، موسى والذي يخشى أن تُفسد سعادته بعودة الماضي... شقيقه الذي اهمله ولا يعلم شيئًا عنه.. كذلك عمر الذي يحقق حلمه وهو يعجز أن يكون بجواره داعمًا له..

وقف وتحرك بصعوبه يخرج من البنايه بأكملها، صعد إلى السيارة وتحرك بها حتى وصل إلى وجهته..

دلف إلى العوامه بجسد مُنهك وعقل يعمل كالمراجل.. نزع عنه سترته وربطة عنقه بعدما شعر بالاختناق وضيق في تنفسه...

رمى بجسده على الأريكه في منتصف المكان، مخرجًا ما كان يحتفظ به في جيبه طوال الفترة الماضيه بأشتياق ولوعه... تأمل (الأنسيال) الخاص بها بحزنٍ وحيره، ذلك الذي وقع منها في حديقه منزلهم في أول زيارةً لها عندما اتت برفقة أهلها.. أحتفظ به حينها رافضًا اعادته..

تمدد على الأريكه وهو يقبض عليه بكفه، يتذكر مقلتيها الساحره له، ضحكتها التي تجعل قلبه ينبض بقوة على غير العاده.. حديثا المندفع والمحبب إلى قلبه.. خجلها.. ضعفها وعناقها له.. يشتاق لكلها...

غرق في سبات عميق رغمًا عنه، أشتد عليه الألم لدرجة المرض مع هواء البحر الذي يضرب المكان.. أصابته الحُمى وأصبح جسده ساخن للغايه....

************************

صوت دقات تعلو تقتحم عقله وهو بين الوعي والا وعي، الرؤيه ضبابيه والجسد ثقيل يصعب عليه التحرك به، رفرف بأهدابه محاولًا إستيعاب أين هو وما يحدث حوله.. نظر باتجاه الباب الذي ما زال الطارق يضرب عليه بقوة أكبر.. رفع جزء الأعلى بصعوبه لشعوره بالخمول والتعب.. وقف أخيرًا يتحرك ببطء وهو يتعكز على كل ما يقابله حتى لا يقع...

وهي بالخارج تشعر بالقلق يأكل قلبها عليه، تتسأل لما لم يفتح الباب حتى الآن..

_ أهدي يا سكن، أكيد نايم مثلًا ومش سامع حاجه..

نبست بها "مريم" بتفكير تحاول تهدئتها، لتجيبها الأخرى قائلةً بخوف:

_ لا... لا أكيد في حاجه، أنا ليا ربع ساعه بضرب على الباب وهو مفتحش، معين لو قاعد جوه كان فتح، أنتِ متاكده انه في العوامه؟؟

ردت عليها بحيره قائلةً:

_ موقع تلفونه بيقول انه هنا، بس مش متاكده يمكن سابه وخرج..

تقدمت منها تسحبها برفق وهي تتابع قائلةً:

_ تعالي معايا وانا هسأل نوح يمكن يقدر يوصل لمكانه..

تحركت معها بآلية وقلق، لم تكد تخطو خطوةً واحده حتى أستمعت إلى صوت الباب يفتح...

نظرت إلى الخلف بسرعه لتجده يحاول الوقف والأستناد على الباب ورأسه تنخفض إلى الأسفل لا يستطيع رفعها... تيبس جسدها وهي تتفحص هيئته المتعبه بألم وندم، هل هي السبب بأن يصل إلى هنا، لقد كان كالنجم يلمع ، يخطف النظر لكل من ينظر له.. أبتلعت ريقها تخشى الأقتراب منه.. ترى كيف يحاول نصب جسده ورؤية الزائر... لاحظت تهاوي جسده لتهرول بأتجاهه بذعر...

حاوطت خصره تدعم ثقل جسده وهي تقول بقلق:

_ بسم الله الرحمن الرحيم، أسم الله عليك يا معين من الوقعه... حصلك ايه؟

أما عنه فقد اغلق اعينه يعجز عن فتحها ولكن أستطاع أن يميز رائحتها ويشعر بالراحه من ذلك الجسد الصغير الذي يتمسك به... أستمع أيضًا إلى صوتها ليهمس بشوق وتيه قائلًا:

_سكن! أنتِ هنا بجد ولا أنا بهلوس من التعب..

مسحت على ظهره بألم وخوف عليه وهي تشعر بسخونه جسده قائلةً بحرقه:

_ أنا هنا، هنا والله، سلامتك من التعب يا معين.. أنا آسفه لو كنت السبب.. حقك عليا يا حبيبي..

_متسبنيش، خليكي جنبي..

كانت هذه أخر كلماته قبل أن يسقط على الأرض غائبًا عن الوعي، لتنهار هي معه تحاول التمسك به قائلةً بذعر:

_ معين، معين فـوق عشان خاطري، حقك عليا، ياريتك ما شفتني ولا قربت مني حتى..

بكت بحرقه وهي تحاول رفع رأسه، لتسرع "مريم" تساعدها في ذلك بعدما كانت تراقب ما يحدث بتأثر محاولةً التحكم في نفسها وعدم البكاء...

تساعد الأثنان في رفعه.. حتى أستطاعا أن يجعلاه يتمدد على التخت داخل الغرفه الجانبيه في العوامه..

لتتحدث "مريم" بأدراك قائلةً للاخرى حتى تتصرف بعقلانيه:

_ اعمليلوا كمدات وانا هروح أجيب دكتور بسرعه..

هرولت إلى الخارج، لتسرع "سكن" وتجلب الماء البارد وقطعه من القماش..

جلست بجواره على السرير واضعتًا اياها فوق جبينه بعد ان عصرتها من الماء...دثرته بالغطاء جيدًا وكل هذا وهي تبكي وتشهق تؤنب نفسها على تركه والتسبب له بكل هذا الوجع..

وضعت رأسها بجانبه عنقه قائلةً بألم:

_ أرجع كويس أرجوك، أنا مش هقدر أشوفك بتعاني وتعبان كدا... لو انا السبب قوم عاتبني وخد حقك مني بس متسكتش يا معين... تعرف انا كنت جايه عشان أقولك حاجه أخيرًا بقيت متأكد وواثقه منها..

رفعت رأسها وهي تمسح وجنته برفق تلثم الأخرى قائلةً بضعف:

_ أنا بحـبك، بحـبك أوي يا معـين.

         ********************

مرت نصف ساعه وهي بجانبه تبدل الكمدات له كل دقيقه حتى اتت صديقتها برفقة الطبيب والذي نبس قائلًا بعمليه بعدما تفحص جيدًا جسده :

_ انا اديته أبره تنزل درجة الحرارة العاليه، واضح ان التعب نفسي  أكتر مش من الجو بس، ده غير انه ضعيف ومش متغذي كويس، ياريت يهتم بالأكل اكتر من كدا وأن شاءلله في الصبح هيكون فاق وحالته اتحسنت..

شكرته "مريم" وساعدته على المغادرة، لتعود إلى سكن قائلةً بحيره:

_هنتصل بأهله عشان يعرفوا ولا هنعمل ايه؟

أجابتها الأخرى برفض:

_ لا طبعًا، أنا هفضل معاه هنا واخد بالي منه لحد ما يكون بخير..

_بس احنا كنا متفقين أننا هنرجع بكره الصبح يا سكن!!

_ وأنا مش هرجع وأسيب جوزي بالحاله دي يا مريم..

وقفت امامها تناطحها، لتقول الأخرى بسخط:

_ عندو امه وصاحبه ياخدو بالهم منه..

_ هما فين؟

قالتها بنزق، لتضيف قائلةً بتصميم وحنق:

_هما فين صحابه و اهله؟ كل واحد عندو اللي مكفيه، أنا احق واحده باني اخد بالي منه.. كفايه اني السبب في تعبه ده.. وبعدين أنتِ مش واخده بالك انه لو مكنتش جيت أنا بالصدفه.. كان ممكن يحصل فيه ايه لوحده هنا؟. انا قلبي بيقطع من جوه عليه..

زفرت بضيق لترضخ لها قائلةً بتحذير:

_ تمام يا سكن، بس انا هفضل معاكي وهنرجع سوا، لان علاجك لسه ما انتهاش ومش هسمح ان حالتك ترجع تنتكث تاني...

تحركت تغادر الغرفه لتستمع إلى صوتها قائلةً بأمر:

_ كلمي عمـر وطمنيه أني كويسه وهرجع اشوفه تاني..

وقفت تنظر للباب الذي اغلقته قائلةً بسخط:

_ بقى انا اللي بتأمر على رجاله بشنبات جوه جهاز الشرطه، تيجي هي الـ سم ونص دي تتأمر عليا؟؟

*************************

خرج من غرفة تبديل الملابس بنشاطٍ ولهفه، يرغب برؤيتها، ليجد من تقطع طريقه قائلةً بتـهكم:

_ اللي متلهف عشان تشوفها مشت.. دي أختك اللي كانت مختفيه صح؟

انكمش وجهه بتهجم وهو يجيبها بتأفف:

_ ممكن تخليكي في نفسك وبلاش كل شويه تنطيلي كدا..

نظرت له بغيظ لمعاملته المهينه لها، قائلةً بغرور:

_ هو أنت تطول اني ابصلك أصلاً، ده اناااا

قاطعها قائلًا بملل:

_ بنت صاحب النادي وبتتعلمي بره مصر والشباب هتموت عشان بصه منك وبلااا بلااا بلااا

مال ينظر لمقلتيها قائلًا بعدم اكتراث:

_ بس انا ميهمنيش كل ده، ولا كلك تهميني... ياريت لو سمحتي تبعدي عن طريقي وتروحي للي هيموتوا عشان نظره منك... عشان انا مش فاضي ليكي ولا لغيرك...

انهى حديثه وغادر ليتركها خلفه تتنفس بغضبٍ تضرب الأرض بقدمها...

وفي طريقه إلى الخارج ظل يبحث عنها وهو ينظر حوله بلهفة، لياتيه اتصال من رقم غريب، شعر بكونه مهم ليجيب عليه بسرعه... سمع صوت فتاة غريبه قائلةً ببرود:

_ سكن بتقولك أنها كويسه وهي دلوقتي مع جوزها معين، متقولش لحد أنك شفتها دلوقتي، وهي هتقابلك تاني فأقرب وقت.. أياك حد يعرف انها ظهرت وده تهديد مني أنا ليك..

أغلقت الخط بوجهه لينظر إلى الهاتف بغرابه وجهل، من تلك الفتاة؟ ولما تتحدث معه هكذا!!.. قرر ان يفعل ما تريد طالما ان شقيقته بخير وهي الآن برفقة زوجها فبالتاكيد يحتاجان إلى التحدث والانفراد ببعضهم بعد افتراقهم طوال هذه الفتره...

خرج من البنايه ليجد بعض الفتيات والفتيان يركضن باتجاهه.. وقف بصدمه يراقب تجمعهم حوله يرغبن بتوقيع...

_ أنت بتلعب جامد اوي، وقعلي بأسمك هنا أرجوك..

_وانا كمان..

_ بجد كنت هايل وسرعتك غير طبيعيه.. من النهارده هشوف كل مباراة هتكون فيها..

_ عمر ممكن رقمك لو سمحت؟

تعالت الأصوات من حوله وهو يوقع لهم بدهشه وذهول، هو لعب هكذا ظنًا منه انها تشاهده وتشجعه.. ولكن لم يفكر بالجمهور وردة فعله مطلقًا... وجد شخصًا يسحبه من بينهم وهو يقول بغيرة و حنق:

_ رقم ايه؟ هو مش معاه تلفون أصلاً.. يلا يا حبيبي منك ليها... قدامي أنت كمان..

دفعه أمامه وسط ضحكات الأخر، ليجد نفسه أمام "لؤي" والذي ما ان راه حتى انقض يقبض على تلابيبه قائلًا بشك:

_ ممكن بقى تفهمنا بالراحه كدا سبب انشكاحك في الملعب والسعادة دي كلها؟ أنت مش كنت مكتئب وحزين ايه اللي غيرك فجأة كدا!!

_ عادي يعني، قولت انسى كل حاجه وركز في اللعب عشان انجح و فرحك بيا..

قالها بتوتر ومزاح، استشفه الأخر والذي ما ان كاد يتحدث حتى قاطعه صوت تفجير عاليٍ جعل الجميع ينظر إلى الخلف بصدمه وذهول..

فقد اجتمع أصدقاء "عمر" من الحاره يركبن الموتسيكلات ويفرقعن المتفجرات في الهواء لكي يحتفلن به... اتى احدهم واخده من بينهم.. منقذًا اياه من تحقيقه...

تعالت الأصوات والصيحات منهم من يقف في المنتصف يطلق الالعاب الناريه في السماء، ومنهم من يقود الموتسكل ضاغطًا على صوت الصافره بلحنٍ وضجيج مرتفع يدل على الأحتفال...

لينظر "نعيم" إلى صديقه الذي سُلب منه، يرى تجمهرهم حوله محتضنين اياه، يرقصن حوله.. ليلتف بجزعه إلى "لؤي" صارخًا بقوة واشتعال:

_ انت واقف كدا ليه؟ اقبض عليهم كلهم يلا.. دول ازعاج للشعب ولمواطن غلبان زيي...

**********************

جاء الصباح...

وهناك بداخل العوامه، تأوّه "معين" محركًا رأسه بألم، ليشعر بشيء وقع من على جبهته.. رفرف بأهدابه يحاول النظر والرؤيه ولكن الضوء القادم من النافذه يزعجه... ثوانيٍ و أعتاد عليه حتى تمكن أخيرًا من معرفة كونه ما زال داخل العوامه ولم يذهب... تذكر كيف غفى على الأريكه ولكن كيف أتى إلى هنا؟... حرك رأسه يسارًا ليجد أخر شيء توقع رؤيته... أنها هي سـكنه و عزيزتـه الغائبه.. تنام بجواره ومن دون حجاب.. ثبت نظراته عليها يخشى أن يرف جفنه فتصبح سراب لا وجود لها.. ظل هكذا من دون حركه أو أغماض جفن يتفحص وجهها وهيئتها بلا ملل.. ظل هكذا حتى شعر بتململ الأخرى، رأها وهي تفتح أعينها وتنظر له لثوانيٍ حتى قفزت فوق الفراش تحتضن وجهه قائلةً بقلق:

_ أنت فوقت، حرارتك نزلت.. طب أنت كويس..

حركت يدها بين جبينه ووجنته وهي تقول براحه:

_ الحمدلله، الحمدلله حرارتك طبيعية..

كل شيء حدث للتو جعله يتأكد أنها هنا.. معه!!!

أنتفض جالسًا يمسك بكتفيها قائلًا بغير تصديق و جنون :

_ أنتِ.. أنتِ عايشه وهنا معايا صح.. كنتي فين؟ طب أنتِ كويسه ولا لا.. اتكلمي حابب أسمع صوتك.. متزعليش مني يا سكن، والله بابا ما يقصد ولا أنا ممكن أسيبك وابعد عنك ووو..

_ بس، بس أهدى يا معين.. أنت تعبان ولازم ترتاح..

قاطعته وهي تجلس على ركبتيها تضع كفوفها على وجنتيه بقلق وندم، بالله كيف تركته يتعذب ويعاني لتلك الدرجه، كيف هان عليها وهي التي لم تهن عليه يومًا..

أنفجرت في البكاء وهي تبعد يدها عنه قائلةً بصعوبة وحرقه:

_ أنا آسفه آسفه آسفه آسفه آسفه، حقك عليا.. أنا بوظت حياتك كلها.. آسفه آسفه آسفه آسفه

تصلب جسده أثر لمستها وخوفها عليه، كاد أن يجيبها بأنه ارتاح حقًا عندما رأها ولم يعد يشعر بالتعب، ليجدها تنفجر باكيةً تؤلم قلبه وخاصةً باعتذارها وحالتها الهستريه التي دلفت بها...

أنتفض ساحبًا اياها يضمها بقوة، محاوطًا جسدها بيديه وهو يرتجف حزنًا وشوقًا.. مسح على خصلاتها الناعمه قائلًا بشوق:

_ وحشتيني، وحشتيني أوي أوي، غيابك كان بيوجع وقاسي، الدنيا من غيرك وحشه أوي يا سكن ومتتعش..

كل حاجه باهته و ناقصه.. مفيش حاجه ليها لون ولا طعم بالنسبالي... متسبنيش تاني بالله عليكي،.. أنا مستعد أستحمل كل حاجه إلا غيابك..

تشبست به تبادله عناقه بلهفه واحتياج، تنصّت لكلماته بألم وبكاء... التزمت الصمت وهو كذلك حتى مرت نصف ساعه...

نصف ساعه كامله لم يتحرك بها أيًا منهم.. هي تدفن نفسها بجوار عنقه تشهق بين الفنيه والأخرى وهو يدلك فروة رأسها بحنان.. تارة يلثم جبينها وتارا خصلاتها...

_ أنت مش زعلان مني يا معين.. صح؟

نبست بها بضعف، ليشدد هو من ضمته لها قائلةً بحزنٍ و حنو:

_ أنا كنت خايف عليكي أكـتر، لحد دلوقتي مش قادر أنسى نظرتك ليا في المكتب وقهرتك، نزلت وراكي زي المجنون ودورت عليكي ليل ونهار بس مقدرتش ألاقيكي، كلهم قالولي أني أنا السبب وده وجعني اوي، أنا وعدتك أكتر من مرة أني مزعلكش وأكون سبب في سعادتك وبس يا سكن.. بس معملتش حاجه غير اني زعلتك وقهرتك وبس..

رفعت رأسها بأعين تملأها العبرات قائلةً بحرقه تنفي حديثه:

_ لا يا معين، أنت عمرك ما كنت سبب زعلي، كل اللي حصل معايا كان بسببي انا وبس.. بسبب أني ضعيفه وخايفه وبفكر في حاجات سلبيه طول الوقت.. أنت مش هتقدر لوحدك تخلي علاقتنا تنجح ولا أفضل مبسوطه دايمًا.. أنا كمان لازم اكون قويه واحاول معاك وادعمك ومضغطش عليك..

أستمع إليها بأستغراب، رغم أعجابه بتعقلها ونضج تفكيرها الذي ظهر جليًا إلا انه يرغب بمعرفة السبب... لذلك جهر قائلًا بتسأل:

_ أنتِ كنتي فين الفتره اللي فاتت يا سكن؟  عايشه فين وبتعملي ايه؟

_ كنت عايشه في أسكندريه..

نبست بها بتوتر وهي تختبيء به، لتتسع اعينه بدهشه قائلًا بتيه:

_ أسكندريه!!! أسكندريه أزاي و أنتِ متعرفيش حد فيها؟!

ابتلعت ريقها تحاول الأبتعاد عنه قائلةً بمراوغه:

_ هحكيلك كل حاجه، بس الأول لازم تاكل عشان تاخد الدوا.. أنت تعبان ووو

أعادها كما كانت قائلًا بحده طفيفه وهو يتمسك بها:

_ مش هتتحركي سم واحد غير لما تحكيلي كل حاجه، بعدها بس مش هسمحلك برضوا تتحركي من جوه حضني، عشان وحشتيني أوي بصراحه..

انهى حديثه وهو يلثم وجنتها بحب، لتشعر هي بالخجل الشديد تخبيء وجهها بكتفه.. ليعلق هو قائلًا بخبث يهمس لها...

_" توردك وجنتاكٍ خجلًا، إذًا أحسنت أنا غزلًا.. وفعلًا ".

‏لَمَّا رَآني فِي هواهُ مُتيَّماً

‏عَرفَ الحَبيبُ مَقَامهُ فَتدَلَّلا

‏فلك الدلال وأنت بدرٌ كاملٌ

‏ويحق للمحبوبِ أن يتدللاَ

مقتبس>>>.

____________________________________

يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هـفوة محببـة

المؤلف ميريـت
2025/11/05 مكتملة
قائمة الفصول (63)
الفصل 0: نـبذة ✓
2025/11/05
الفصل 1: رفـقًا بـي.
2025/11/05
الفصل 2: كـيف اللـقاء.
2025/11/05
الفصل 3: خـطة ✓
2025/11/05
الفصل 4: ابــتعـد.
2025/11/05
الفصل 5: مجددًا.
2025/11/11
الفصل 6: صداقة.
2025/11/11
الفصل 7و 8: افسدت الامر لكي اصـلحه.
2025/11/11
الفصل 9: اطمئني، انا هنا.
2025/11/11
الفصل 10: يكرههـا.
2025/11/11
الفصل 11: نن عـين امـه.
2025/11/12
الفصل 12: يـقسوا عليه.
2025/11/12
الفصل 13: زوجـتي.
2025/11/12
الفصل 14: صـفعه.
2025/11/12
الفصل 15: مـشاعر مخـتلفـة.
2025/11/12
الفصل 16: يـشعر بالمهـانـة.
2025/11/12
الفصل 17: اطمئنـان.
2025/11/12
الفصل 18: تـجاهـل.
2025/11/12
الفصل 19: مسـحور.
2025/11/12
الفصل 20: هفوات من نوع أخـر.
2025/11/12
الفصل 21: خذلان.
2025/11/18
الفصل 22: سـكن.
2025/11/18
الفصل 23: عـلاقـة معقدة.
2025/11/18
الفصل 24: معين أخـر.
2025/11/18
الفصل 25: لـيلـه حافلة.
2025/11/18
الفصل 26: خسارة قاسية
2025/11/19
الفصل 27: جلب حقـه.
2025/11/19
الفصل 28: ارغب بـ عناق
2025/11/19
الفصل 29: فـاق اخيرًا.
2025/11/19
الفصل 30: سـوء فـهم
2025/11/19
الفصل 31: اشتد عليها الألم
2025/11/19
الفصل 32: إنتحار!
2025/11/19
الفصل 33: مشاعر مضطربة
2025/11/19
الفصل 34: فلاش باك
2025/11/19
الفصل 35: اجتماع مدبر
2025/11/19
الفصل 36: القادم يخفي الكثير.
2025/12/01
الفصل 37: جاء بالوقت الخطأ
2025/12/01
الفصل 38: الوضع سيء
2025/12/04
الفصل 39: حزب نسائي.
2025/12/05
الفصل 40: الماضي يلاحقـه.
2025/12/05
الفصل 41: نصفي الأخر بـخطر.
2025/12/12
الفصل 42: مواساة
2025/12/13
الفصل 43: اعتراف يصاحبه إستحاله.
2025/12/23
الفصل 44: للحظات هادئة
2026/01/01
الفصل 45: بات لـ سكن مسكن
2026/01/01
الفصل 46: الجميع يعاني
2026/01/01
الفصل 47: فـوضى عارمـة
2026/01/21
الفصل 48: غرق بها وهوى
2026/01/21
الفصل 49: اصبح الامر كابوسًا
2026/01/21
الفصل 50: إنتكاسـة
2026/01/21
الفصل 51: انفصال محتوم
2026/01/21
الفصل 52: زفاف كارثي
2026/01/21
الفصل 53: براءة الذئب
2026/01/21
الفصل 54: احيانًا التخلى هو الحل
2026/01/22
الفصل 55: طرق مختلفة
2026/01/22
الفصل 56: موقف محرج محبب
2026/01/30
الفصل 57: اجـواء متوتره
2026/01/30
الفصل 58: لا تعليق
2026/01/30
الفصل 59: بـداية النـهايـة
2026/02/06
الفصل 60: فاجعة مؤلمة
2026/02/06
الفصل 61: ما قبل النهاية
2026/02/06
الفصل 62: النهـاية
2026/02/06
الفصل 63: الخـاتمـة
2026/02/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة