لم أحتمل ثِقَل اللحظة… الكلمات التي قالها عاصف التصقت بروحي مثل لعنة. شعرت أن الأرض تدور بي، وأن القيود التي تكبّل يدي ليست سوى صورة لقيود أكبر تسجن قلبي.
سقطتُ على ركبتي، دموعي انهمرت بلا توقف. لم أعد أملك القدرة على التماسك.
– "أمي… هو اللي قتلها…!" خرج صوتي متكسّرًا، أشبه بصرخة ضائعة في صحراء.
اقترب أمير بخطوات سريعة، في عينيه مزيج من الذهول والغضب، لكن وجهه ظل ثابتًا كأنه يحاول أن يحمل عني ثِقَل ما سمعت. مد يده نحوي، صوته خافت لكنه مليء بالقوة:
– "ليان… لا تنهاري أمامه إذا بكيتِ، راح يفوز "هو يريد يشوفچ مكسورة."
لكنني لم أستطع كل شيء بدا أثقل من قدرتي. رفعت عينيّ إليه، والدموع غارقة على وجهي، كأنني أبحث فيه عن ملجأ.
وقبل أن أدرك، وجدت نفسي أندفع نحوه. احتميت بصدره كطفلة ضائعة عثرت أخيرًا على بيتها.
شعرت بذراعيه تلتفان حولي بقوة، دفء غريب اخترق برودة المكان. لم يقل شيئًا في البداية، فقط كان صمته حضنًا أكبر من أي كلمة.
ثم همس قُرب أذني:
– "ما راح نخليه يربح. ما دام أنتي وياي… راح أقاتل لأجلك."
أغمضت عيني، وتركت دموعي تنسكب حتى أرهقني البكاء. ومع كل دقّة قلب من صدره تحت وجهي، كنت أشعر بأنني أعود للحياة قليلًا… حتى غلبني النعاس.
وللمرة الأولى منذ زمن بعيد… سمحت لنفسي أن أنام.
لكن خلف جدران النوم، ظلّ وجه عاصف يطاردني… يبتسم ابتسامة لا تحمل سوى وعدٍ واحد:
– "القصة بدأت للتو."كان الصمت يخيّم على المكان، لا يُسمع سوى أنفاسي المتقطّعة ودقات قلبه تحت وجهي. كنت غارقة في حضنه، متعبة، منهكة من الدموع، حتى غلبني النعاس.
أمير لم يتحرك. ظلّ ساكنًا كالجدار، لكنني شعرت بتوتره يتسرّب من صدره إلى أنفاسي. كان يراقب الباب، يترقّب أي حركة، وكأنّه يعرف أنّ عاصف لم يختفِ بعد… بل يراقب من بعيد.
في تلك اللحظة، لم أكن أدرك أنّني أضع كل ثقلي، كل ضعفي، بين يديه.
أما هو… فكان يضع صمته بيني وبين العالم، كأنّه وعد غير منطوق أن يبقى حارسًا لي.
مرّت الدقائق طويلة، والليل أبطأ خطواته. كنت أقاوم النوم، لكن جسدي استسلم. أما أمير، فعيناه ظلّتا يقظتين، تلمعان في العتمة بانتظار قادمٍ لم يكن يعرف متى سيضرب.
كان الليل ينساب ببطء، صمت ثقيل يخيّم على كل شيء، حتى أنفاسي وأنا غارقة في حضن أمير بدت أعلى من المعتاد. عيناه ظلّتا يقظتين، تتأملان العتمة كمن يحرس حدود قلبه، لا جسده فقط.
وفجأة… انشق الصمت بصوت صراخٍ مدوٍّ، بعيد لكنه يقترب بسرعة. ارتجّت جدران السجن كأنها استجابت لذلك الصوت. فتحتُ عيني مذعورة، بينما أمير شدّ ذراعه حولي وكأنه يحميني من شيء مجهول.
خطوات هرولة اقتربت، صياح رجال، وأوامر صارمة تتردّد في الممر. الباب الحديدي انفتح بعنف، ليندفع منه رجال بملابس رسمية، مدججون بالقوة والسلطة.
صرختُ بدهشة:
– "ماذا يحدث؟"
لكن أمير لم يبدُ مندهشًا مثلما توقعت. على العكس، ملامحه ظلّت مشدودة لكنه بدا وكأنه يعرف… يتوقّع.
رجل متقدّم بينهم صاح:
– "أمسكوا به!"
اندفعوا نحو الظلال… حيث كان عاصف يترقب. حاول المقاومة، صرخ كوحش جريح، لكن قبضاتهم وأغلالهم كانت أسرع، كأنهم ينتظرونه منذ زمن.
وقفتُ مذهولة، أنظر إلى المشهد الذي لم أستوعبه بعد. التفتُّ إلى أمير، وعيناي تبحثان عن إجابة.
اقترب مني ببطء، صوته منخفض لكنه يقطر بالحقيقة:ستعرفين كل شيء في وقته.
بينما كانوا يجرّون عاصف مكبّل اليدين، التفت إلينا وهو يصرخ:
– "تظنّون أنكم انتصرتم؟! اللعبة لم تنتهي هنا… الدم بعده يركض بعروقكم!"
ثم ابتلعته الجلبة، واختفى بين أيدي الرجال.
بقيتُ أنا وأمير واقفين في وسط الممر، بين خوفٍ لم ينتهِ بعد، وارتباكٍ مليء بالأسئلة. شعرتُ أن النهاية ليست هنا… بل مجرد بداية لفصلٍ أعمق من الحكاية
نجمة✨🩶