فهم التفرع؟

فهم التفرع؟

56 3

في الحديقة الخلفية لقصر دينير العريق، حيث الزهور تتفتح بألوانها الزاهية والمياه تتلألأ في البركة الصغيرة، وقف ليون، ممسكًا بسيفه الخشبي المتقن الصنع. كانت الحديقة تمتد على مساحة شاسعة، نصف حجم الحديقة الأمامية التي تبلغ مساحتها 600 متر مربع، وتتوسطها شجرة جذع أصفر ضخمة، شاهدة على الزمان بعمر يتجاوز المائة عام. أشجار الجذع الأصفر، المعروفة بطول عمرها وسرعة نموها، تبلغ قمة نموها في غضون سنوات قليلة. مع كل حركة من سيفه، كان ليون يتحرك بخفة وسرعة، كأنه يخوض معركة ضد خصم لا يُرى. لمدة نصف ساعة، استمر في تدريباته حتى اكتسى جسده بالعرق. وأخيرًا، استسلم للتعب، جالسًا على الأرض وهو يلهث، مرفوع الرأس نحو السماء الصافية والزرقاء. "كمتقدم في مسار المحارب، أمتلك قدرة هائلة على التحمل وتحسنًا ملحوظًا في القوة البدنية، بالإضافة إلى إكتساب موهبة في إستخدام الأسلحة. في مرحلة الاستقرار هذه، أعادل قوة ستة أو سبعة رجال بالغين. وأعلم أن هذه القوة ستزداد بشكل كبير عندما أصل إلى مرحلة التكامل، ولكن الطريق إلى ذلك صعب وشاق." تتطلب عملية التقدم في أي مسار التركيز على ثلاثة عوامل رئيسية: الطقوس، التحكم في النواة الروحية، وفهم المسار بشكل عام أو التفرع بشكل خاص. الطقوس: هي الأساس الذي تُبنى عليه التقدم إلي التفرع التالي. تُعتبر الطقوس بمثابة البوابة التي تُفتح للمتقدمين للدخول إلى عالم القوة الروحية. بدون إتمام الطقوس المناسبة، لا يمكن للنواة الروحية أن تكتسب أي قوة، وبالتالي يظل الشخص على حاله دون تقدم. الطقوس ليست مجرد ممارسات شكلية، بل هي عمليات تحويلية تُمكن النواة الروحية من الانتقال إلى مستوى أعلى من القوة. تُعد الطقوس ضرورية لتحقيق التوازن بين القوى الجديدة والقديمة وضمان انتقال سلس ومستقر إلى التفرع التالي. نسبة التحكم في النواة الروحية: تُعد هذه النسبة مؤشرًا على مدى قدرة المتقدم على التحكم في قواه الروحية. كلما كانت نسبة التحكم أعلى، كانت القدرة على استقرار النواة الروحية وتوجيهها نحو النمو أكبر. يُعتبر إيقاظ النواة الروحية في سن مبكرة عاملًا حاسمًا في زيادة هذه النسبة، حيث يُمكن للمتقدم أن يتفاعل مع نواته الروحية لفترة أطول ويُحسن من قدرته على التحكم فيها. فهم المسار أو التفرع: يُعتبر الفهم العميق للمسار الروحي الذي يسلكه المتقدم أهم العوامل الثلاثة. فهم المسار يعني إدراك الأسس الفلسفية والمبادئ الروحية التي تُحدد طبيعة القوى التي يُمكن اكتسابها. بدون فهم جوهري للمسار، لا يُمكن للمتقدم أن يتوقع كيفية التفاعل مع الطاقات الروحية أو كيفية توجيهها لتحقيق التكامل. مع كل تفرع جديد، يُطلب من المتقدم أن يُظهر مستوى أعلى من الفهم والتحكم، وأن يُنفذ الطقوس بدقة أكبر لضمان التقدم السليم، بالإضافة أن نسبة الفشل في التفرعات العليا كبيرة لأن نواتهم الروحية سوف تستقبل قوة كونية روحية أكبر من الطقوس و هذا ما يجل النواة الروحية غير مستقرة اكثر. فقط أولائك الذين يملكون نسبة تحكم عالية في نواتهم الروحية يستطعون التقدم مع إحتمال الفشل. ليون، بعد أن أتم الطقوس التفرع الأول وكان متأكد من توفير مواد تقدم لطقوس التفرع الثاني من مسار المحارب. ومع إمتلاكه نسبة تحكم في نواة روحه تبلغ 64٪، متجاوزًا بذلك المتوسط الذي لا يتعدى 40٪. هذا الإنجاز الرفيع جعل منه عبقريًا بين أبناء جيلهؤ كان قد قد حقق إثنان من العوامل. لم يُعرف في تاريخ العالم أن أحدهم قد بلغ الكمال المطلق بنسبة تحكم تصل إلى 100٪، فالسقف الذي تم الاعتراف به كان 70٪ فقط، وذلك في حدود النظرية والتكهنات. ويُقال أن من يمتلك التحكم المطلق، سينتقل فورًا إلى مرحلة الاستقرار بعد أداء الطقوس، لأنه سيكون قد أتقن السيطرة المطلقه على نواته الروحية. لكن ليون، الذي حقق إثنين من العوامل الحاسمة للتقدم إلى التفرع التالي، وجد نفسه الآن أمام عقبة صعبة. فهم المسار، اللغز الذي يحير العقل ويشغل الفكر، كان يقف حائلاً دون تقدمه. لعل الجواب يكمن مع أولئك الذين تقدموا في التفرع الثاني أو أعلى من مسار المحارب، لكن هذه المعرفة كانت محفوظة للعوائل النبيلة، ولا سيما العظيمة منها مثل عائلة ڤان-هال، حيث تُحاط الأسرار بجدران من الصمت والغموض. تحت ضوء الشمس الدافئ، جلس ليون في الحديقة الخلفية للقصر، غارقًا في بحر من التأملات. كانت أشعة الشمس تداعب وجهه بلطف، مانحة إياه الراحة والهدوء، وكأنها تدعوه للبقاء هناك، جذوره غائرة في الأرض، غير قادر على الابتعاد. بصوت يكاد يكون همسًا، تحدث ليون إلى نفسه: "هااه... لا أرغب في أن أصير ملاكًا أو نصف ملاك. كل ما أتمناه هو التخرج من الأكاديمية والعمل مع إحدى الأسر القديمة العظيمة. ربما يكفيني التقدم إلى التفرع الرابع أو الخامس، فقد سمعت أن المتقدمين في المراتب العليا يتقاضون رواتب ضخمة." كانت رغبة ليون الوحيدة هي العيش في سلام مع أسرته لم تكن لديه الرغبة في الشهرة و السلطة، فقط تلك الحرارة الأسرية التي لم يعرفها في حياته السابقة. كلما تذكر تلك الأيام، كانت نظراته تغرق في بحر من المرارة. فقد عاش يتيمًا، وعلى الرغم من تعاطف أهل القرية ولطفهم، إلا أنه كان يشعر دومًا بفراغ لا يملؤه شيء، فلا شيء يعوض الأسرة الحقيقية. "عندما أتخرج من الأكادمية وأحصل على منصب في إحدى العوائل القديمة العظيمة، سأزور قريتي بالطبع وأرد لهم معاملتهم اللطيفة تلك"، كان يعد نفسه، متطلعًا إلى اليوم الذي يستطيع فيه رد الجميل. عاش ليون حياته السابقة في قرية صغيرة، بالقرب من مدينة تييڤ الباردة في شمال المملكة. وبعد أن وُلد من جديد، وبلغ الخامسة من عمره، وبعد القليل من التحقيقات، اكتشف أنه قد أُعيدت ولادته في نفس اليوم الذي مات فيه. كان هذا الاكتشاف بمثابة بشرى سارة له، حيث أنه عرف أن لديه مستقبل مشرق، وعندما يحين الوقت سيكون قادرا على رد الدين إلى أهل القرية. بينما كان ليون يستسلم للتأمل. صوت أمه، فيون

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الناظر الأبدي

المؤلف Oussama
2024/05/22 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة