لم أنم تلك الليلة، كل ما قاله أمير ظل يتردّد في رأسي كهمسٍ لا يهدأ، عيناه السوداوان، كلماته التي اخترقتني، وحتى تلك الابتسامة الغامضة… كلها كانت تتلاعب بي،
في داخلي سؤال لا يفارقني: من هو حقًا؟ ولماذا يعرف عني ما لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه؟مع شروق الشمس، بدا السجن مختلفًا. جدرانه الملطخة بالرطوبة لم تكن مجرد حجارة، بل أسرار متراكمة، وأنا… أصبحت جزءًا منها، سمعت وقع خطواته مجددًا، لكن هذه المرة كان صوته أقرب، أكثر هدوءًا:
– "أتعرفين، نحن لسنا مختلفَين كما تظنين."
رفعت بصري إليه، عيناي تبحثان عن صدقٍ بين كلماته.
– "إن كنتَ تعرف الكثير عني… إذن، أخبرني، لماذا أشعر أنك أنت أيضًا مكبّل؟"
أمير صمت لثوانٍ، ثم قال:
– "لأن القيود لا تُصنع من الحديد فقط… أحيانًا تُصنع من الماضي.
"كان اسمي دائمًا ثقيلاً على لساني، كأنني أحمله كسرّ لا أريد أن يعرفه أحد. منذ ولادتي ارتبط اسمي بحكايةٍ لم أخترها، حكاية دمٍ قبل أن تكون حكاية حياة.
أنا ليان هكذا سمّتني أمي، قبل أن تغيب عني إلى الأبد، وتركني لمصيرٍ لا يشبه أحدًا...
كبرتُ وأنا أسمع أن اسمي يعني “الليونة”، لكن حياتي لم تعرف سوى القسوة. كل خطوة، كل نفس، كان محاطًا بالقيود… حتى صار قلبي نفسه سجينًا، مثل يديّ الآن...
رفعت رأسي نحو أمير، وكأنني أتحدّاه أن يقرأ ما في داخلي...
قلتُ ببطء، كمن يبوح بسرٍ للمرة الأولى:
– "اسمي ليان… وإن كنتَ تعرف كل شيء، فستعرف أنّ هذا الاسم ليس مجرد حروف."
ابتسم بخفّة، ابتسامة تحمل شيئًا من الاعتراف:
– "ليان… نعم، أعرف. بل أكثر مما تظنين. اسمك كان بداية قصتك… وقد يكون أيضًا بداية نهايتك."
شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي، لكنني لم أُبدِ خوفي. كان في داخلي يقين أن لقائي بهذا الرجل لم يكن صدفة، وأن اسمي الذي ظننته عبئًا… سيكون مفتاح الحكاية كلّها سكتُّ لحظة، أبحث عن أنفاسي المبعثرة، لكنني لمحت في عينيه بقايا جرحٍ يشبه جرحي، لم أحتج أن أسأله، فصمته كان يتكلم.
ابتسم ابتسامة باهتة، ثم قال بصوتٍ خافت:
– "أتظنين أنّكِ وحدكِ من وُلدتِ مقيدة؟"
لم أُجب، فتابع، وعيناه تغوصان في الماضي:
– "كنتُ طفلًا حين فهمت أن البيت ليس دائمًا ملاذًا. كنت أجلس في زاوية غرفةٍ ضيقة، أسمع صراخ أبي ودموع أمي تتساقط كالمطر. لم يكن الليل يمرّ إلا ومعه ارتطام أو صرخة."
توقف قليلًا، وكأنه يستجمع قواه قبل أن يكمل:
– "أتذكر وجه أمي جيدًا… كانت تقترب مني وهي تنزف، تمسح دمها بيدٍ مرتجفة وتقول: 'أمير… لا تنسَ أبدًا أنك أقوى مما يريدونك أن تكون.'
لكنها كانت تُسحب من بين يدي بعد لحظات، وتتركني مع صدى كلماتها. ومنذ تلك الليلة… فهمت أن القوة لم تكن خيارًا. كانت النجاة الوحيدة."
صوته ارتجف للحظة، لكن سرعان ما استعاد صلابته، ونظر إليّ مباشرةً:
– "لهذا قلت لكِ يا ليان… لسنا مختلفين. نحن أبناء القيود. لكن الفارق… أننا نحن من يقرر إن كانت ستنكسر، أم ستدفننا معها."
شعرتُ بالقشعريرة تجتاحني. لم يكن حديثه مجرد اعتراف، بل مرآة وضعتني أمام نفسي. أدركت حينها أن اللقاء بيننا لم يكن صدفة، وأنّ قصتي… مرتبطة به أكثر مما توقّعت...
أخفضت بصري إلى الأرض، أحاول أن أخفي ارتجاف يدي، لكن القيود كانت كافية لفضحي. حاولت أن أتمالك نفسي، ومع ذلك وجدتني أهمس:
– "أمير… أنا أيضًا لم أولد حرة. كل ما حولي كان قيدًا منذ اللحظة الأولى."
رفع رأسه إليّ، نظراته كأنها تدعوني للاستمرار. أغمضت عيني للحظة، ثم سمحت للكلمات أن تنساب:
– "فقدت أمي وأنا صغيرة… كبرتُ بين وجوهٍ لا تعرف الحنان، تعلمت أن أبتلع دموعي بصمت. حتى اسمي… ليان، ظننته خلاصًا، لكنه كان دائمًا شاهدًا على قسوة لم أخترها."
ابتسم أمير ابتسامة حزينة، وقال بهدوء:
– "أتعرفين؟ نحن لا نختلف كثيرًا. كلانا كبر في بيتٍ لم يمنح الأمان، وكلانا وجد نفسه مقيّدًا قبل أن يعرف معنى الحرية."
ساد الصمت من جديد، لكنه لم يكن هذه المرة خانقًا كما كان من قبل. بل كان صمتًا يحمل ألف كلمة لم تُقل.
وفجأة، دوّى صوت معدني من خلف الباب الكبير للممر، صوت ارتطامٍ عنيف جعلني أقفز من مكاني. التفتُّ نحو الباب، لكن أمير لم يتحرك، وكأنه كان يتوقعه.
اقترب مني خطوة، صوته صار أكثر غموضًا:
– "تذكّري، ليان… ما عشناه لم يكن صدفة. وما سيأتي… لن يرحمنا."
شعرتُ بالخوف يتسلل من جديد، لكن هذه المرة لم يكن وحده. كان هناك أيضًا فضول يشتعل في داخلي، يجرّني لأن أعرف أكثر… حتى لو كان الثمن حياتي.
دوّى صوت الباب وهو يُفتح بعنف، ارتجّت الجدران حولي حتى شعرت أن السجن نفسه انحنى أمامه.
ظلال ثقيلة تقدّمت ببطء، وصوته اخترق الصمت كصفعة:
– "لم أتوقع أن يجمعني القدر بكما… ليان، وأنت يا… أمير."
تجمّدت الدماء في عروقي، أما أمير فقد شحب وجهه للحظة قبل أن يهمس:
– "عاصف…"
ذلك الاسم لم يكن غريبًا… بل كان كالعاصفة نفسها، يحمل معه ذكرى قديمة، وخطرًا لم أعرف بعد حجمه.
نهاية الفصل الثاني✨
نجمة✨🩶