✨العاصفة تأتي✨

✨العاصفة تأتي✨

27 0

لم أستطع أن أحرّك ساكنًا، وكأن جسدي انصهر في مكانه. ظلّه كان يتمدّد على الجدران، طويلًا، ثقيلًا، أشبه بوحش خرج من كابوس قديم.

اقتربت خطواته ببطء، كل خطوة كانت تهزّ الأرض تحت قدميّ. وحين خرج من الظلال، رأيت وجهًا لم أنسه قط… رغم أنني تمنيت أن يكون مجرد وهم.

عينان قاسيتان، سوداوَان كليلة بلا قمر. ابتسامة باردة، لا تحمل أي دفء، بل قسوة تُشعل الرعب في القلب.

– "ليان…" نطق اسمي وكأنه يجرحه بحدّ سكين، "كنتُ أعرف أنني سأراكِ مجددًا."

شعرت بصدري ينقبض. لم أستطع الرد. الكلمات خانتني تمامًا.

لكن أمير… كان مختلفًا. رفع رأسه، وصوته خرج متوترًا رغم محاولته إخفاء ذلك:

– "عاصف… ما الذي تريده بعد كل هذه السنين؟"

ضحك عاصف ضحكة قصيرة، ساخرة، ارتجف معها قلبي:

– "أريد ما أريده دائمًا… أن أسقي الماضي بالدماء. ماضيكما… وحاضركما أيضًا."

اقترب أكثر، حتى صارت المسافة بيننا لا تتجاوز خطوات. أحسست بأنفاسه الثقيلة تحيط بي، ورائحته الحادة تُذكّرني بالدم والنار.

مدّ يده إلى القيد البارد الذي يقيّد معصمي، لم يفتحه، بل شدّه أكثر حتى كاد جلدي يتمزق.

ثم همس:

– "القيود ليست لعنة يا ليان… إنها بداية الطريق. وأنا… من سيقودكما فيه."

شدّ القيد على معصمي أكثر، حتى صرختُ من الألم. ابتسامته لم تهتز، بل ازدادت برودًا.

قال بصوتٍ كأنّه سمّ يتسلّل:

– "تعرفان ما يثير سخريتي؟ أنكما تقفان الآن كغريبين… بينما كنتما في الطفولة لا تفترقان."

تجمّدت عيناي على ملامحه، ثم التفتُّ نحو أمير بذهول:

– "ماذا… يقول؟"

أمير بدا مضطربًا، صوته خرج مترددًا:

– "مستحيل… أنت تكذب."

ضحك عاصف ضحكة قصيرة:

– "أكذب؟ كنت أراقبكما يوميًا… أنتما الاثنان، تلهوان معًا خلف جدار بيتٍ متهالك. كنتما تتقاسمان كل شيء: الخبز، الأحلام، وحتى الخوف."

ارتجف قلبي، ذكريات مبعثرة تسللت فجأة… عيون صبي أسود الشعر، يضحك رغم الدموع، يمد لي يده وأنا أهرب من ظلٍ غامض. لم أكن أعرف أن تلك الذكرى كانت له… لأمير.

أمير همس بدهشة، وكأنه يتذكر هو أيضًا:

– "ليان… كنتِ أنتِ…"

لكن صوت عاصف قطعنا، صوته صار أكثر قسوة:

– "وكنتُ أنا السبب أنكما ابتعدتما. أتذكران تلك الليلة التي لم تعد بعدها أمك يا أمير؟"

عيناه احمرّتا، وصوته خرج كهدير:

– "لا… لا تجرؤ."

ابتسم عاصف ببرود، ثم قال بثقل:

– "أنا من أنهى حياتها. بيدي… وبدمها بدأت قصتك."

صرختُ دون وعي، لكن كلماته التالية حطّمت ما تبقّى في داخلي:

– "ولتعلمي يا ليان… أن أمكِ لم تختفِ عبثًا. لقد تكفّلت أنا أيضًا بأن تختفي… للأبد."

شعرت بالأرض تدور، كل شيء انهار حولي. لم يعد الماضي مجرد جرح، بل نزيف لا يتوقف… نزيف اسمه عاصف.

صرخ أمير فجأة، جسده يهتز كبركان:

– "قتلتها… قتلت أمي؟!!"

اندفع بكل ما أوتي من قوة نحو عاصف، لكن القيود شدّت معصميه للخلف بعنف. حاول مرارًا، حتى كادت القيود تمزّق جلده، لكن المسافة بينه وبين عاصف بقيت كفيلة بتحطيمه.

1

صرخ وهو يجرّ القيد كالمجنون:

– "سأمزقك بيدي… أقسم أني سأمزقك!"

عاصف لم يتحرك، بل وقف ثابتًا، يراقب ثورته بابتسامة ساخرة، كأنه يستمتع بعجزه:

– "ها هو الغضب الذي انتظرته… غضبك يذكرني بعينيها وهي تنطفئ."

تجمّد وجه أمير، وكأن سكينًا غُرس في قلبه. عيناه امتلأتا دموعًا محترقة، لكن صوته ظل هادرًا:

– "سأقتلك… لو كان آخر ما أفعل في حياتي، سأقتلك!"

وأنا… كنت أرتجف في مكاني، بين رعب عاصف وغضب أمير، أشعر أن القيود لم تُكبّل أيدينا فقط، بل كبّلت أرواحنا كلها.

خطوات عاصف كانت بطيئة، ثقيلة، كأنها تقيس نبض خوفي مع كل حركة. اقترب مني، عيناه مثل خنجرين يطعناني بلا رحمة.

– "وأنتِ يا ليان… تتساءلين دائمًا عن أمك، أليس كذلك؟"

حبستُ أنفاسي، وارتجفت أصابعي فوق القيود الباردة. لم أجب.

ابتسم بخبث:

– "كنتِ طفلة صغيرة عندما اختفت… أتعلمين أين ذهبت؟"

شعرت أن الأرض تحت قدمي تهتز. قلبي بدأ يخبط بجنوني. حاولت أن أتمالك نفسي:

– "أنت تكذب… أمي ما زالت…"

قاطعني بضحكة قصيرة مميتة:

– "أمك لم تختفِ، يا ليان… بل دفنتُ سرّها بيدي."

سقطت الكلمات كالصاعقة، شلّت عقلي وجعلت الدموع تتجمّع في عيني.

صرخ أمير بجنون وهو يحاول تمزيق القيود:

– "أيها الحقير!! ستدفع ثمن كل كلمة… كل قطرة دم سفكتها!"

أما أنا، فشعرت أن الهواء قد سُحب من رئتي، وكأنني غارقة في هاوية لا قاع لها. صورة أمي، ابتسامتها، دفء حضنها، تحوّلت فجأة إلى شبحٍ يتلاشى خلف كلمات هذا الوحش.

انفجرت دموعي بلا إذن، شهقاتي اخترقت الصمت كطفلة فقدت كل شيء دفعة واحدة.

صرختُ بأعلى صوتي، وكأن الألم الذي خبأته لسنوات خرج دفعة واحدة:

– "كاذب!! أنت تكذب… أمي لم تمت… لم تمت!!"

لكن عاصف لم يزد إلا برودًا، عينيه كانتا تلمعان بلذة خبيثة وهو يتراجع خطوة بخطوة نحو الظلال:

– "الإنكار لا يغيّر الحقيقة، يا ليان… كل ما تحاولين نسيانه سيعود. وأنا… سأكون دائمًا هنا لأذكّركما."

ثم استدار وغادر، تاركًا وراءه هواءً مشبعًا برائحة الخوف وجرحًا مفتوحًا لا يندمل.

انهرتُ على الأرض، يداي المقيّدتان ترتجفان، وصدري يتقطّع بأنين لم أستطع كبته.

اقترب أمير بسرعة، رغم قيوده، وجثا بقربي، صوته مرتعشًا:

– "ليان… أنا هنا… لا تبكي، أرجوكِ."

رفعت عيني الغارقتين بالدموع إليه، وفي تلك اللحظة لم أجد ملجأً غيره. انحنيتُ، وسمحتُ لدموعي أن تسيل على كتفه.

شدّني برفق إلى صدره، احتواني بذراعيه المكبّلتتين بصعوبة، لكنه فعل.

همس لي، صوته يحمل رجفة لم أسمعها منه من قبل:

– "نامي… ارتاحي… أنا أقسم أني لن أدع أحدًا يؤذيك بعد الآن."

أغمضت عيني، مثقلة بالبكاء، وأحسست بدفء غريب يلتف حولي. لأول مرة منذ سنوات، لم أبكِ وحدي.

غلبني التعب، وشيئًا فشيئًا، استسلمت للنوم في حضنه… بينما الليل يراقبنا، شاهدًا على بداية كسرٍ جديد في حكايتنا...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قيد بين الحب و الدم

المؤلف نجمة✨🩶
2025/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة