كان الممر خاليًا بعد أن ابتلع رجال الأمن صراخ عاصف، لكن صداه ظلّ عالقًا في الجدران مثل شبح لا يريد الرحيل.
نظرتُ إلى المكان الذي اختفى فيه، وكأنني ما زلت أراه يبتسم تلك الابتسامة المليئة بالوعيد.
تقدّم أمير نحوي ببطء، ملامحه جامدة لكن عينيه كانت تتكلم أكثر من أي صوت.
– "تعالي، ما يصير نضيع وقت."
صوته كان حازمًا، لكنه لم يخلُ من دفءٍ غريب جعلني أتبعه بلا تردد.
خرجنا من الممر الطويل، هو أمامي بخطوات محسوبة، وأنا خلفه أحمل في داخلي أسئلة لا تنتهي.
كل زاوية كنا نعبرها تفوح برائحة الحديد والرماد، كأن المكان تنفّس الألم قبلنا بسنوات طويلة.
همست وأنا أقترب منه:
– "أمير… شنو اللي صار؟ منين إجوا؟ شلون عرفوا مكانه؟"
توقّف للحظة، التفت إليّ بعينين تشبهان الغروب قبل المطر.
– "ما أگدر أشرحلك هسه، بس لازم تصدّگين… إنو كل شي كان مرسوم من البداية."
كلماته غرقت في رأسي مثل حجر في ماءٍ عميق. شعرت أن هناك شيئًا أكبر منّا يتحرّك من خلف الستار، وأن ما عشناه لم يكن سوى مقدّمة لشيءٍ أكثر ظلامًا.
خرجنا إلى باحة واسعة تتسلل إليها خيوط فجر باهت.
الهواء كان باردًا، يحمل بين أنفاسه رائحة البارود والترقب.
وقف أمير للحظة، أخرج من جيبه ورقة مطويّة، مدّها لي.
– "هذا المكان لازم تروحين له… شخص ينتظرك هناك."
– "منو؟"
– "رح تعرفين لما توصلين."
أخذت الورقة بتردد، نظرت إليه بقلق:
– "وأنت؟ وين تروح؟"
ابتسم، ابتسامة صغيرة لكنها موجعة:
– "أنا عندي حساب لازم يتصفّى. بعدين أرجع."
كنت أريد أن أصرخ، أن أطلب منه يبقى، لكن شيء داخلي همس لي أن هذا وداع… مؤقت، أو ربما أبدي.
اقتربتُ منه خطوة، رفعت يدي أبحث عن صوته في عينيه.
– "إذا صارلك شي…"
قاطعني بلطف، وضع يده على وجهي وقال:
– "ما راح يصير. وعد."
كانت لمسة يده دافئة، لكنها حملت رجفة خوف خفية.
ثم ابتعد، ومضى بخطوات سريعة في اتجاهٍ آخر، تاركًا خلفه قلبي يلهث بين الشك والحنين.
نظرت إلى الورقة، فتحتها بيدٍ مرتعشة.
كانت تحوي فقط جملة قصيرة، مكتوبة بخطٍ أعرفه جيدًا:
"إرجعي إلى البيت القديم… قبل غروب اليوم."
تجمّدت مكاني.
البيت القديم؟ بيت أمي…؟
ذاك الذي أُغلق بعد موتها، والكل قال إنه لُعن بعدها؟
ارتجفت أصابعي، وبدأتُ أسير.
كل خطوة كانت تعيد إلى رأسي صورًا من الماضي: ضحكتها، رائحة قهوتها، نظراتها الأخيرة قبل أن تختفي خلف غيوم الموت.
الفجر بدأ ينساب فوق المدينة مثل دمعة طويلة.
الطرقات خالية، والبيوت نائمة، لكن قلبي مستيقظ… يركض نحو الحقيقة التي انتظرت طويلاً أن تخرج من الظل.
وحين وصلت إلى باب البيت القديم…
كانت النافذة مفتوحة، وكأنّ أحدهم ينتظرني.
مددت يدي إلى المقبض دخلتُ، والغبار يرقص في الهواء مثل أشباحٍ صغيرة، تعبث بذكرياتي.
كل زاوية من هذا البيت تحمل رائحة الماضي، همس أمي، ضحكتها، وحتى صمتها الأخير.
تقدّمت خطوة بعد أخرى، أنظر إلى الجدران التي ما زالت تحتفظ بصورٍ باهتة لنا، أنا وهي… ووجهٌ ثالث كنت أتعمد نسيانه.
وجه أبي.
أصابني ارتجافٌ غامض حين وقعت عيناي على طاولةٍ صغيرة في زاوية الغرفة، فوقها صندوقٌ خشبي قديم.
اقتربتُ منه، كانت يدَي ترتجفان حين فتحت الغطاء.
في الداخل… رسائل صفراء، وصورة لوالدي بزيٍّ رسمي، وأوراق تحمل ختم الشركة التي كان يعمل بها عاصف.
أمسكت إحداها، كانت بخطّ يد أمي.
قرأت السطور الأولى، وإذا بالكلمات تمزقني من الداخل:
> "إن خانني هو، فليغفر لي الله ضعفي. لم أعد أحتمل أن أعيش بين حبٍّ ميتٍ وحقيقةٍ قاتلة."
سقطت الورقة من يدي.
الخيانة لم تأتِ من عاصف كما ظننت… بل من أبي.
هو من باع أسرار المشروع لعاصف.
وأمي، حين اكتشفت ذلك، حاولت منعه… فاندلع الحريق الذي أنهى حياتها.
ركعتُ على الأرض، رأسي بين كفّيّ، والدموع تنهمر بصمتٍ مروع.
كل ما بنيته في داخلي انهار.
لم أعد أعرف من ألوم، ولا من أبرّر له.
قلبي كان يئنّ كجسدٍ ينزف ببطء.
في تلك اللحظة، سمعت خطواتٍ خلفي، خفيفة لكنها واثقة.
لم ألتفت، لم أحتج أن أرى لأعرف.
كان هو… أمير.
اقترب دون أن يقول شيئًا.
حين وصل إلى جانبي، جلس بصمت، ثم مدّ يده ووضعها على كتفي.
ارتجفتُ، لم أملك القوة لأقاوم.
انحنيت نحوه، كأن الألم يدفعني إلى الأمان الوحيد الذي بقي لي.
ضمّني إليه ببطء، بذراعين ثابتتين، لا وعد فيهما إلا بالسكينة.
دفنت وجهي في صدره، وتركته يحتويني كما يفعل الصمت حين يتعب الكلام.
همس قرب أذني بصوتٍ مبحوح:
– "خلص… لا تفتحي الجرح أكثر. أحيانًا نحتاج أن نغلق الصفحة، حتى لو ما عرفنا نهايتها."
لم أجب.
كل ما استطعت فعله هو البكاء بصمتٍ طويلٍ أرهقني.
وبين نحيبي وأنفاسي، بدأ دفء حضنه يهدّئ العاصفة التي في صدري.
شيئًا فشيئًا، صارت أنفاسي أهدأ، وارتخى جسدي بين ذراعيه.
كان الليل يزحف خلف النوافذ، ينساب إلينا بهدوءٍ مطمئن، حتى غلبني النعاس.
آخر ما شعرت به قبل أن أغفو… كان نبض قلبه تحت وجهي، ينبض كأنما يقول لي:
"ما دام أنا هنا… لن تسقطي بعد الآن."
نجمة✨🩶