لم يكن الليلُ هادئًا كما اعتاد، كان يئنّ تحت وطأة أسرارٍ ثقيلة.
خطواتي تتردّد في الممرّ الضيّق، وصدري يضجّ بارتجافٍ أعرف أنني لن أستطيع إخفاءه طويلًا.
يداي مكبّلتان بقيدٍ بارد، يلسع جلدي كأنّه يريد أن يذكّرني بحقيقتي: أنا سجينة بين حبّ لم أختره… ودمٍ لم أستطع الهروب منه.
صوتٌ غامض اخترق الصمت، جاء من آخر الممر:
– "هذه ليست سوى البداية."
ارتجفت. لم يكن الصوت مألوفًا، لكنّه اخترق روحي كما لو أنّه يعرف كلّ شيء عني.
تقدّمت خطوة… ثم خطوة أخرى، لأجد نفسي أمام عيونٍ مظلمة، تختبئ خلفها حكايةٌ لا تشبه أيّ حكاية سمعتها من قبل.
اقتربت الخطوات، وكل خطوة كانت تزيد من خفقان قلبي. لم أستطع التراجع، ولم أستطع الهروب… كنت محاصرة بين الخوف والفضول.
العيون المظلمة لم تتحرّك، لكنها كانت تتحدث بصمت، تحمل وعدًا وغموضًا في آن واحد. حاولت أن أرتب أنفاسي، لكن الصمت كان ثقيلاً لدرجة أن كل كلمة بداخلي تتوقّع أن تُسمع.
– "من أنت؟" همست أخيرًا، كأنّي أخاف أن يهرب الصوت مني قبل أن يسمعني.
ابتسمت شفتاه ابتسامةً باردة، لم تحمل دفء ولا تهديد، بل… معرفة.
– "أنا… أنا من يعرف كل شيء عنكِ،" قالها بصوتٍ منخفض، لكنه ثقيل بالحقائق المخفية، "وأنتِ، يا عزيزتي، لم تعرفي بعد مدى القيود التي تحيط بكِ."
ارتجفت. كلماته لم تكن مجرد تهديد، بل كشف جزء من حياتي لم أكن أعرف أنّ أحدًا يراه. شعرت بأن قلبينا يزدادان أسرع، وكأن كل شيء داخلي بدأ بالاهتزاز.
ثم، بلمسةٍ خفيفة على يدي المقيّدة، قال:
– "لكن لا تخافي… البداية فقط."
رفع عينيه عني للحظة، كأنّه يقيمني، ثم همس:
– "أعرف أنكِ تحملين الكثير… أكثر مما تدركين."
ترددت قبل أن أسأله: "وماذا تعرف عني؟"
ابتسم بخفّة، تلك الابتسامة التي لم تكن ودية، لكنها لم تكن عدائية بالكامل:
– "كل شيء… عن القيود التي كبلتكِ، عن الألم الذي تحاولين إخفاءه، وحتى عن ذاك السر الذي ظننتِ أنّه دفن للأبد."
توقفت، شعرت بالفضول والرهبة في الوقت نفسه. لم أكن أعرفه، لكن كلماته جعلتني أشعر وكأنّنا متصلان منذ زمن بعيد.
– "وأنت؟" سألتُه، "من أنت، ولماذا هنا؟"
نظر إليّ بعينين سوداويتين، مليئتين بالغموض، ثم قال:
– "اسمي أمير… أما حياتي، فهي سلسلة من الخسارات والقيود أيضًا. تعلمت أن أعيش بين الظلال، أراقب، أختبر، وأنتظر. أنتِ لم تعرفي بعد كم يشبهك شعوري."
شعرت بشيء غريب يربطني به، رغم كل الغموض، رغم كل الخوف… شعورٌ بأننا، بطريقة أو بأخرى، مررنا بنفس الألم، وأن هذه القيود ليست مجرد حبال، بل حكاياتنا نحن.
كان الصمت يخنق الممر، كل منا يراقب الآخر، والهواء محمّل بوشوشات لم تُقل بعد. شعرت أن قلبينا ينبضان بنفس الإيقاع، وكأنّ القيود لم تعد فقط على جسدي، بل على كل شيء بيننا.
أمير ابتسم مرة أخيرة، تلك الابتسامة التي تحمل الكثير من الأسئلة بلا إجابات:
– "البداية فقط… وستعرفين قريبًا ما يعنيه كل شيء."
ثم تراجع خطوة إلى الظلال، تاركًا خلفه إحساسًا بالفضول والخوف في آن واحد.
وقفتُ هناك، مكبّلة اليدين، والليل حولي يئنّ بأسراره… وأنا أعرف أن ما سيأتي لن يكون كما كنت أتوقع.
نهاية الفصل الأول
✨
نجمة✨🩶