قبل ان يلامس كف عفراء وجنة زئبق كان زئبق قد امسك بمعصمها، مانعًا اياها من صفعه:
"ماذا هل ازعجتك كلماتي ؟"
حاولت عفراء نزع معصمها من قبضته، لكن زئبق شد من قوة قبضته، فقالت عفراء بنبرة حادة:
"اترك يدي"
ابتسم زئبق بخبث مستهزئًا بها:
"وان لم افعل ؟"
حاولت عفراء مجددًا نزع يدها لكن كلما حاولت لا تستطيع:
"اترك يدي، احذرك"
"ماذا تستطيعين ان تفعلي ؟"
صرخت عفراء به وهي تنظر له باعين متوعدة:
"اقول لك اترك!"
افلت زئبق يد عفراء وهو يقول مهددًا اياها:
"احذرك ان اراك مجددًا، لحسن حظك ليس لدي وقت الان لالتهي بك والا لم يكن ليكفني سوى كسر يدك يا مددلة"
سحبت عفراء يدها لجانبها بسرعة وهي تشعر بالم في موضع يد زئبق كما لو انه ما زال يمسكها، لكن الم يدها لم يمنعها من تحديه:
"لا اظن ذلك من مزارع مثلك"
"لنرى ماذا يستطيع ان يفعل مزارع مثلي"
وما ان انهى كلماته حتى استدار تاركًا عفراء حانقة خلفه تنظر لظهره بحقد
_______________
كانت شفق تقف في المطبخ، شعرها الاشقر الداكن مربوط خلفها ربطة بسيطة، وعلى خدها بقايا طحين، تخفق خليط الكيك بقوة كما لو انها تخرج به غضبها من لهب واستهتاره
"شفقي"
ها قد حضر المستهتر بذاته، تركت شفق المضرب وهي تلتفت للهب، وفقط رمقته بعض النظرات العابسة ثم اكملت تخفق خليط الكيك بقوة اكثر
كان لهب واقفًا يسند ذراعه على الباب وهو يشاهد شفق المنزعجة منه، ولا يدري عن السبب... بالطبع بسبب حملها، قال لهب متسائلًا بإرتباك:
"هل اعجبك الرمان البارحة ؟"
قالت شفق دون الالتفات للهب او نظر اليه بعدم اهتمام:
"نعم"
حقًا بها شيء لكن من اين له ان يعلم ! فقرر لهب ان يسألها مباشرة:
"ما بكِ يا ام زيد"
القت شفق المضرب من يدها وهي تلتفت للهب تقول غاضبة:
"مالك وزيد !؟ لن اسميه زيد، لماذا زيد عن كل الاسماء !؟"
تنهد لهب وذاكرته تعود لذلك اليوم:
"اشعر انه مقدر له اسم زيد"
"كيف ؟!"
"اتتذكرين اليوم الذي اخبرتني به عن حملك ؟"
"نعم..."
"نعم اليوم الذي قبله، رأيت رؤية في منامي... رأيت نفسي جالس في زاوية غرفة بيضاء بالكامل، حتى انا كانت بشرتي بيضاء جدًا، وكنت ارتدي ثوبًا ابيض بالكامل، لكن كما لو كنت مشلول لم اكن استطيع الحركة... لم افهم كثيرًا ما يحدث حتى فجأة ركض اليّ طفل كان يرتدي ثوب ابيض بالكامل مثلي، عانقني وهو يردد قائلًا "ابي"، تحركت يدي وحدها لاضع يداي خلف ظهره مبادلًا اياه العناق، وحتى شفاهي تحركت وحدها تبتسم، والولد لم يتوقف عن ترديد "ابي" كان متلهفًا لي كثيرًا، استمر ذلك لبضع دقائق حتى جاء صوتك من بعيد تناديه قائلة "زيد، هيا تعال" وحين سمع الولد صوتك ركض بعيدًا متجه نحو صوتك لكن انا لم اراك فقط سمعت صوتك"
دهشت شفق مما سمعت، لماذا لم يروي لهب لها ذلك من قبل...
"مثير للاهتمام... كيف كان زيد... اقصد ابننا"
قال لهب محاولًا تذكر كل تفاصيل تلك الرؤية:
"لا ادري... كان وجهه عليه هالة بيضاء لم استطع رؤيته، فقط رأيت شعره كان بني مثلي"
اخذت شفق نفس عميق ثم استدارت لتأخذ المضرب وتكمل ما كانت تفعل
قال لهب ممازحًا:
"هل اقتنعتي باسم زيد ؟"
"لا لم اقتنع، مجرد حلم عشوائي، لا تضخم الامر يا لهب"
تأفف لهب وهو يقول منزعجًا:
"حقًا! بعد كل ذلك!... على اي حال"
وما ان انهى كلماته حتى استدار ليرحل ويذهب للمقهى
"انتظر !"
توقف لهب ثم استدار يلتفت لشفق:
"ماذا ؟"
"تعال ساعدني بالكيك، في كل الاحوال انت توقفت عن العمل"
ابتسم لهب متناسيًا امر زئبق وهو يهرول الى شفق:
"آمري شفقي"
_______________
"ما سيحدث كالتالي، في يوم رأس السنة في احتفالهم التنكري، سوف اتنكر انا والبعض منكم، سوف ندخل بينهم متخفيين... ندخل منازلهم... معذرتًا قصورهم، نخبىء ما يحتاجوه للدفاع عن انفسهم وقت الهجوم، مثل السكاكين، او التماثيل ثقيلة وهكذا... بعد ان تخبئوا تلك الاشياء اكملوا التمثيل كما لو كنتم منهم حتى افجر الالعاب النارية الحمراء في السماء... حينها تبدأ الحفلة الحقيقية، اقتلوا من يعترض طريقكم، وانهبـ..."
ثم توقف زئبق يبحث عن لفظ افضل من "انهبوا"
"وخذوا ما تشاءون من اراضيهم وقصورهم"
بدأت الناس تبتسم وهي تستمع لخطة الزئبق التي في نظرهم هي تحقيق العدل، وانتهاء الظلم
"جهزوا انفسكم حتى يوم رأس السنة، اي بعد ست ايام... اراكم على خير"
وبمجرد ان انهى كلماته هبط من على الكرسي الذي كان يقف فوقه، وما ان هبط زئبق عن الكرسي حتى بدأت الناس بالرحيل مودعينه
رغم اهمية ما قال زئبق الا ان في عقله لم يكن هناك سوى صورة واحدة...
سار زئبق كالعادة ليجلس بالطاولة التي بها لهب، ولكن هذه المرة على غير المعتاد لم يكن لهب حاضرًا بل كان راشد هو من يجلس بتلك الطاولة، على اي حال، بالتأكيد لهب لديه امر هام، سحب زئبق كرسي وما ان جلس حتى فتح ذلك الامر الذي لا يفارق عقله:
"لقد رأيت اليوم فتاة جميلة جدًا، اخخ لا استطيع حتى وصف جمالها"
ضحك راشد بقول ممازحًا:
"لهذه الدرجة!؟"
"بل حتى اكثر يا راشد، ان وصفها بالجميلة لظلم لجمالها"
"هل تعرفت عليها ؟"
"لا بل تشاجرت معها... هي فظة بعض الشيء"
ضحك راشد على زئبق وهو يقول:
"انت تتشاجر مع كل شيء يا زئبق"
قال زئبق مدافعًا عن نفسه ببرائة:
"كل شيء هو الذي يتشاجر معي"
ثم فجأة تحرك الباب فالتفت الاثنان الى الباب لتدخل فتاة على استحياء متجهة نحو زئبق
"زئبق"
تأفف زئبق وهو يجيب بنبرة غاضبة بعض الشيء:
"الم اقل لكِ لا تأتِ الى هنا يا زمرد"
نظرت زمرد الى الاسفل تقول بتوتر متجنبة النظر المباشر له:
"انا اسفة... لكن اساسًا لا يوجد احد سوى انت وراـ... وذلك الرجل"
ضحك راشد بصوت منخفض حتى لا يلفت الانتباه على زمرد التي تتصرف كما لو انها لا تعرفه
قال زئبق متسائلًا:
"على اي حال ماذا تريدين ؟"
"فقط ايجار المنزل"
وضع زئبق يده على رأسه وهو يتأفف، ان لم تنجح خطته كل شيء سوف يتدمر، لكن كانت المجازفة ضرورية:
"حسنًا، لا تهتمي سوف احل ذلك"
"حسنًا اخـ..."
وقبل ان تنهي كلماتها وترحل لاحظت مفاصل يد راشد المصابة، فأشارت لراشد باعينها ورأسها نحو الباب ثم عادت بالحديث لزئبق:
"حسنًا اخي"
وبمجرد قولها ذلك ذهبت مهرولة نحو الباب لتخرج وهي تنتظر راشد ان يلحق بها
وبداخل المقهى بالفعل بعد مغادرة زمرد بحوالي خمس دقائق نهض راشد عن كرسيه، مستأذنًا:
"حسنًا، اسمح لي بالرحيل، لدي امر يجب حله"
قال زئبق عارضًا المساعدة:
"ان كنت تحتاج لشيء يمكنني مساعدتك ان اردت"
ابتسم راشد يجيبه:
"لا شكرًا اخي، امر بسيط"
وما ان قال راشد ذلك حتى استدار يذهب
بدأت بعض الشكوك تتسلل الى عقل زئبق نحو راشد، لكنه سرعان ما نفاها
***
خرج راشد من المقهى، ليرى زمرد تقف تحت شجرة بجوار المقهى من اليسار تستظل بها وهي تنتظره، سار راشد صوب زمرد ليفهم ما تريد
"ها ماذا تريدي ؟"
نظرت له زمرد حانقه ثم اجابت:
"وهل تظن اني ان اردت شيء سوف اسألك انت ؟!"
قال راشد بثقة:
"لما لا ؟ الست زوجك المستقبلي ؟!"
قالت زمرد متهكمة:
"لا لست، زوجي لا يطرق على بابي مثل المجنون بسبب امر قديم تافه"
قال راشد بأعين متسعة:
"تافه !؟ نعم حقًا ان تخفي عني امر كذلك تافه جدًا، الـ.."
قاطعته زمرد وهي تنظر حولها تتأكد ان لا احد يراهم:
"انظر لم اناديك لاناقش ذلك الامر معك، اساسا لا يهمني، جـ..."
قاطعها راشد قائلًا:
"إذًا لماذا ناديتني ؟"
قالت زمرد بغيظ:
"لو تصمت لاخبرك، او لماذا لاخبرك تعال معي فحسب، الحقني"
ولم تنتظر منه إجابه إذ استدارت لتسير منتظرة منه اللحاق بها
ضرب راشد كف على كف قائلًا:
"لا حولا ولا قوة الا بالله، ما تلك الطفلة !"
وما ان قال ذلك حتى ركض خلفها قبل ان تلاحظ تأخره وتغضب
___________________
"كان يمكنك اخباري اننا ذاهبون لمنزلك"
اشارت زمرد له على كرسي بساحة المنزل:
"اجلس هنا انتظرني"
شعر راشد كما لو انها تأمره فقال منزعجًا ومتهكمًا:
"هل تعامليني كخادمك ام ماذا ؟!"
ردت زمرد بغرور:
"ربما"
تأفف راشد وهو يسير صوب ذلك الكرسي ليجلس عليه ينتظرها...
وبعدما جلس انتظر بضع دقائق حتى خرجت زمرد وبيدها مطهر وقماشه، جلست على ركبتها جوار كرسيه:
"مد يدك"
"لماذا"
"انظر راشد، انا لا اطيق النظر لا لك ولا لوجهك، لذلك لا تطيل الامر"
قال راشد وهو يمد يده لها:
"لا تتصرفي كما لو ان انا المخطأ ليس انتِ"
وضعت زمرد بعض المطهر على القماشة متجاهله اتهامه الباطل لها
راقب راشد زمرد وهي تضمد جرحه وقد شعر بالذنب تجاهها ربما تصرفه كان مبالغ به قليلًا، لكن هو عندما سمع ذاك الامر من احد غيرها خاصه انها اخفت عنه، كان قد فقد عقله، على اي حال قال راشد محاولًا تحسين الامر:
"زمرد..."
"مد يدك الاخرى"
"ماذا ؟!"
تأففت زمرد تقول بجدية:
"اقول مد يدك الاخرى دعني انهي ذلك"
نظر راشد ليده الاخرى ثم عاود النظر لها:
"لا، يدي الاخرى بخير"
قالت زمرد وهي تنهض عن الارض حامله القماشة والمطهر:
"جيد انتهينا، هيا اذهب"
وما ان انهت كلماتها حتى استدارت تسير صوب باب المنزل
نهض راشد عن كرسيه يلحق بها:
"زمرد هلّا توقفتِ، لنتكلم"
"ليس هناك ما نتحدث به"
"جيد زمرد، لكِ ذلك، لكن لا تحاولي التصرف كما لو انني المخطأ"
توقفت زمرد تبعد شعرها الاسود عن وجهها وهي تلتفت لراشد تقول مستنفرة:
"انت بارع جدًا في تغيير مجرى الامور يا راشد، اهنئك على ذلك"
"اي تغيير امور؟! الست انتِ من اخفى عني امر الاعتداء وهو امر كبير، كان عليكِ اخباري بذلك، ربما ردة فعلي كان مبالغ بها قليلًا لكن هذا لا يلغي تصرفك"
قالت زمرد مستهزئة:
"قليلًا !؟"
قال راشد بحدة:
"نعم قليلًا"
"ماذا كنت ستفعل ان اخبرتك يا راشد ؟!"
"لا اعلم لكن كان عليك اخباري، نحن اتفقنا على الصراحة في علاقتنا"
قالت زمرد متهكمة ومستهزئة:
"اي صراحة تلك!؟ نعم تذكرتها نفسها الصراحة التي تخبرني بها عن مسك"
وضع راشد قبضته في فمه يضغد عليها باسنانه، ثم اخرج يده من فمه يقول غاضبًا:
"اكره ذلك اليوم الذي ذكرت اسمها امامك به، كلما خسرت نقاش تقحمينها بالامر، ثم اني سوف اخبرك بأمر مسك لكن عندما اثق انك ستتفهميني"
دار في عقل زمرد الكثير من الاسئلة، كيف كانت علاقتهما ؟ هل كان يحبها ؟ الى اي مدى وصل حبهم؟ فقالت زمرد بحدة وتوتر:
"ماذا فعلت مع مسك؟ هل حدث بينكم شيء"
Mariam