خرجنا من الغرفة المظلمة، والهواء البارد للبيت القديم يلمس وجهي كصفعة.
الصمت كان يثقل المكان، كل خطوة نخطيها تصدر صدى بعيد، كأن الجدران نفسها تراقبنا.
أمسكت بيد أمير أكثر، أشعر بيده الدافئة التي تمنحني ثباتًا وسط اضطراب داخلي.
تقدّمنا نحو الممر الطويل، وكل زاوية تمرّ بنا تحمل أسرارًا لم أرَ مثلها من قبل.
عند زاوية مكسورة، لاحظت ظلًّا يتحرك بسرعة، اختفى قبل أن أتمكن من التفرّس.
شهقتُ، فالتفت إليّ أمير، عينيه تشعّ يقظة:
– "لا تلتفتي، ليان… الظلال تختبئ قبل أن تظهر."
اقتربنا من باب حديد قديم، نصفه مغطى بستار متآكل، وخلفه شيء يشبه غرفة صغيرة، مليئة بالأتربة والذكريات الممزقة.
مدّ أمير يده نحو المفتاح الصدئ، أدخلته في القفل، وصرير الباب تردد في الممر الطويل كصرخة قديمة.
دخلنا معًا، والجو داخل الغرفة كئيب ومليء برائحة الرطوبة، لكن هناك شيء آخر… شيء حيّ.
أشعر به قبل أن أراه، حضوره مثل نبض يلمس صدري مباشرة.
على الطاولة، أوراق مبعثرة، صور والدي ووالدتي، والمفتاح يلمع قليلاً في الضوء الخافت.
بدأت أقرأ إحدى الرسائل بصوت مرتجف، كلمات والدي تصيب قلبي كما لو كانت صواعق:
> "إن وصلتِ إلى هنا… ستكتشفين من هو من تحتمي منه، ومن هو من خلف كل الجروح."
توقفت، الدموع حاربتني، وجسدي كله يرتجف من شعور لا أفهمه بالكامل.
أمير أمسك بيدي، وقال بهدوء:
– "ليان… ما زلنا لم نبدأ حقًا. الشخص الذي تبحثين عنه لا يزال يراقبك."
ارتجفت، شعرت بأن الهواء أصبح أثقل، وكأن الغرفة نفسها تتنفس معنا، تنتظر اللحظة التي ستكشف فيها الأسرار.
نظرت إليه، ووجدت عينيه تقولان ما لم ينطق به: "لن تواجهيه وحدك."
وفجأة، جاء صوت خافت من الزوايا المظلمة للغرفة، همس يحمل تهديدًا وكأنه يعرف كل خطواتنا القادمة:
– "أخيرًا… ها أنتما."
قفز قلبي من مكانه، وشعرت أن الظلال من حولنا تلتف ببطء، تقترب أكثر.
أمسك أمير بي، ضاغطًا على يدي وكأن حضنه هو الدرع الوحيد المتاح.
وقال بصوت منخفض لكنه ثابت:
– "كل شيء سيكون على ما يرام… لكن عليكِ أن تثقي بي، ليان."
أغمضت عينيّ للحظة، وجسدي كله يرتجف، لكن داخلي شعرت بجرعة صغيرة من الأمان.
حتى الظلال لم تستطع أن تصل إلينا ما دام أمير هنا… على الأقل حتى اللحظة.الرجل وقف هناك، الظل يلتف حوله وكأنه جزء من الغرفة نفسها.
تقدّمت بخطوات مترددة، صوت قلبي يعلو مع كل ثانية.
أمير ظلّ أمامي، يدافع عني، لكن عينيّ لم تستطع الابتعاد عن وجه هذا الغريب.
همستُ بصوت مرتجف:
– "من… من أنت؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة، باردة، وحروف اسمه كأنها ترسم الرعب:
– "اسمي مالكورث… وليست مجرد اسم، بل ثقل كل ما أخفيتموه عن العالم."
شهقتُ، والدموع تتجمع في عينيّ، شعور بالرهبة يلتف حول قلبي.
أمير أمسك بيدي أكثر، لكن كلماته كانت هادئة:
– "استمعي إليه… فقط استمعي."
مالكورث نهض بخفة رغم ضخامته، ووقف أمامنا مباشرة:
– "ليان… أنا لست هنا لأؤذيكِ، ولا لأخذ شيء منك. أنا هنا لأكشف لك الحقيقة. كل ما حصل، كل الخيانة، كل الألم… لم يكن صدفة. والدك لم يكن بريئًا، لكنه لم يكن وحيدًا. رجال أقوياء، تحالفوا معه، وخانوا كل شيء… وقتلوا والدتك لأنهم لم يتحملوا أن تكشف الأسرار."
تجمّدت أنفاسي، وشعرت بالغضب والصدمة تتصارع داخلي:
– "والده… كل هذا… ليان… كل هذا…" همستُ، لكن صوتي خنقته الدموع.
مالكورث تابع بصوت هادئ لكنه يزن كل كلمة:
– "أعرف أنكِ تحاولين فهم كل شيء. أنا هنا لأريكِ الطريق. لم أعد ناري، لن أؤذيكِ… كل ما أريده هو أن تعرفي الحقيقة، لتقرّري بنفسك من يكون العدو، ومن هو الضحية."
نظرت إلى أمير، عينيه تقولان ما لم ينطق به: "ستكونين قوية، لن تسمحي للماضي بأن يسيطر عليكِ."
مالكورث ابتسم ابتسامة خفيفة مرة أخرى، ظلّ صامدًا كتمثال:
– "الرحلة لم تنته بعد، ليان… وكل سر سيظهر أمامك، مهما كان مؤلمًا."
ارتجفت، لكن شيئًا بداخلي استيقظ.
شعرت أن الظلام حولنا لم يعد يهددنا، بل الحقيقة هي ما يجب مواجهته… وأنني لست وحدي.تقدمتُ بحذر، ويدي ما تزال محمية بيد أمير.
مالكورث وقف ساكنًا، كأن الظلال نفسها تلتف حوله، عيناه تراقبان كل حركة.
صوته الهادئ لكنه الثقيل ملأ الغرفة:
– "ليان… أمامك الحقائق كلها الآن. لكن يجب أن تسمعي كل شيء بصمت، دون مقاطعة."
شعرت بقشعريرة تسري في عمودي الفقري، لكن شيئًا داخلي قال لي أن أستمع.
مالكورث نظر إليّ مباشرة، ثم بدأ بالكلام عن أبيّ:
– "والدك لم يكن بريئًا كما ظننته. كان متورطًا مع رجالٍ أقوياء… رجال لم يرحموا أحدًا. حاول حماية والدتك، لكنه ارتكب أخطاء دفعت ثمنها غاليًا. قتلوها… وقتلوا كل من يقف في طريق أسرارهم. كل ما رأيتيه، كل ألمك، جزء من لعبة أكبر."
ارتجفت، وشعرت بأن كل جسدي يرفض هذه الحقيقة:
– "لكن… لماذا لم تحمِهم؟ لماذا تركتهما يموتان؟"
ابتسم مالكورث ابتسامة قاتمة، لكنها لم تكن عدوانية:
– "لم أستطع… لم يكن بيدي القوة الكافية لإيقافهم. كل ما استطعت فعله هو انتظار اللحظة التي تكونين فيها جاهزة لمعرفة كل شيء."
اقترب أمير أكثر، ضاغطًا على يدي كأنه يريد أن يثبت لي أنني لست وحدي:
– "ليان… لن تنهاري. كل شيء ستعرفينه، لكنكِ لن تكوني ضحية هذه المرة."
مالكورث أشار إلى الصور والملاحظات المبعثرة:
– "هذه أوراق والدتك، رسائلها، ملاحظات أبيك… كلها تكشف جزءًا من الحقيقة. لكن هناك أكثر… شيء لم يكتشف بعد."
أحسست بأن الغرفة كلها تزداد ضيقًا حولنا، الهواء يثقل، لكن وجود أمير بجانبي منحني شجاعة لم أظن أنني أملكها.
نظرت إلى مالكورث:
– "أريد أن أعرف كل شيء… لن أهرب."
ابتسم برفق، وقال:
– "حسنًا… كل سر سيكشف أمامك، ليان. لكن اعلمي… الحقيقة ليست دائمًا كما تتمنى، وأحيانًا تكون أقسى من الخيال."
وبين الظلال والسرّ الذي يلوح في كل زاوية، شعرت بأن الرحلة الحقيقية بدأت الآن، وأن لا عودة إلى الوراء.
نجمة✨🩶